ونشهد ونعتقد أن أفضل أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر النبي - ﷺ - خلافتهم بقوله - ﷺ - فيما رواه الحافظ أبو حاتم بن حبان (١) في صحيحه بإسناده إلى سفينة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "الخلافة ثلاثون سنة (٢)، وسائرهم ملوك، والخلفاء والملوك اثنا عشر" (٣).
_________________
(١) هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي الدارمي أبو حاتم البستي صاحب الصحيح والكتب المشهورة، سمع من أبي خليفة الفضل الجمحي وزكريا الساجي، وحدث عنه ابن منده والحاكم صاحب المستدرك. قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال، ومن أعظم مؤلفاته: كتاب الصحيح، وكتاب الثقات والمجروحين. توفي ابن حبان سنة ٣٥٤ هـ. انظر: طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٣١)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢)، والبداية والنهاية (١١/ ٢٥٩).
(٢) من أول الفصل والى قوله في الحديث: (الخلافة ثلاثون سنة) نقله المؤلف بتصرف من عقيدة السلف (ص ٢٨٩).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٤ - ٣٥) رقم (٦٦٥٧) من حديث سفينة بلفظه. وأخرجه أيضًا أبو داود في السنة، باب في الخلفاء (٥/ ٣٦) رقم (٤٦٤٦)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الخلافة (٤/ ٤٣٦) رقم (٢٢٢٦)، وأحمد في مسنده (٥/ ٢٢١)، والحاكم (٣/ ١٤٥)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٤١) من حديث سفينة أيضًا بلفظ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء "، وفيه زيادة، واللفظ لأبي داود. قال الترمذي: (هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان - وهو راويه عن سفينة - ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جهمان). =
[ ٢٦٦ ]
قال أبو حاتم - ﵀ - معنى الخبر: أن من بعد (١) الثلاثين سنةً يجوز أن يقال لهم خلفاء أيضًا على سبيل الاضطرار، وإن كانوا ملوكًا في الحقيقة، وآخر الاثني (٢) عشر من الخلفاء كان عمر بن عبد العزيز (٣).
فلما ذكر المصطفى - ﷺ -: (الخلافة ثلاثون سنة) وكان آخر الاثني (٢) عشر عمر بن عبد العزيز، وكان من (٤) الخلفاء الراشدين المهديين أُطلق على من بينه وبين الأربع الأُول اسم الخلفاء، وذاك أن المصطفى - ﷺ - قبضه الله إلى جنته يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة (٥) من الهجرة، واستخلف الصديق ثاني وفاته، وتوفي أبو بكر [الصديق] (٦) ليلة الإثنين لسبع عشرة ليلة
_________________
(١) = وقد حسنه الألباني من هذا الطريق كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٤٨) رقم (٤٥٩). وقواه أيضًا قبله ابن تيمية في الفتاوى (٣٥/ ١٨)، وله عليه كلام جيد.
(٢) في (ظ): (أن بعد).
(٣) في (ظ) و(ن): (الاثنا).
(٤) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الإمام الحافظ، العلامة المجتهد، الزاهد العابد، أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشي الأموي، الخليفة الزاهد الراشد. حدث عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وسهل بن سعد، وغيرهم. وحدث عنه رجاء بن حيوة، وابن المنكدر، والزهري، وغيرهم. وهو تابعي من أهل المدينة، كان ثقة مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمامًا عادلًا. وعده الشافعي خامس الخلفاء الراشدين. مات يرحمه الله بدير سمعان من أرض حمص سنة ١٠١ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٣٠)، والتاريخ الكبير (٦/ ١٧٤)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤).
(٥) (من) ليست في (ظ) و(ن).
(٦) في (ص): (سنة إحدى عشرة من الهجرة) فحذفت (سنة) الثانية لكي تستقيم الجملة.
(٧) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
[ ٢٦٧ ]
مضت من جمادى الآخرة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يومًا، ثم استُخْلِفَ عمر [بن الخطاب] (١) - ﵁ - اليوم الثاني من موت أبي بكر - ﵁ - ثم قتل عمر، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، ثم استخلف عثمان بن عفان - ﵁ - ثم قتل عثمان، وكانت خلافته اثنتي عشرة (٢) سنة إلا اثني عشر (٣) يومًا، ثم استخلف عليّ بن أبي طالب - ﵁ -[وقتل] (٤) وكانت خلافته وخلافة ابنه الحسن خمس سنين وثلاثة أشهر إلا اثني عشر يومًا.
فلما قتل عليّ - ﵁ - وذلك يوم السابع عشر من رمضان سنة أربعين بايع أهل الكوفة الحسن بن عليّ بالكوفة، وبايع [أهل] (٥) الشام معاوية بن أبي سفيان [بإيليا] (٦)، (٧) - ﵄ - ثم سار معاوية يريد الكوفة وسار [إليه] (٨) الحسن بن عليّ، فالتقوا بناحية الأنبار (٩)، واصطلحوا
_________________
(١) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٢) في (ظ) و(ن): (عشر).
(٣) في (ن): (عشرة).
