رؤية الباري - ﷿ - في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ (١)، ولا تأويلٍ (٢) بفهمٍ (٣)، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ] (٤) التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده - ﷾ - بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه (٥) عن
_________________
(١) قال شارح الطحاوية في معنى الوهم: (أي توهم أن الله تعالى يُرى على صفة كذا، فيتوهم تشبيهًا، ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطل، بل الواجب دفعُ ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما ردًا على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل، وإثبات الحق). شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٥٠).
(٢) في (ظ) و(ن): (أو تأويل).
(٣) قال شارح الطحاوية في معنى (أو تأولها بفهم): (أي: ادعى أنه فهم لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللّفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نؤول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلًا، تزيينًا له، وزخرفة ليقبل). شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٥١).
(٤) في (ص): (وتركة لزوم)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٥) من بداية هذا الفصل وإلى قوله: (لتعاليه سبحانه) نقله المؤلف بتصرف يسير من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٠).
[ ١٣٣ ]
الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، ولا تحويه (١) الجهات الست كسائر المبتدعات (٢).
والمعراجُ حقٌّ، وقد أُسري بالنبي - ﷺ - وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه سبحانه (٣) بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى (٤).
_________________
(١) في متن العقيدة الطحاوية: (لا تحويه) بدون واو.
(٢) قوله: (لتعاليه عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)؛ هذه العبارة ألفاظها مجملة، لم يرد فيها نص بالإثبات أو النفي، وبالتالي فإن منهج السلف فيها هو التفصيل من حيث المعنى، فإن كان حقًا قبل، وعبر عنه باللفظ الشرعي وإن كان باطلًا رد. قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٦١) معلقًا على هذه العبارة: (فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصها من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها، لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحًا، قبل، لكن ينبغي التعبير بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة). وقال ابن مانع في حاشيته على عقيدة الطحاوي (ص ١١) معلقًا على هذه الألفاظ: (ولكن هذه الكلمات مجملة مبهمة، وليست من الألفاظ المتعارفة عند أهل السنة والجماعة، والرد عليهم بنصوص الكتاب والسنة أحق وأولى من ذكر ألفاظ توهم خلاف الصواب، ففي قوله تعالى: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، رد على المشبهة والمعطلة، فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ، ولا التعويل عليها).
(٣) في متن العقيدة الطحاوية: (وأكرمه الله بما شاء).
(٤) نقله المؤلف بالنص من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٠ - ١١).
[ ١٣٤ ]
والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ، والله - ﷾ - مستغنٍ عن العرش فما (١) دونه، محيطٌ بكلَّ شيء، وأعجز سبحانه خلقَه عن الإحاطة.
واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا (٢)؛ إذ له سبحانه أن يكرم من يشاء بما يشاء.
ورؤية الباري - ﷿ - في الدنيا في المنام جائزةٌ للأنبياء وغيرهم، وهي صحيحةٌ (٣)، نقل اتفاقَ العلماء عليه القاضي عياض (٤) (٥) - ﵀ -
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (وما).
(٢) من قوله: (والعرش والكرسي حق) وإلى (إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا) نقله المؤلف بتصرف من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٣).
(٣) رؤية الله في المنام جائزة في الدنيا للأنبياء وغيرهم من المؤمنين كما ذكرها المؤلف، وهذه الرؤيا تكون بحسب ما يقوم بقلب المؤمن من الإيمان، (ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه، مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لا بد أن تكون الصورة الّتي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده بربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس) كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣). وقال أيضًا في الوصية الكبرى ضمن الفتاوى (٣/ ٣٩٠): (وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه؛ فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه)، وانظر رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد آل حمد (ص ١٧٥).
(٤) هو العلامة القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي. ولد سنة ٤٧٦ هـ، وتبحر في جميع العلوم، وجمع وألف وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق ومن تصانيفه: الإكمال في شرح صحيح مسلم، ومشارق الأنوار، وترتيب المدارك، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، توفي سنة ٥٤٤ هـ. انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (ص ٢٧٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (ص ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢).
(٥) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٧/ ٢٢٠).
[ ١٣٥ ]
قال: ([ولو] (١) رآه (٢) الإنسان على صفةٍ [لا تليق] (٣) بجلاله من صفات الأجسام؛ لأنَّ ذلك المرئيَّ غيرُ ذات الله تعالى (٤)؛ إذ لا يجوز عليه سبحانه (٥) التجسيم (٦) ولا اختلاف الأحوال (٧)، بخلاف رؤية النبي - ﷺ - (٨) (٩).
_________________
(١) في (ص): (لو) والصواب ما أثبته من (ظ) و(ن).
(٢) لعل جواب لو الشرطية (لو رآه) هو: (لأن ذلك المرئي غير ذات الله).
(٣) في (ص): (لا يليق)، وفي (ظ) و(ن) وإكمال المعلم ما أثبته.
(٤) في إكمال المعلم: (للتحقيق أن ذات المرئي ).
(٥) (سبحانه) ليست في إكمال المعلم.
(٦) لفظ الجسم من الألفاظ المجملة الّتي يحتاج في إثباتها أو نفيها عن الله تعالى إلى تفصيل؛ من حيث المعنى، مع التوقف في اللّفظ، فإن كان المعنى حقًا قبل وعبر عنه باللفظ الشرعي، وإن كان باطلًا رد - كما سبق -. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الرؤيا لا نقص يتعلّق بالله - ﷾ - فيها، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، حيث قال في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣ - ٧٤): (وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلّق به - ﷾ -، وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه. وقول من يقول ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه، ونحو ذلك إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا مشابهًا لها؛ فالله تعالى أجل وأعظم).
