ويجب الكفّ عما شَجَر بين أصحاب رسول الله - ﷺ - وتطهير الألسنة من ذكر ما يتضمن عيبًا ونقصًا فيهم، والترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم (١)، وتعظيم قدر أزواج النبي - ﷺ - ﵅ -، والدعاء لهن، ومعرفة حقهنّ، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين (٢).
ثبت أن رسول الله - ﷺ -[قال] (٣) "اذكروا محاسن موتاكم، وكفّوا
_________________
(١) = حطبًا، فأوقدوا نارًا، فلما هموا بالدخول، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي - ﷺ - فرارًا من النار، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذكر للنبي - ﷺ - فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف".
(٢) يجب على كل مسلم أن يحبَّ جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - ويترضى عنهم، ويترحم عليهم، ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم، وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد، والجميع معذورون، ولم يجوز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم، قال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته (ص ٧٥): (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية (ص ٢٠١): (ويمسكون عما شجر بين الصحابة. ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه. والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون).
(٣) من بداية هذا الفصل وإلى قوله: "أمهات المؤمنين" نقله المؤلف بتصرف من عقيدة السلف (ص ٢٩٤).
(٤) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
[ ٢٩٨ ]
عن مساوئهم" (١)، وقال - ﷺ -: "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (٢) (٣)؛ ولأن المقصود من ذكر الأحياء بالمساوئ شرعًا إنما هو انزجارهم عن المعاصي (٤) والقبائح، وهذا مفقودٌ في الميت؛ ولهذا قال - ﷺ -: "فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، وهذا في أحد موتى المسلمين، فكيف بمن أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم ورضوا عنه، وأجمعت الأمة المعتد بإجماعهم على عدالتهم (٥)، وأمرنا باتباعهم، وتعظيمهم، وتوقيرهم، والرجوع إليهم في الدين، والعلم، وتفسير الكتاب العزيز، وغير ذلك؟!.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب، باب النهي عن سب الموتى (٥/ ٢٠٦) رقم (٤٩٠٠)، والترمذي في الجنائز، باب (٣٤) (٣/ ٣٣٩) رقم (١٠١٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٨) رقم (١٣٥٩٩)، وفي الصغير (١/ ٢٨٠) رقم (٤٦١)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٢٩٠) رقم (٣٠٢٠)، والحاكم (١/ ٣٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٥) من حديث ابن عمر بلفظه. قال الترمذي: (هذا حديث غريب، سمعت محمدًا يعني البخاري يقول: عمران بن أنس المكي: منكر الحديث). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي؛ توهمًا منهما أن عمران بن أنس هو عمران بن أبي أنس الثقة، وهو غير الأول. والحديث ضعفه الألباني كما في ضعيف أبي داود (ص ٤٨٤) رقم (٤٩٠٠)، وفي مشكاة المصابيح أيضًا برقم (١٦٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما ينهي عن سب الأموات (٣/ ٢٥٨) رقم (١٣٩٣) من حديث عائشة بلفظه.
(٣) قال ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٦٤ - ٢٦٥): (ثم الترحم على جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - صغيرهم وكبيرهم، وأولهم وآخرهم، وذكر محاسنهم ونشر فضائلهم، والاقتداء بهديهم، والاقتفاء لآثارهم، وأن الحق في كل ما قالوه، والصواب فيما فعلوه).
(٤) في (ظ) و(ن): (المساوئ).
(٥) أجمع أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة - ﵃ - بلا استثناء؛ نظرًا لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه - ﷺ -؛ ولما لهم من المآثر الجليلة والمناقب الحميدة، =
[ ٢٩٩ ]