(٤) في (ص): (وقيل) وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٥) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٦) في (ظ) وليست في (ص) و(ن).
(٧) إيليا: بكسر أوله واللام، وياء، وألف ممدودة، اسم مدينة بيت المقدس. قيل: معناه بيت الله، وحكى الحفصي: فيه القصر، وفيه لغة ثالثة: حذف الياء الأولى، فيقال: إلياء بسكون اللام والمد، قال أبو علي: وقد سمي البيت المقدس إيلياء لقول الفرزدق: وبيتان بيت الله نحن ولاته وقصر بأعلى إيلياء شُرّف انظر: معجم البلدان (١/ ٢٩٣).
(٨) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٩) الأنبار بفتح أوله مدينة على الفرات في غربي بغداد، بينهما عشرة فراسخ، وكانت الفرس تسميها: فيروز سابور، إذ كان أول من عمرها سابور بن هرمز ذو الأكتاف، =
[ ٢٦٨ ]
على كتابٍ بينهم بشروطٍ فيه، وسلّم الحسن الأمر إلى معاوية، وذلك يوم الإثنين لخمس ليال بقين من [شهر] (١) ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك تكملة خلافة النبوة ثلاثين سنة، وسمّيت (٢) هذه السنة سنة (٣) الجماعة (٤).
ثم ذكر الخلفاء والملوك بين الحسن وعمر بن عبد العزيز واحدًا بعد واحدٍ وتاريخ مدته (٥)، وآخرهم سليمان بن عبد الملك (٦) مات سنة تسع وتسعين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر بدابق (٧). قال: ثم
_________________
(١) = ثم جددها أبو العباس السفاح. وفتحت الأنبار في أيام أبي بكر الصديق - ﵁ - سنة ١٢ هـ على يد خالد بن الوليد. ينسب إليها خلق كثير من أهل العلم. وهناك أنبار أخرى، وهي مدينة أيضًا قرب بلخ ناحية جوزجان. انظر: معجم البلدان (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٣) في (ظ) و(ن): (سمِّي).
(٤) (سنة) ليست في (ظ) و(ن).
(٥) من قوله: (معنى الخبر أن من بعد الثلاثين سنة )، وإلى: ( وسميت هذه السنة سنة الجماعة) نقله المؤلف بتصرف يسير من صحيح ابن حبان (١٥/ ٣٦ - ٣٨) تعليقًا على حديث سفينة - ﵁ - رقم (٦٦٥٧).
(٦) ذكر ابن حبان ذلك في صحيحه (١٥/ ٣٩ - ٤٠).
(٧) هو سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة، أبو أيوب القرشي الأموي. بويع بعد أخيه الوليد سنة ٩٦ هـ. كان ديِّنًا، فصيحًا، مفوّهًا، عادلًا، محبًّا للغزو. وولّى بعده عمر بن عبد العزيز، قيل: عاش أربعين سنة، وخلافته سنتان وتسعة أشهر وعشرون يومًا. توفي في العاشر من صفر سنة ٩٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١١١)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٢٠)، ومروج الذهب (٢/ ١٢٧).
(٨) دابِق بكسر الباء وقد روي بفتحها، وآخره قاف: قرية قرب حلب من أعمال عَزَاز، بينها وبين حلب أربع فراسخ، عندها مرج معشب كان ينزله بنو مروان. ودابق =
[ ٢٦٩ ]
بايع الناس عمر بن عبد العزيز في اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بديْر سمعان (١) من أرض حمص يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب الفرد (٢) سنة إحدى ومئة، وله يوم مات إحدى وأربعون سنة، وكانت خلافته سنتين (٣) وخمسة أشهر وخمس ليال، وهو آخر الخلفاء الاثني عشر؛ الذين خاطب النبي - ﷺ - أمته بهم (٤)، وذكر البيان في باب جواز إطلاق اسم الخلفاء عليهم للضرورة، وروى أحاديث في ذلك (٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) = الأغلب عليه التذكير والصرف؛ لأنه في الأصل اسم نهر وقد يؤنث. انظر: معجم البلدان (٢/ ٤١٦ - ٤١٧).
(٢) دير سمعان: ذكر الحموي أنه من نواحي دمشق، لا كما ذكره المؤلف من أنه من أرض حمص. ويقال: بكسر السين وفتحها، وذكر أنه موضع نُزَهٍ وحوله بساتين محدقة به، وعنده قصور ودور، وعنده قبر عمر بن عبد العزيز - ﵀ -. وسمعان هذا الذي ينسب الدير إليه، أحد أكابر النصارى، وله عدة أديرة في انحاء مختلفة. انظر: معجم البلدان (٢/ ٥١٧).
(٣) (الفرد) ليست في (ظ) و(ن).
(٤) في (ظ) و(ن): (سنتان).
(٥) من قوله: (ثم بايع الناس عمر بن عبد العزيز )، وإلى: ( الذين خاطب النبي - ﷺ - أمته بهم)، نقله المؤلف بتصرف يسير من صحيح ابن حبان (١٥/ ٤٠ - ٤١).
(٦) انظر صحيح ابن حبان (١٥/ ٤١ - ٤٩).
[ ٢٧٠ ]