لا نفضِّل أحدًا من الأولياء على الأنبياء، ونقول: نبيٌّ واحد أفضل من جميع الأولياء، ونؤمن بكراماتهم وما صح عن الثقات فيها (١) وآياتهم (٢)، وقد ثبتت (٣) كراماتهم بكتاب الله - ﷿ -، وسُنَّة نبيه - ﷺ -.
والمعجزة للأنبياء، والكرامة للأولياء، فالمعجزة: ما وقع التحديّ بها (٤)،
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (منها).
(٢) من بداية الفصل وإلى قوله: ( وما صح عن الثقات فيها وآياتهم) نقله المؤلف يتصرف يسير من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٩).
(٣) في (ظ): (ثبت).
(٤) التحدي ليس شرطًا من شروط المعجزة كما قرره المتكلمون؛ لأن التحدي قد يقترن بالمعجزة في بعض الأحيان، وأحيانًا أخرى لا يقترن بها كما هو الحال في دعوى النبوة كذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح (٦/ ٣٨٠): (وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختص بحياته، فضلًا عن أن تختص بحال دعوى النبوة، أو حال التحدي، كما ظنه بعض أهل الكلام)، وبالتالي فإن المعجزة التي لا تقترن بالتحدي لا يمكن أن نقول إنها ليست معجزة أو آية؛ لأن كثيرًا من آيات الأنبياء والرسل ليست مقرونة بذلك، قال شيخ الإسلام في النبوات (١/ ٦٠٤): (فقد تبين أنه ليس من شرط دلائل النبوة؛ لا اقترانه بدعوى النبوة، ولا الاحتجاج به، ولا التحدي بالمثل، ولا تقريع من يخالفه. بل كل هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية، بل هذا إبطال لأكثر آيات الأنبياء؛ لخلوها عن هذا الشرط). والتعبير بالآيات أحسن من التعبير بالمعجزات؛ لأن لفظة الآية ورد بها النص، وهي أدل على المقصود من المعجزة، كما ذكر ذلك ابن تيمية في الجواب الصحيح (٥/ =
[ ٣٠٢ ]
وهي قوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (١) [الإسراء: ٨٨]، والكرامة (٢): ما يكرم الله تعالى به أولياءه من أمورٍ يجريها على أيديهم وألسنتهم، وقلوبهم، وأفعالهم من غير أسباب ظاهرة واقعات (٣).
والتخييلات (٤) والوهميات ليست من الكرامات في شيء، والله تعالى يكرم من يشاء بما يشاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
_________________
(١) = ٤١٢). والآيات هي علامات من الله ﵎ يُعلم بها عباده أنه أرسل إليهم هذا الرسول المؤيد بتلك الآية، والأمر بطاعته واتباعه، قال شيخ الإسلام في النبوات (٢/ ٧٧٨): (فآيات الأنبياء هي علامات وبراهين من الله تتضمن إعلام الله لعباده وإخباره).
(٢) في (ص) و(ظ) و(ن): "فأتوا بمثله" وهذا خطأ، والصحيح ما أثبته. وفي جميع النُّسخ الخطية "فاتوا بمثله" وهي ليست في القرآن بمثل هذا اللفظ.
(٣) الكرامة أمر خارق للعادة يظهره الله على يد عبد من عباده الصالحين إكرامًا له فيدفع عنه ضرًا، أو يحقق له نفعًا، أو ينصر به حقًا، إذ من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثير، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٥٦). وقرر أيضًا - ﵀ - أن كرامات الأولياء من دلائل النبوة حيث قال في النبوات (١/ ٥٠١): (كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة، فإنها لا توجد إلا لمن اتبع النبي الصادق، فصار وجودها كوجود ما أخبر النبي من الغيب)، كما بين أنها من جنس آيات الأنبياء، لكنها لا تصل إلى آياتهم الكبرى، حيث قال في النبوات (٢/ ١٠٨٤): (وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء كما تقدم. ولكن ليست من آياتهم الكبرى، ولا يتوقف إثبات النبوة عليها). وبالتالي فإن الكرامة قد تكون مقرونة بالتحدي وقد لا تكون، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام في النبوات (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤).
(٤) في (ظ) و(ن): (وأتعاب).
(٥) في (ظ) و(ن): (والتخيلات).
[ ٣٠٣ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناس محدَّثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر" رواه البخاري ورواه مسلم (١) من رواية عائشة، وفي روايتهما قال ابن وهب (٢): محدَّثون (٣): ملهمون. وعن ابن عمر - ﵄ - قال: (ما سمعت عمر - ﵁ - يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن) رواه البخاري (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب (٥٤) (٦/ ٥١٢) رقم (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة. ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر (٤/ ١٨٦٤) رقم (٢٣٩٨) من حديث عائشة بلفظ: "قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون؛ فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم". قال ابن وهب: (تفسير محدثون: ملهمون).
(٢) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد النهري، مولاهم المصري، ولد سنة ١٢٥ هـ، روى عن ابن جريج، ويونس بن يزيد، ومالك بن أنس، والليث بن سعد. وعنه عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى الليثي، وأخرج له الشيخان. وثقه غير واحد من أهل النقد منهم: ابن معين وأبو حاتم الرازي، وكان معروفًا بالإتقان، قال أبو زرعة: نظرت في نحو من ثلاثين ألف حديث لابن وهب، ولا أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له، وهو ثقة. قال الذهبي: له كتاب الجامع، وكتاب البيعة، وكتاب المناسك، وغير ذلك. انظر: الجرح والتعديل (٥/ ١٨٩)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٢٢٣)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٣٠).
(٣) المحدَّث: هو الملهم الذي يلقى في نفسه شيء فيخبر به حدسًا وفراسة، وهو نوع يخص الله به من يشاء من عباده ويمن به عليه، مثل عمر بن الخطاب - ﵁ -. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ٣٥٠)، ولسان العرب (٢/ ١٣٤).
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب إسلام عمر بن الخطاب (٧/ ١٧٧) رقم (٣٨٦٦) من حديث ابن عمر بلفظه أثناء خبر طويل. وهذا الأثر مما انفرد بإخراجه البخاري عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط، يقول: إني لأظنه كذا؛ إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني، أو: إن هذا على دينه في الجاهلية، أو: لقد كان كاهنهم على الرجل فدعي =
[ ٣٠٤ ]
وحديث أصحاب الغار الذين انطبقت (١) عليهم الصخرة (٢) من
_________________
(١) = له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
(٢) في (ظ) و(ن): (أطبقتْ).
(٣) أخرجه البخاري في الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد (٤/ ٤٤٩) رقم (٢٢٧٢)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال (٤/ ٢٠٩٩) رقم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم النار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم ان كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج. قال النبي - ﷺ -: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني؛ حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم الا بحقه، فتحرجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحب الناس إلي، وتركتُ الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت =
[ ٣٠٥ ]
ذلك، وفي الكتاب العزيز قصة زكريا ومريم، وأصحاب الكهف، وما لا يحصى، والله أعلم.
_________________
(١) = فعلتُ ابتغاء وجهك فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرةُ غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي - ﷺ -: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أُجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرةُ، فخرجوا يمشون".
[ ٣٠٦ ]