لا (١) نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ (٢)، ونكفّره به إذا اعتقد حلّه (٣)، أو جواز ارتكابه، أو أنه مأمور به أو أفضل من غيره؛ لأنه أضاف إلى الله تعالى ورسوله - ﷺ - ما لا يجوز إضافته، ومن أضاف إليهما أو إلى أحدهما ما لا يجوز عليه فقد (٤) كفر؛ إذ أوامر الرسول - ﷺ - من أوامر الله؛ ولهذا (٥) قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وكذلك من أضاف إلى إجماع المسلمين المعتدِّ بهم ما لا يجوز إضافته إليه كفر (٦)؛ لإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - بعصمتهم
_________________
(١) في (ظ): (ولا).
(٢) مقصود المؤلف - ﵀ - الرد على الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، ولو قال: (لا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب) لكانت العبارة أحكم؛ لأن هناك من الذنوب ما إن يقترفها العبد فإنه يكفر بذلك؛ حتى لو لم يعتقد استحلال ذلك الذنب، كسب الله تعالى، والسجود للصنم.
(٣) لعل المؤلف استفاده من أبي جعفر الطحاوي، حيث قال في عقيدته: (ولا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله). انظر: متن العقيدة الطحاوية (ص ١٤).
(٤) (فقد) ليست في (ظ) و(ن).
(٥) في (ظ) و(ن): (لهذا) بدون واو.
(٦) يقصد بالإضافة هنا مخالفة الإجماع، أما مخالف الإجماع فقد اختلف العلماء في تكفيره على قولين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (١٩/ ٢٧٠): (والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به. وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره). وسيتحدث المؤلف - ﵀ - إن =
[ ٢٧٧ ]
من الخطأ (١).
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه من كفّر مسلمًا بغير حقٍّ أو قال له: يا كافر، من غير استنادٍ إلى ما يكفر ظاهرًا هل يكفر بذلك؟ اختلف قول أصحاب الشافعيّ المتأخرين فيه على وجهين:
أحدهما: وهو قول جمهورهم أنه لا يكفر بل هو عاصٍ بذلك؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها، فإن كان كما قال، وإلا [حار] (٢) عليه" (٣)، فلم يصرّح - ﷺ - بكفره، وإنما معناه: رجع
_________________
(١) = شاء الله عن هذه المسألة بشيء من التفصيل. انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨، ٣٩)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (٤/ ٨٤)، ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص ٢٤٣ - ٢٤٥).
(٢) قول المؤلّف: (لإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - بعصمتهم من الخطأ). لعله يشير إلى حديث أبي بصرة الغفاري يرفعه: "سألت الله - ﷿ - أن لا يجمع أمّتي على ضلالة، فأعطانيها". أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٩٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٠) رقم (٢١٧١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٥٦) رقم (١٣٩٠) من طريق الليث، عن أبي وهب الخولاني، عن رجل، عن أبى بصرة به. وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي بصرة. ورُوِي من حديث ابن عمر بلفظ: "إن الله لا يجمع أمّتي على ضلالة". أخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (٤/ ٤٠٥) رقم (٢١٦٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٦). قال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه). وللحديث شواهد كثيرة، ولذا صحّحه الألباني في آداب الزّفاف (ص ٢٤٠).
(٣) في (ص): (جار)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لنص الحديث؛ كما في مصادر التخريج السابقة.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب، باب من أكفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال: (١٠/ ٥١٤) رقم (٦١٠٤)، ومسلم في الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر (١/ ٧٩) رقم (٦٠) من حديث عبد الله بن عمر بلفظ: "أيما امرىء =
[ ٢٧٨ ]
عليه إثم قوله (١).
والثاني: وهو قول أصحاب الحديث منهم (٢) والمحققين أنه يكفر؛ لأنه - ﷺ - جعل الكفر راجعًا عليه عند عدم المحلّ في المدعوّ بالكفر، وذلك يقتضي الحكم بكفره، واختار هذا صاحبا التتمة (٣)
_________________
(١) = قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه"، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بمعناه. وفي رواية عند مسلم (١/ ٧٩ - ٨٠) رقم (٦١)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٦) من حديث أبي ذر: " ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، الا حار عليه". وحار: بالحاء المهملة، ومعناه: رجع وباء.
