ونشهد لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة (١)، وإن كان من جملة الذين قضى الله تعالى تعذيبهم وتهذيبهم بالنار، فإنهم مردودون إلى نعيم دار القرار آخرًا، ومن مات - والعياذ بالله تعالى - على الكفر فمردُّه إلى النار لا ينجو منها، وليس لبلائه وعذابه منتهى.
ونشهد لمن شهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة من أصحابه أنَّه من أهل الجنة، ونقطع بذلك اتَّباعًا له - ﷺ -، فإنَّه لم يشهد لهم بالجنة إلا بعد أن أطلعه الله سبحانه عليه، وتبيَّن له حالهم ومآلهم، فإنه سبحانه يطلع رسوله - ﷺ - على ما يشاء (٢) من غيبه، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فقد بشَّر رسول الله - ﷺ - العشرة المعروفين من أصحابه بالجنة (٣) وهم: أبو
_________________
(١) هذه الشهادة على سبيل العموم لا على سبيل التعيين.
(٢) في (ظ) و(ن): (ما شاء).
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عوف (٥/ ٦٠٥) رقم (٣٧٤٧)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٦) رقم (٨١٩٤)، وأحمد في المسند (١/ ١٩٣)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٤٦٣) رقم (٧٠٠٢)، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا بلفظ: "عشرة من قريش في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن مالك، وسعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح". وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد (١/ ١٣٦) رقم (١٦٧٥).
[ ٢٥٩ ]
بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح (١).
وفي روايةٍ صحيحة: وابن مسعود (٢)، وبشّر خديجة - ﵂ - ببيتٍ في الجنة من قصب لا صخب [فيه] (٣) ولا نصب (٤).
وقال لبلال - ﵁ -: "سمعت خشف (٥) نعليك أمامي في الجنة" (٦)،
_________________
(١) من أول الفصل وإلى قوله: (.. وأبو عبيدة بن الجراح) نقله المؤلف بتصرف من عقيدة السلف (ص ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) أخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده كما في المطالب العالية (١٦/ ٤٤٦) رقم (٤٠٥٦) عن المقرىء، عن المسعودي، عن معمر بن عبد الرحمن، قال: صليت إلى جنب رجل، فجعلت أدعو وأنا ممسك بحصاة، فالتفت إلي فقال: إن عبد الله بن مسعود كان يقول: فذكر خبرًا، وفيه: (أن أبا بكر استأذن على رسول الله - ﷺ - فأذن له وبشره بالجنة ثم جاء عبد الله بن مسعود فأذن له، وبشره ) الحديث. وسكت عنه الحافظ ابن حجر، وكذا البوصيري، كما في مختصر إتحاف الخيرة (٩/ ١٤٣) رقم (٧٣٣١). وفي إسناده معمر بن عبد الرحمن، وشيخه - وهو الراوي عن ابن مسعود - لم يتبين حالهما.
(٣) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة (٧/ ١٣٣) رقم (٣٨١٩)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة (٤/ ١٨٨٧) رقم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بلفظه.
(٥) قال ابن الأثير: (الخشْفة بالسكون وهو: الحس والحركة، وقيل: هو الصوت. والخشَفة بالتحريك: الحركة، وقيل: هما بمعنى، وكذلك الخشف). النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٤).
(٦) أخرجه البخاري في التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار (٢/ ٣٤) رقم (١١٤٩)، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل بلال (٤/ ١٩١٠) رقم (٢٤٥٨) من حديث أبي هريرة مطولًا، وفيه: " فإني سمعت الليلة خشف نعليك =
[ ٢٦٠ ]
قال مالك - ﵁ -: الخشف (١): الوطء، والحسّ.
وقال - ﷺ -: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" (٢).
وكذلك قال عن عبد الله بن سلَّام: "إنه من أهل الجنة" (٣)، وقال لثابت بن قيس بن الشمَّاس (٤): "ليس هو من أهل النار، بل هو من أهل الجنة"، قال أنس: (فلقد كان يمشي بين أظهرنا، ونحن نقول: إنه في الجنة) (٥).
_________________
(١) = بين يدي في الجنة"، هذا لفظ مسلم، وعند البخاري: "دفَّ نعليك" بدل "خشف نعليك".
(٢) في (ظ) و(ن): (والخشف).
