يجب أن نعتقد (١) أنَّ ما أثبته الله سبحانه في كتبه على لسان رسله - صلواتُ الله عليهم وسلامه - حقٌّ، وأنَّ جميع ما فيها من [الوجود] (٢) والإيجاد الثابتين للإلهيَّة والتنزيه عن الحدثِ والمحدَثِ وصفاتِهما حقٌّ. وأنَّ الكتاب العزيز المُنزَّلَ على لسان محمدٍ - ﷺ - أتى بجميع ما فيها من ذلك وأبين، وأنَّه لا اختلاف بين الكتب، في ذلك، وأنَّه ناسخٌ لجميع الكتب. وأنَّ شريعة محمدٍ - ﷺ - ناسخةٌ لجميع الشرائعِ.
وأنَّ رسول الله - ﷺ - وجميعَ النبيين حقٌّ. ويجب أن نعتقدَ (٣) أنَّه يحرم التفرقة بين رسل الله وأنبيائه في التوحيد (٤). وما أقرّه رسول الله - ﷺ -، وقاله، وعمل به، أو فُعِلَ بحضرته وسكت عليه فهو حقٌّ.
وأنَّ العقل [مذكَّرٌ] (٥) لذلك لا أمر له ولا نهيَ، ولا تحريم ولا تحليل، بل تصرُّفُه الموافق لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - في
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (يُعتقد).
(٢) في (ص) و(ن): (الموجود)، وفي (ظ) ما أثبته.
(٣) في (ظ) و(ن): (يُعتقد).
(٤) كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠].
(٥) في (ص): (مركن)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
[ ١٢١ ]
الفروعِ [جائزٌ] (١)، وأمَّا في الأصول فلا مدخل له أصلًا ألبتة سوى الوقوفِ عنده (٢).
_________________
(١) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٢) كلام المؤلف - ﵀ - هنا موافق لمذهب أهل السنة والجماعة؛ إذ هو متجه إلى ثبوت الأمر والنهي والتحليل والتحريم بالشرع لا بالعقل، وليس متجهًا لثبوت الحسن والقبح في الأفعال. وأما مسألة التحسين والتقبيح العقليين فقد تنازع الناس فيها على أقوال: ما بين مثبت ونافٍ لها، وذكر النزاع فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في: منهاج السنة (١/ ٤٤٨ - ٤٥٠)، والرد على المنطقيين (ص ٤٢٠ - ٤٢١) والفتاوى (٨/ ٤٣١ - ٤٣٤)، ودرء التعارض (٩/ ٤٩ - ٥٠)، وذكرها ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير (١/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وبدر الدين الزركشي في البحر المحيط (١/ ١٤٦). وهم في الجملة على ثلاثة آراء: (أ) - القول بأنهما عقليان، وأنهما يدركان عن طريق العقل، هو قول المعتزلة ومن تابعها، قالوا بإثبات الحسن والقبح العقليين في أفعال الله وأفعال العباد، وأنهما ذاتيان، على خلاف بينهم في جهتهما، وأن الثواب والعقاب يعرف ويدرك بالعقل قبل الشرع، وبالتالي قالوا بالوجوب العقلي على الله، وأن ما حسن وقبح من العباد حسن وقبح من الله. انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٥٦٤ - ٥٦٥)، والمحيط بالتكليف (ص ٢٤٣)، والمختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار (١/ ٢٣٤) ضمن كتاب: رسائل في العدل والتوحيد، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (١/ ٣٣٦ - ٣٤٢)، مناهج الأدلة لابن رشد (ص ٩٠ - ٩١)، والمعتزلة لزهدي جار الله (ص ١٠٨)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة للمعتق (ص ١٦٣). (ب) - القول بأنهما شرعيان لا عقليان، وأن الحسن والقبح يثبتان بالشرع لا بالعقل، هو قول النفاة من الأشاعرة ومن تبعهم كابن حزم، فالحسن والقبح بمعنى كون الفعل يتعلق به المدح أو الذم عاجلًا، والثواب والعقاب آجلًا، نفوا أن يكون بهذا المعنى عقليًا. قال الباقلاني في الأنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص ٤٩ - ٥٠): وجميع قواعد الشّرع تدل على أن الحسن: ما حسنه الشّرع وجوّزه وسوّغه، =
[ ١٢٢ ]
فما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه وعلى (١) لسان رسوله - ﷺ - أثبتناه، وما نفاه نفيناه، وما سكت عنه سكتنا عنه، وما ذكره - ﷾ - في الكتاب العزيز وعلى لسان نبيه (٢) محمدٍ - ﷺ - مُفرقًا ذكرناه مفرقًا، وما ذكره مجموعًا ذكرناه مجموعًا. فإن نفى نافٍ جميعَ ذلك نفيًا أدَّى إلى تعطيلها (٣)، ونفي الحقائق الشرعية الثابتة عن الله تعالى ورسوله - ﷺ -
_________________
(١) = والقبيح: ما قبحه الشّرع وحرمه، ومنع منه، لا من حيث الصورة. وانظر: اللمع لأبي الحسن الأشعري (ص ١١٥ - ١١٦)، والإرشاد للجويني (ص ٢٢٨)، والاقتصاد للغزالي (ص ١٠٥)، والأربعين للرازي (١/ ٣٤٦)، والمواقف للإيجي (ص ٣٢٣)، وشرح المقاصد للتفتازاني (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي (ص ٢٠٢)، والفصل لابن حزم (٣/ ١٣٧)، وابن حزم وموقفه من الإلهيات للحمد (ص ٤٣٨). (ج) - أما أهل السنة والجماعة فقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين خلافًا للنفاة، وأن بعض الأشياء حسنة في نفسها، وبعض الأشياء قبيحة في نفسها، ولكن لا يوجبون شيئًا على المكلَّف قبل ورود الشّرع، والثواب والعقاب عندهم متوقف على بعثة الرسل خلافًا للمعتزلة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص ٣٤٦)، وكذلك مدارج السالكين (١/ ٢٢٧ - ٢٤٤)، والفتاوى (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦)، والرد على المنطقيين (ص ٤٢٢ - ٤٣٠)، والحكمة والتعليل للمدخلي (ص ٨٩ - ٩١).
(٢) في (ظ): (على) بدون واو.
(٣) (نبيه) ليست في (ظ) و(ن).
(٤) التعطيل: لغة: الخلو والفراغ والترك، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، أي: فارغة ومتروكة وخالية، والمرأة العطلى: الخالية من الحلي، كما في لسان العرب (١١/ ٤٥٣)، والصحاح (ص ١٧٦٧). قال الراغب: (ويقال لمن يجعل العالم بزعمه فارغًا عن صانع أتقنه وزينه معطل) المفردات (ص ٥٧٢). والمراد بالتعطيل هنا: نفي وإنكار الأسماء والصفات عن الله - ﷾ -، سواء كان ذلك كليًا أو جزئيًا، ولذلك فقد سمى السلف نفاة ذلك معطلة؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله. =
[ ١٢٣ ]
وجب ذكرها وبيانها (١) مجموعةً ومبينةً، للردِّ عليه، وعدم الكتمان المتوعد عليه بالنار الملعون متعاطيه، وما أرسل الله الرسلَ، وجعل العلماءَ ورثتهم؛ إلا لهذا، والله يعلم المفسد من المصلح.
_________________
(١) = انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٢٦)، (١٣/ ١٧٧)، ودرء التعارض (٥/ ٤) وما بعدها.
(٢) في (ظ) و(ن): (وإبيانها).
[ ١٢٤ ]