(٢) هذا القول هو القول الراجح؛ لأن المعروف عند المحققين أن النصوص الواردة في ذلك إنما هي من نصوص الوعيد التي يستحق صاحبها العقوبة الشديدة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٠١ - ١٠٢) في معرض ذبه عن أعراض بعض الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم -: (ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة، ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين). انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٠٦)، (٣٥/ ١٠٣ - ١٠٤)، والاستقامة (١/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٣) يقصد بذلك أهل الحديث من أصحاب الشافعي المتأخرين، كما صرح بذلك سابقًا.
(٤) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، المتولي، الشافعي، صاحب التتمة، تفقه بمرو على الفوراني، وببخارى على أبي سهل الأبيوردي، وبرع في الفقه والأصول والخلاف، وصف كتابًا في أصول الدين، وكتابًا في الخلاف، كان مولده سنة ٤٢٦ هـ، وتوفي ليلة الجمعة من شوال سنة ٤٧٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٥/ ١٠٦)، وطبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٣٠٥)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٨). أما كتاب (التتمة) فقال محقق كتاب طبقات الشافعية للأسنوي عبد الله الجبوري (١/ ٣٠٦) رقم (٢٧٧) حاشية (٣): (التتمة، كتبها تعليقًا على كتاب شيخه أبي القاسم عبد الرحمن الفوراني الإبانة -، ومنها أجزاء كثيرة من نسخ متفرقة، في الأزهرية، =
[ ٢٧٩ ]
والبحر (١)، والله أعلم.
إذا عرفت هذا في أحد المسلمين، فاعلم أنه من كفّر نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا من أولياء الله تعالى، أو أحدًا من آل بيت النبي - ﷺ -، أو أزواجه، أو ضللهم؛ فإنه يكفر بذلك بلا شكٍّ (٢).
وقد تقدم الكلام (٣) على من سبّ الله أو رسوله أو غيرهما من الرسل والأنبياء، وأما من سبّ صحابيًّا أو تنقصه؛ فالمشهور من مذاهب العلماء عدم تكفيره، والرجوع في أمره إلى الاجتهاد والأدب، وهو المشهور من قول مالك - ﵀ - قال: (من شتم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ -: أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عليًّا، أو معاوية، أو
_________________
(١) = ودار الكتب، وأحمد الثالث، ومنها مصورات في معهد المخطوطات المصورة. قال الإسنوي: لم يكمل التتمة، بل وصل فيها إلى الحدود، فكملها جماعة).
(٢) هو جمال الدين عبد الحميد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد الشيرازي، الشافعي، صاحب كتاب البحر. كان فقيهًا كبيرًا، ذا حظ من كثير من العلوم، ورعًا زاهدًا. توفي بشيراز سنة نيف وثلاثين وسبعمئة. أما كتابه (البحر) فقال عنه الإسنوي: هو مختصر أوضح من الحاوي الصغير، ومتضمن لزيادات، ويقال عنه: بحر الفتاوى. انظر: طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٢٩١)، وشذرات الذهب (٦/ ٩٥)، وكشف الظنون (١/ ٢٢٤).
(٣) قول المصنف - ﵀ - بأن من كفر نبيًا أو صحابيًا، أو إحدى زوجات النبي - ﷺ -؛ فإنه يكفر ظاهر لا ريب في صحته؛ لدلالة النصوص عليه. وأما قوله بأن من كفر وليًا من أولياء الله تعالى، أو أحدًا من آل بيت النبي - ﷺ -؛ فإنه يكفر فليس على إطلاقه؛ لعدم ورود النص بنفي الكفر عنهم من جهة، وإمكان وقوعه منهم من جهة أخرى.
(٤) انظر: (ص ٢٣٥).
[ ٢٨٠ ]
عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلالٍ وكفرٍ قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكّل نكالًا شديدًا) (١).