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب الحسن والحسين (٥/ ٦١٤) رقم (٣٧٦٨)، وأحمد في المسند (٣/ ٦٤، ٦٢، ٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٣٩٥) رقم (١١٦٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٨) رقم (٢٦١٢)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٤١١ - ٤١٢) رقم (٦٩٥٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٦ - ١٦٧)، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري بلفظه، وعند بعضهم زيادة في آخره. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وصححه الألباني كما في الصحيحة (٢/ ٤٣٨) رقم (٧٩٦).
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام (٧/ ١٢٨) رقم (٣٨١٢)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام (٤/ ١٩٣٠) رقم (٢٤٨٣) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام).
(٥) في (ظ): (السماس)، وفي (ن): (الشماش).
(٦) أخرجه مسلم في الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله (١/ ١١٠) رقم (١١٩) من حديث أنس بنحوه أثناء حديث طويل. والقصة أخرجها البخاري في التفسير، باب سورة الحجرات (٨/ ٥٩٠) رقم (٤٨٤٦) دون قول أنس.
[ ٢٦١ ]
ومن أهل الجنة: سعد بن معاذ، قال رسول الله - ﷺ -: "لمناديل سعد في الجنة خيرٌ من هذا" (١).
جعفر (٢) بن أبي طالب، قال رسول الله - ﷺ -: "دخلتُ الجنة البارحة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة" (٣).
وكذلك زيد بن أرقم، وعبد الله بن رواحة، وحمزة في الجنة (٤)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب مناقب سعد بن معاذ (٧/ ١٣٣) رقم (٣٨٠٢)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل سعد بن معاذ (٤/ ١٩١٦) رقم (٢٤٦٨) من حديث البراء قال: (أهديت للنبي - ﷺ - حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها، ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين")، واللفظ للبخاري.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية، وأتوقع أن يكون هنالك سقط، ومن المناسب أن يقال: (وكذلك جعفر بن أبي طالب)، أو: (وجعفر بن أبي طالب).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٠٧) رقم (١٤٦٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٦) من حديث ابن عباس بلفظ المؤلف. قال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وتعقبه الذهبي بقوله: (سلمة ضعفه أبو داود)، يعني راويه عن عكرمة، عن ابن عباس، وهو سلمة بن وهرام. وأخرجه الحاكم أيضًا (٣/ ٢١٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: "مر بي جعفر الليلة في ملإ من الملائكة، وهو مخضب الجناحين بالدم". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٧٦): (إسناده قوي على شرط مسلم).
(٤) قال المؤلف: (وكذلك زيد بن أرقم، وعبد الله بن رواحة، وحمزة في الجنة)، وتفصيل ذلك على النحو الآتي: أ - ذكر المؤلف زيد بن أرقم بأنه مبشر بالجنة على التعيين، وهذا خطأ؛ لأن الصحيح زيد بن حارثة. أما كون زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من أهل الجنة؛ فلأنهما من شهداء غزوة مؤتة، وقد ورد في تبشيرهما بالجنة أحاديث، منها: ما رواه عبد الرزاق في المصنف =
[ ٢٦٢ ]
وفاطمة (١) بنت رسول الله - ﷺ - في الجنة (٢)، وعمير (٣) بن الحمام في الجنة (٤)،
_________________
(١) = مرسلًا (٥/ ٢٦٦) رقم (٩٥٦٢)، ومن طريقه الطبراني في الكبير - قطعة من الجزء ١٣ - (ص ١٨٣) رقم (٤٣١) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٠ - ١٢١) عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيب قال: قال النبي - ﷺ -: "مثّلوا لي في الجنة في خيمة من درّ، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة في أعناقهما صدودًا، وأما جعفر فهو مستقيم " الحديث. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٣): رواه الطبراني، وفيه علي بن زيد وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، إلا أنه مرسل). ب - وأما كون حمزة في الجنة، فقد روى الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "دخلت الجنة البارحة، فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: (فيه سلم بن وهرام، ضعفه أبو داود)، وصححه الشيخ ناصر الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ٦٣٤) رقم (٣٣٦٣). وهناك أحاديث تدل على أن حمزة من أهل الجنة، منها: حديث علي: "سيد الشهداء حمزة"، أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٥١) رقم (٢٩٥٨)، والحاكم (٣/ ١٩٥)، والحديث صححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٦٨٤) رقم (٣٧٤).
(٢) في (ظ) و(ن): (فاطمة) بدون واو.
