ولا يجبُ لأحد على الله شيء (١) (٢). بل كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. فلا يجب لأحد الجنة - وإن كان عمله أحسن الأعمال، وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات - إلا أن يتفضل الله
_________________
(١) = قال ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٨): (الصحابة - ﵃ - قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول)، وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٤٩): (اتفق أهل الحق، ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم - ﵃ -)، وقال ابن حجر في الإصابة (١/ ١٧): (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة).
(٢) في (ظ) و(ن): (شيئًا).
(٣) مسألة الوجوب، أو هل يجب على الله شيء؟، هي أثر من آثار اختلاف الناس في الحسن والقبح العقليين، فالمعتزلةُ يرون أن الله تجب عليه أشياء وأمور بالعقل، كما يتضح ذلك في أصلهم إنفاذ الوعيد. وذهب الأشاعرة إلى أن الله لا يجب عليه شيء؛ لأنه هو المالك المتصرف في عباده!، ولا حق للمخلوق على الخالق بحال. ومنهج السلف وسط بين الفريقين، إذ يقولون: إن العقل لا يوجب على الله أي شيء، ولكن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وله أن يحرم على نفسه ما شاء تكرمًا وتفضلًا وفق حكمته البالغة، كما جاءت بذلك النصوص، ولا يلزم من إيجاب الله على نفسه أشياء أن يكون فاعلًا بالإيجاب، أي: لا اختيار له؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٧٥)، وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٥٨).
[ ٣٠٠ ]
عليه، فيوجبها له بمنِّه وفضله. وعمل الخير الذي عمله إنما [تيسّر] (١) له [بتيسير] (٢) الله عزَّ اسمه، فلو لم يُيَسِّره له لم يُيَسر (٣)، ولو لم يهده لفعله لم يهتد بجهده أبدًا وجدّه (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) [النور: ٢١].
وقال تعالى مخبرًا عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه، وفضل" (٦)، فالعمل من فضله، والجزاء عليه من فضله.
_________________
(١) في (ص): (يُيَسَرُ)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٢) في (ص): (بتسيير)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٣) في (ظ) و(ن): (يتيسر).
(٤) في (ظ): (وحده).
(٥) من قوله: (فلا يجب لأحد الجنة ) وإلى نهاية قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ نقله المؤلف بتصرف من: عقيدة السلف (ص ٢٩٤ - ٢٩٥).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب المرض، باب تمني المريض الموت (١٠/ ١٢٧) رقم (٥٦٧٣)، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٦٩) رقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.
[ ٣٠١ ]