وقال ابن حبيب (٢): (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أُدّب أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر، أو عمر (٣) فالعقوبة عليه أشدّ، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سبّ النبي - ﷺ -) (٤). وقال أبو محمد بن أبي زيد (٥) عن سحنون (٦):
_________________
(١) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١٠٨)، والزواوي في مناقب الإمام مالك (ص ١٤٣).
(٢) هو موسى بن عبد الرحمن بن حبيب الإفريقي القطان المالكي، أخذ عن محمد بن سحنون، وشجرة بن عيسى، وغيرهما، وروى عنه تميم بن أبي العربي، وأبو محمد بن مسرور، وجماعة. قال الذهبي: كان من أوعية العلم والفقه. انظر: طبقات المفسرين للداودي (٢/ ٣٤١)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٢٦).
(٣) في (ظ) و(ن): (وعمر).
(٤) من قوله: (وأما من سب صحابيا أو تنقصه ) وإلى: ( ولا يبلغ به القتل الا في سب النبي - ﷺ -) نقله المؤلف بتصرف يسير من الشفا للقاضي عياض (٢/ ١١٠٨).
(٥) هو عبد الله بن عبد الرحمن، أبو محمد القيرواني، المعروف بابن أبي زيد، شيخ المغرب، انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي، سمع من أبي سعيد بن الأعرابي ومحمد بن الفتح، وأخذ عنه خلق كثير منهم: الفقيه عبد الرحيم بن العجوز السبتي، وعبد الله بن الوليد الأنصاري. قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا، ورُحِل إليه من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وملأ البلاد من تواليفه، وهو صاحب كتاب الرسالة، توفي ٣٨٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)، وشذرات الذهب (٣/ ١٣١)، وترتيب المدارك (٤/ ٤٩٢).
(٦) هو عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال، أبو سعيد التنوخي، حمصي الأصل، المغربي، القيرواني، المالكي، قاضي القيروان، وصاحب المدونة، ويلقب =
[ ٢٨١ ]
(من قال في أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي (١) - ﵃ -: إنهم كانوا على ضلالةٍ وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكّل النكال الشديد) (٢).
وروي عن مالك: من سبّ أبا بكر جلد، ومن سبّ عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: (من رماها فقد خالف القرآن (٣» (٤)، قلت: قوله: فقد خالف القرآن، أي: كذّبه.
وبهذا المعنى تمسك من كفّر بسبِّ الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، قال: لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عنهم ورضوا عنه (٥)، ومعلوم أن الله - ﷾ - لا يرضى الكفر، ولا يرضى عن أصحابه، فمن كفّر من أخبر الله سبحانه برضاه
_________________
(١) = بسحنون، سمع من سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وأخذ عنه ولده محمد، وأصبغ بن خليل القرطبي، وبقي بن مخلد. قال أشهب: ما قدم علينا أحد مثل سحنون، وقال يونس بن عبد الأعلى: سحنون سيد أهل المغرب، وقال عيسى بن مسكين: سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أحد أفقه منه. انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٥٨٥)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣)، وفيات الأعيان (٣/ ١٨٠).
(٢) في (ظ) و(ن): (وعمر وعثمان وعليّ).
(٣) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١٠٩).
(٤) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١٠٩)، والزواوي في مناقب مالك (ص ١٤٤).
(٥) من قوله: (وقال أبو أحمد بن أبي زيد ..) وإلى: ( من رماها فقد خالف القرآن)، نقله المؤلف بتصرف يسير من الشفا للقاضي عياض (ص ٢/ ١١٠٩).
(٦) والآية التي عناها المؤلف هي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
[ ٢٨٢ ]
عنه فقد كذّب الله في خبره، ومن كذّب الله تعالى في خبره فهو كافرٌ إجماعًا (١)، والله أعلم.
وقال ابن شعبان (٢) عن مالك - ﵀ - في قتل من سبّ عائشة: (لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] فمن عاد لمثله فقد كفر) (٣).