(٣) كما رواه الترمذي من حديث حذيفة مطولًا، وفيه: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة"، أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب الحسن والحسين (٥/ ٦١٩) رقم (٣٧٨١)، وقال الألباني في المشكاة (٣/ ١٧٣٩): (سنده جيّد).
(٤) في (ظ): (عمير) بدون واو.
(٥) لحديث أنس يرفعه: "قوموا إلى جنّة عرضها السموات والأرض قال عمير: بخ بخ، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما يحملك على قول بخ بخ؟ " قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنّك من أهلها". أخرجه مسلم في الإمارة، باب ثبوت الجنّة للشهيد (٣/ ١٥٠٩ رقم ١٩٠١).
[ ٢٦٣ ]
والشهداء من أهل بدرٍ (١)، وأحدٍ (٢)، والقرَّاء الذين قُتِلُوا ببئر معونة في الجنة (٣)، وعكاشة بن محصن في الجنة (٤)، والأولياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون في الجنة.
واعلم أن تعيين الجنة من رسول الله - ﷺ - لأمته - الصحابة وغيرهم - على ضربين: ضربٍ عيّن فيه الأشخاص، وهو المراد بقول أهل العلم: ولا نقطع لأحدٍ بالجنة إلا لمن قطع له رسول الله - ﷺ - بها وقد ذكرنا منهم قطعةً، وضربٍ عيّن فيه الأوصاف، فيتعينون لها بشهادة رسول الله - ﷺ - لهم بالوصف؛ الذي نصَّ عليه رسول الله (٥) - ﷺ - أنه سبب
_________________
(١) لحديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا والحديبية". أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة (٤/ ١٩٤٢ رقم ٢٤٩٦)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٩٦) واللفظ لأحمد.
(٢) لقوله - ﷺ - ردًّا على أبي سفيان يوم أحد: "لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وقتلاكم في النّار يعذبّون". أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٦٢) من حديث ابن مسعود، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٦/ ١٩١ رقم ٤٤١٤): (إسناده صحيح).
(٣) لحديث أنس: ( فأتى النبي - ﷺ - خبرهم فنعاهم فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وأنّهم سألوا ربهم نقالوا: ربنا أخبر عنّا إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنّا ") الحديث، وعددهم سبعون شهيدًا. أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الرجيع (٧/ ١٨٨ رقم ٤٠٩٨).
(٤) لحديث أبي هريرة يرفعه: "يدخل الجنّة من أمّتي زمرة هم سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم" " الحديث. أخرجه البخاري في الرقاق، باب يدخل الجنّة سبعون ألفًا بغير حساب (١١/ ٤٠٦ رقم ٦٥٤٢)، ومسلم في الإيمان (١/ ١٩٨ رقم ٢١٨) من حديث أبى هريرة، واللفظ للبخاري.
(٥) (رسول الله) ليست في (ظ) و(ن).
[ ٢٦٤ ]
لدخول الجنة كأهل بدرٍ [لقوله] (١) - ﷺ -: "إن الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٢)، ولا معنًى لذلك إلا دخول الجنة.
وكذلك من عمل عملًا جعل له - ﷺ - عليه الجنة من قولٍ، أو فعلٍ، أو نيّةٍ، فإنّا نقطع له بالجنة عليه من غير امتراءٍ ولا شكٍّ بالنسبة إلى الاتصاف بالفعل، أو القول، أو النية، لا بالنسبة إلى الشخص، فإن تحققنا الوصف جاز لنا القطع لصاحبه بالجنة تصديقًا لرسول الله - ﷺ -، بشرط مطابقته الوصف ظاهرًا وباطنًا، والله يعلم المفسد من المصلح، والله أعلم.
_________________
(١) في (ص): (كقوله)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٢) أخرجه أبو داود في السنة، باب في الخلفاء (٥/ ٤٢) رقم (٤٦٥٤)، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٧٧ - ٧٨) من حديث أبي هريرة باللفظ الذي أورده المصنف. قال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ على اليقين إنما أخرجاه على الظن). وأخرجه البخاري في المغازي، باب فضل من شهد بدرًا (٧/ ٣٠٤) رقم (٣٩٨٣)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر (٤/ ١٩٤١) رقم (٢٤٩٤) من حديث علي مطولًا، وفيه: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، واللفظ للبخاري. قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٥): قال العلماء: (إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع).
[ ٢٦٥ ]