_________________
(١) لشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل جميل في حكم سابّ الصحابة متى يكفر؟ ومتى لا يكفر؟ في الصارم المسلول (ص ٥٨٦ - ٥٨٧)، حيث بين أن من اقترن بسبه دعوى الألوهية لأحد من الصحابة أو دعوى النبوة لأحدهم أو القول بأن جبريل غلط في الرسالة، وكذلك من زعم أن القرآن نُقص منه آيات أو له تأويلات باطنة تسقط الشرع الظاهر، أو زعم أنهم ارتدّوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا، أو أن عامتهم فسّاق، ونحو ذلك، فهذا لا شك في كفره ولا خلاف في تكفيره. أما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك. وأما من لعن وقبّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
(٢) هو محمد بن قاسم بن شعبان، أبو إسحاق المصري، المعروف بابن القرطبي الحافظ، انتهت إليه رئاسة المالكية في مصر، أخذ عن ابن صدقة وغيره، وأخذ عنه الغافقي، والخولاني، وجماعة. وله مؤلفات منها: المختصر بما ليس في المختصر، والزاهي في الفقه ومناقب مالك، وكتاب الأشراط. قال الذهبي: كان صاحب سنة واتباع، وباع مديد في الفقه مع بصر بالأخبار وأيام الناس، مع الورع والتقوى، وسعة الرواية، مات سنة (٣٥٥ هـ). انظر: ترتيب المدارك (٣/ ٢٩٣)، وميزان الاعتدال (٤/ ١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٧٨).
(٣) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١٠٩)، والزواوي في مناقب مالك (ص ١٤٤).
[ ٢٨٣ ]
وحكى [أبو الحسن] (١) الصقلي (٢) أن القاضي [أبا بكر بن الطيب] (٣) (٤) قال: (إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبّح نفسه لنفسه؛ كقوله - ﷾ -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] (٥) في آيٍ [كثيرةٍ] (٦).
وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة، فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ [النور: ١٦] سبّح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبّح نفسه في تبرئته (٧) من السوء) (٨). وهذا يشهد لمالك في قتل من سبّ عائشة، ومعنى هذا - والله أعلم: أن الله سبحانه
_________________
(١) في (ص): (الحسن) وفي (ظ) و(ن): (ابن أبي الحسن)، والصواب (أبو الحسن) كما في الشفا.
(٢) هو أبو الحسن علي بن المفرج بن عبد الرحمن الصقلي، القاضي بمكة، سمع أبا بكر محمد بن أبي سعيد الإسفرايني صاحب أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، وأبا ذر الهروي المالكي الحافظ. روى عنه الحافظان أبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، وأبو الفتيان عمر بن عبد الكريم بن سعدويه الرواسي. وكانت وفاته سنة نيف وسبعين وأربعمئة، وذكر عبد الله المالكي صاحب (رياض النفوس) أنه توفي سنة تسع عشرة وثلاثمئة، ولم يذكر اسمه وإنما قال: أبو الحسن الصقلي الجزيري، وسرد له بعض القصص. انظر: الأنساب للسمعاني (٣/ ٥٤٩)، ورياض النفوس (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٦) رقم (٢١٣).
(٣) في (ص): (أبا الطيب)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) هو القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني، كما ذكر ذلك الخفاجي في نسيم الرياض (٤/ ٦١٠)، وملا علي قاري في شرح الشفا (٢/ ٥٥٧).
(٥) والآية هي: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.
(٦) في (ص): (كثير)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٧) في (ظ) و(ن): (تنزيهه).
(٨) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١٠٩).
[ ٢٨٤ ]
لما عظّم سبّها كما [عظّم] (١) نفسه، وكان سبّها سبًّا لنبيه - ﷺ -، وقرن سبّ نبيه - ﷺ - وأذاه بأذائه تعالى (٢)، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك (٣)، ولهذا قال ابن شعبان: (ومن سبّ غير عائشة من أزواج النبي - ﷺ - ففيها قولان: أحدهما: يقتل؛ لأنه سبَّ النبي - ﷺ - بسبّ حليلته (٤).
والآخر: أنها كسائر أصحابه يجلد حدّ المفتري، قال: وبالأول أقول) (٥). وشتم رجلٌ عائشة بالكوفة، فَقُدِّم إلى موسى بن عيسى العباسي (٦) فقال: من أحضر هذا؟ قال ابن أبي ليلى (٧): أنا، فَجُلد
_________________
(١) في (ص): (يعظم)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٢) لعله يشير إلى قوله تعالى: [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
(٣) من قوله: (وقال ابن شعبان عن مالك ) وإلى: ( كان مؤذي نبيه كذلك) نقله المؤلف بتصرف يسير من الشفا للقاضي عياض (ص ٢/ ١١٠٩ - ١١١٠).
(٤) في (ظ) و(ن): (خليلته).
(٥) قول ابن شعبان نقله المؤلف بتصرف يسير من الشفا للقاضي عياض (ص ٢/ ١١١٢ - ١١١٣).
(٦) قال الخفاجي في نسيم الرياض (٤/ ٦١١) معلقًا على موسى بن عيسى العباسي أنه: (منسوب إلى عباس بن عبد المطلب عم النبي - ﷺ -، والذي في التواريخ أنه عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وأول من ولِيَ الخلافة من بني العباس السفاح، وجعل ولي العهد بعده أخاه المنصور، وبعده عيسى بن موسى حين خلع نفسه كرهًا، وقيل عوضه عشرة آلاف درهم، وجعل ابنه المهدي بعده، وبعده عيسى ابن موسى، فمات قبل المهدي سنة ١٦٨ هـ، ومات المهدي بعده بسنة).
(٧) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، الفقيه، قاضي الكوفة. روى عن عطاء بن أبي رباح، وإسماعيل بن أمية. وروى عنه شعبة، ووكيع. =
[ ٢٨٥ ]
ثمانين، وحُلِق رأسه، وأسلمه في الحجّامين (١) (٢).
وقال رسول الله - ﷺ -: "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا (٣)، (٤) بعدي، فمن أحبهم فبحبِّي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" (٥). وقال - ﷺ - (٦): "لا تسبوا
_________________
(١) = قال العجلي: كان فقيهًا، صاحب سنة، صدوقًا، جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن. وضعفه الجمهور في الحديث لسوء حفظه، توفي سنة ١٤٨ هـ. انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٣٢٢)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٢٤).
(٢) الحجّامين: جمع حجام، والحجام: المصاص، يقال للحاجم الحجّام لامتصاصه فم المِحْجَمة. وأصله الحجم: وهو المص، يقال: حجم الصبي ثدي أمه؛ إذا مصّه. انظر: لسان العرب (١٢/ ١١٦ - ١١٧)، وتاج العروس (١٦/ ١٢٩).
(٣) نقل المؤلف هذه القصة من الشفا للقاضي عياض (ص ٢/ ١١١٠ - ١١١١).
(٤) في (ظ) و(ن): (عرضا).
(٥) الغرض: هو الهدف الذي يرمى فيه، وجمعه أغراض، والغُرض: شدة النزاع نحو الشيء والشوق إليه. انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٦٠)، ولسان العرب (٧/ ١٩٣).
(٦) أخرجه الترمذي في المناقب، باب في من سب أصحاب النبي - ﷺ - (٥/ ٦٥٣) رقم (٣٨٦٢)، وأحمد في المسند (٥/ ٥٤)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٤٧) رقم (٢، ١) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٦٥) رقم (٩٩٢)، والمقدسي في النهي عن سب الأصحاب (ص ٦٥) رقم (٤) من حديث عبد الله بن مغفل بنحوه. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه). والحديث ضعفه الألباني كما في ظلال الجنة (٢/ ٤٦٥)، وفي السلسلة الضعيفة برقم (٢٩٠١).
(٧) في (ظ) و(ن): (وقال رسول الله - ﷺ -).
[ ٢٨٦ ]
أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (١) (٢).
وروي في حديثٍ: "لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء قومٌ في آخر الزمان يسبون أصحابي، فلا تصلّوا عليهم، ولا تصلّوا معهم، ولا تناكحوهم، ولا تجالسوهم، وان مرضوا فلا تعودوهم" (٣)، وقال - ﷺ -: "من سبّ أصحابي فاضربوه" (٤).
وقد أعلم النبي - ﷺ - أن سبهم وأذاهم يؤذيه، وأذى النبي - ﷺ - حرامٌ. وقال: "لا تؤذوني في أصحابي، ومن آذاهم فقد آذاني" (٥). وقال
_________________
(١) قال ابن الأثير في الصرف: (أي: التوبة)، وقيل: النافلة، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة. انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٤).
(٢) تقدم تخريجه في (ص ٣٢٧) حاشية رقم (٣) وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده.
(٣) أخرجه الخلال في السنة (٢/ ٤٨٣) رقم (٧٦٩)، والخطيب في الكفاية في علم الرواية (ص ٩٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٤٤) من حديث أنس بنحوه. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٦٢)، وقال: (قال ابن حبان: خبر باطل لا أصل له). وأشار شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ١٠٩٩) إلى ضعفه، حيث قال: (في هذا الحديث نظر). وضعفه الشيخ الألباني - ﵀ - كما في ضعيف الجامع الصغير (٢/ ٦٨) رقم (١٥٣٧).
(٤) تقدم تخريجه في (ص ٢٣٦) حاشية رقم (٢)، من حديث علي بلفظ: "من سب الأنبياء قُتل، ومن سب الأصحاب جُلد"، قال عنه الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٢٤٤) رقم (٢٠٦): (موضوع).
(٥) أخرجه الترمذي في المناقب (٥/ ٦٥٣) رقم (٣٨٦٢)، وأحمد في المسند (٥/ ٥٤)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٤٧) رقم (١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٧٩) رقم (٩٩٢)، والمقدسي في النهي عن سب الأصحاب (ص ٦٥) رقم (٤) من حديث عبد الله بن مغفل بلفظ: "الله، الله في أصحابي "، وفيه: "ومن آذاهم فقد =
[ ٢٨٧ ]
- ﷺ -: "لا تؤذوني في عائشة" (١).
وقال: "فاطمة بضعة منّي، يوذيني ما آذاها (٢) (٣).
وروي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه نذر (٤) قطع لسان عبيد الله ابن [عمر] (٥)؛ إذ شتم المقداد بن الأسود؛ فكلّم في ذلك فقال: (دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحدًا (٦) بعد أصحاب النبي - ﷺ -) (٧).
_________________
(١) = آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" واللفظ للترمذي. والحديث ضعفه الألباني كما في ظلال الجنة (٢/ ٤٧٩)، وفي السلسلة الضعيفة برقم (٢٩٠١).
(٢) هذه الرواية جزء من حديث طويل، أخرجه البخاري في الهبة، باب من أهدى إلى صاحبه، وتحرّى بعض نسائه دون بعض (٥/ ٢٠٥) رقم (٢٥٨١)، وفيه: "لا تؤذوني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة".
(٣) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي - ﷺ - (٤/ ١٩٠٣) رقم (٢٤٤)، (٩٤) من حديث المسور بن مخرمة بلفظه. وهو عند البخاري في فضائل الصحابة، باب ذكر أصهار النبي - ﷺ - (٧/ ٨٥) رقم (٣٧٢٩) بنحوه.
(٤) من قوله: (وقال رسول الله - ﷺ -: "الله، الله في أصحابي ) وإلى: ( يؤذيني ما آذاها") نقله المؤلف بتصرف من الشفا للقاضي عياض (ص ٢/ ١١٠٦ - ١١٠٨).
(٥) في (ظ) و(ن): (ندر).
(٦) هو عبيد الله بن عمر بن الخطاب القرشي - ﵄ -، ولد على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان من أنجاد قريش وفرسانهم، قُتل بصفين مع معاوية - ﵁ -. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٠١٠).
(٧) في (ظ) و(ن): (أحدٌ)، بالرفع، وبالتالي يكون الفعل (يشتم) مبنيًّا للمجهول.
(٨) أخرجه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٦٣ - ١٢٦٤) رقم (٢٣٧٦ - ٢٣٧٧)، وابن بشران في أماليه (ص ١٢٥) رقم (٢٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٦٠) من طريق قيس بن الربيع، عن وائل بن داود، عن البهي قال: شتم ابن لعمر بن الخطاب فذكره بنحوه، وعند بعضهم: (وقع بين عبيد الله بن =
[ ٢٨٨ ]
وأُتي عمر بن الخطاب - ﵁ - بأعرابيٍّ يهجو الأنصار، فقال: (لولا أنَّ له صحبةً لكفيتكموه) (١).
قال (٢) مالك - ﵀ -: (من انتقص أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - فليس له [في] (٣) هذا الفيء حقٌّ، قد قسّم الله الفيء في ثلاثة أصنافٍ، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، فمن تنقَّصهم فلا حقَّ له في فيء المسلمين) (٤).
_________________
(١) = عمر، وبين المقداد كلام فشتم عبيد الله المقداد ) فذكره. وعزاه ابن تيمية في الصارم المسلول (٣/ ١١٠٤) لابن بطة، ولم أجده في المطبوع. وعزاه ملا علي القاري في شرح الشفا (٤/ ٥٦٩) لتاريخ الخطيب، وابن عساكر. ولم أجده في تاريخ بغداد المطبوع. وفي إسناده: البهيّ، وهو عبد الله مولى مصعب بن الزبير، ويقال: إنه عبد الله بن اليسار، ليست له رواية عن عمر بن الخطاب، فهو لم يشهد القصة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: (لا يحتج بالبهيّ، وهو مضطرب الحديث) (التهذيب: ٦/ ٩٠)، وقال ابن حجر في التقريب (ص ٣٣٠): (صدوق يخطىء). وعليه فإسناده فيه ضعف؛ للانقطاع بين البهي وعمر، وكذا ضعف البهي نفسه، والله أعلم.
(٢) عزاه شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ١١٠٥) لأبي ذر الهروي. ولم أقف عليه عنده. وعزاه السيوطي في مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا (ص ٢٤٨) رقم (١٣٦٢): لمحمد بن قدامة المروزي في كتاب الخوارج عن أبي سعيد الخدري، وقال: (بسند رجاله ثقات). وعزاه ملا علي قاري في شرح الشفا (٢/ ٥٥٨) بمثل ما عزاه السيوطي.
(٣) في (ظ) و(ن): (وقال).
(٤) في (ص): (من)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧/ ١٣٤٤ - ١٣٤٥) =
[ ٢٨٩ ]
وفي كتاب ابن شعبان (١): (من قال في واحد منهم: إنه ابن زانية [و] (٢) أمه مسلمة، يحدُّ (٣) عند بعض أصحابنا حدّين: حدًّا له، وحدًّا لأمّه، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة؛ لفضل هذا على غيره؛ ولقوله - ﷺ -: "من سبَّ أصحابي فاجلدوه" (٤). قال: "ومن قذف أمّ أحدهم وهي كافرةٌ حُدّ حدّ الفرية؛ لأنه سبّ له، فإن كان أحدٌ من ولد [هذا] (٥) الصحابي حيًّا قام بما يجب [له] (٦)، وإلا فمن قام به من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه"، قال (٧): وليس (٨) هذا كحقوق غير الصحابة، لحرمة هؤلاء [بنبيهم] (٩) - ﷺ -، ولو سمعه الإمام وأشهد عليه كان وليَّ القيام به (١٠).
وروى أبو مصعبٍ (١١) عن مالكٍ: (من انتسب إلى
_________________
(١) = رقم (٢٤٠٠)، وذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١١١)، وترتيب المدارك (٢/ ٤٧٤٦).
(٢) ابن شعبان من كبار علماء المالكية، وله كتب كثيرة لكن إذا أطلق كتاب ابن شعبان، فيقصد به: الزاهي في الفقه، وهو من أهم مراجع المالكية، وكثيرا ما ينقلون منه ويحيلون عليه.
(٣) في (ص): (أو أمه)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) في (ظ) و(ن): (حدَّ).
(٥) تقدم تخريجه في (ص ٢٣٦) حاشية رقم (٢) من حديث علي بلفظ: "من سب الأنبياء قتل، ومن سب الأصحاب جُلد".
(٦) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٧) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٨) أي ابن شعبان.
(٩) في (ظ) و(ن): (فليس).
(١٠) في (ص): (نبيهم) بدون الباء، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(١١) قول ابن شعبان ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١١٢).
(١٢) هو أبو مصعب أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن مصعب القرشي الزهري =
[ ٢٩٠ ]
[بيت] (١) النبي - ﷺ - يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر ويحبس (٢) طويلًا حتى تظهر توبته (٣)؛ لأنه استخفاف بحقَّ الرسول - ﷺ -) (٤).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: وأفتى أبو المطرّف الشعبي (٥) - فقيه مالَقَة - (٦) في رجل أنكر تحليف امرأةٍ
_________________
(١) = المدني، قاضي المدينة، ولد سنة خمسين ومئة، ولازم مالك بن أنس، وتفقه به، وسمع منه الموطأ وأتقنه عنه، وحدث عنه البخاري ومسلم، وبقية الستة، لكن النسائي بالواسطة. قال الدارقطني: أبو مصعب ثقة في الموطأ، وقدمه على يحيى بن بكير، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق. وقال الذهبي: احتج به أصحاب الصحاح، قال ابن حزم: آخر شيء روى من الموطآت: موطأ أبي مصعب، وموطأ أحمد بن إسماعيل السهمي. توفي سنة: ٢٤١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٣٦)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٠)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٥٢).
(٢) في (ص): (بنت)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٣) في (ظ): (ويجلس).
(٤) في (ن): (ثوبته).
(٥) ذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ١١١٣).
(٦) هو أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس القرطبي المالكي، حدث عن أبي عيسى الليثي، وأبي جعفر بن عون الله، وحدث عنه: أبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن سمبق، وله مؤلفات كثيرة منها: كتاب القصص، وأسباب النزول، وفضائل الصحابة قال الذهبي: كان حافظًا، ناقدًا، جهبذًا، مجوّدًا، محققًا، بصيرًا بالعلل والرجال، مع قوة في الفقه والفضائل، وكان يملي من حفظه، ولي الوزارة للمظفر بن أبي عامر. انظر: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧١)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١١)، والنجوم الزاهرة (١٤/ ٢٣١).
(٧) مالَقَة: بفتح اللام والقاف، هي كلمة أعجمية، وتطلق على مدينة في الأندلس، =
[ ٢٩١ ]
بالليل (١)، وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفتْ إلا بالنهار، وصوب [قوله] (٢) بعض المتسمِّين بالفقه، فقال أبو المطرف: (ذكر هذا لابنة أبي بكر الصديق في مثل (٣) هذا يوجب عليه الضرب الشديد، والسجن الطويل، والفقيه الذي صوّب قوله هو أحق باسم الفسق من اسم [الفقيه] (٤)، فيتقدم إليه في ذلك ويؤخر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحةٌ ثابتة فيه، ويبغض في الله - ﷿ -) (٥)، والله أعلم (٦).
_________________
(١) = كانت عامرة من أعمال ريّة، تطل على شاطىء البحر بين الجزيرة الخضراء والمريّة، عمّرت وقصدها التجار وأصحاب المراكب، فتضاعفت عمارتها، وصارت مقصدًا لكل الناس، ونسب إليها كثير من أهل العلم منهم: عزيز بن محمد اللخمي المالقي، وسليمان المعافري المالقي، وغيرهم. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٥/ ٤٣).
(٢) أي: وجّه لهذه المرأة يمين، وأريد منها أن تحلف بالليل وهي محجبة ومخدرة. انظر: (شرح الشفا للقاضي عياض) لملا علي قاري (٢/ ٥٦٠).
(٣) في (ص): (قول)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) (مثل) ليست في (ظ) و(ن).
(٥) في (ص): (الفقه)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٦) من قوله: (وروي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه نذر ) وإلى نهاية هذا الفصل، نقله المؤلف بتصرف من الشفا للقاضي عياض (٢/ ١١١١ - ١١١٤).
(٧) (والله أعلم) ليست في (ظ) و(ن).
[ ٢٩٢ ]