(٧) في إكمال المعلم: (ولا اختلافٌ في الحالات).
(٨) قال القاضي عياض في الإكمال: (بخلاف رؤية النبي - ﷺ - في النوم، فكانت رؤيته تعالى في النوم من أنواع الرؤيا من التمثيل والتخيّل).
(٩) نقله المؤلف بالنص من إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٧/ ٢٢٠)، وفي نفس الموضع ذكر القاضي عياض اتفاق العلماء على جواز رؤية الله منامًا في الدنيا.
[ ١٣٦ ]
وقال (١) ابن الباقلاني (٢): (رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهى دلالاتٌ على أمورٍ ممّا كان أو يكون كسائر المرئيات (٣) (٤)، والله أعلم.
ورؤية النبي - ﷺ - ربَّه - ﷿ - في اليقظة بعينيْ رأسه اختلف السلف فيها: فذهب جماعة من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين إلى منعها، وهو قول عائشة، والمشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة قالوا: إنَّما رأى جبريل (٥).
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (قال).
(٢) هو القاضي أبو بكر محمّد بن الطيب بن محمّد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، وكان يضرب بفهمه وذكائه المثل، وهو من أعلام المذهب الأشعري، توفي سنة ٤٠٣ هـ. انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٥٨٥)، والديباج المذهب (ص ٣٦٣)، وشجرة النور الزكية (ص ٩٢).
(٣) في إكمال المعلم: (قال القاضي أبو بكر: رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة، ويتعالى سبحانه عنها، وهي دلالات الرائي على أمور ممّا كان أو يكون كسائر المرئيات).
(٤) نقله المؤلف من إكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ٢٢٠).
(٥) قول المؤلّف في الرؤية: (وهو قول عائشة، والمشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة قالوا: إنما رأى جبريل)، وتخريجه على النحو الآتي: أ - أما قول عائشة، فأخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٩) رقم (١٧٧) من طريق مسروق عن عائشة قالت: (من زعم أن محمدًا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية) فقال لها مسروق: ألم يقل الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: "إنّما هو جبريل". ب - وأما قول ابن مسعود، فأخرجه مسلم أيضًا في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (١/ ١٥٨) رقم (١٧٤) من طريق زرّ بن حبيش، عن عبد الله قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى جبريل.
[ ١٣٧ ]
وعن ابن عبّاس: رأى ربَّه بعينيه (١)، وهو محكيٌّ عن جماعة من الصّحابة والتابعين.
وقال عطاء (٢): رآه بقلبه (٣). وقال أبو العالية (٤): رآه بفؤاده مرتين (٥). وروي عن ابن عبّاس من طرق قال: (إنَّ الله تعالى اختصَّ
_________________
(١) = وأصرح من ذلك ما رواه النسائي كما في الفتح (٨/ ٦٠٩) من طريق عبد الرّحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: (أبصر جبريل، ولم يبصر ربّه). ج - وأما قول أبي هريرة، فأخرجه مسلم أيضًا في الإيمان، باب معنى قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٨) رقم (١٧٥) قال: (رأى جبريل).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣١٨): (ومن روى عنه - أي ابن عبَّاس - أنه رآه بالبصر فقد أغرب، فإنّه لا يصح في ذلك شيء عن الصّحابة - ﵃ -). والصّحيح عن ابن عبّاس - كما سيأتي - أنه قال: (رآه بقلبه).
(٣) هو أبو محمّد عطاء بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم، المكي الأسود، مفتي أهل مكة ومحدثهم، ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر. وكان أسود مفلفلًا فصيحًا كثير العلم، قال أبو حنيفة: ما رأيت أحدًا أفضل من عطاء. وقال ابن عبّاس: يا أهل مكّة تجتمعون علي وعندكم عطاء؟. مات في رمضان سنة ١١٤ هـ على الأصح، وقيل: سنة ١١٥ هـ بمكة. انظر: الطبقات الكبرى (٦/ ٢٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٠/ ٦٩)، وطبقات علماء الحديث (١/ ١٧١).
(٤) قول المؤلّف: (وقال عطاء: رآه بقلبه)، نقله المؤلف بتصرف من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٥٨) حيث قال: (وروى عطاء عنه - أي: ابن عبّاس - أنه رآه بقلبه). وهذا الأثر أخرجه مسلم في الإيمان، باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٨) رقم (١٧٦) من طريق عطاء، عن ابن عباس بلفظه.
(٥) هو رفيع بن مهران البصري، أبو العالية الرياحي، الفقيه المقرئ، مولى امرأة من بني رياح - بطن من تميم - قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، ثم سعيد بن جبير. مات سنة ٩٣ هـ على الصّحيح، وقيل سنة ٩٠ هـ. انظر: طبقات علماء الحديث (١/ ١٢٤)، وتهذيب الكمال للمزي (٩/ ٢١٤)، والطبقات الكبرى (٧/ ٧٩).
(٦) قوله: (وقال أبو العالية: رآه بفؤاده مرتين)، نقله المؤلّف عن القاضي عياض في =
[ ١٣٨ ]
موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمدًا بالرؤية) (١)، وحجته قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣].
[قال] (٢) الماورديُّ (٣): (قيل: إن الله قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد، فرآه محمّد مرتين، وكلَّم (٤) موسى مرتين) (٥).
وهذا الاختلاف عند أئمة الشّرع، قال القاضي عياض - ﵀ -:
_________________
(١) = الشفا (١/ ٢٨٥) بتصرّف، حيث قال: (وعن أبي العالية، عنه - أي: ابن عبَّاس -: رآه بفؤاده مرتين). وهذا الأثر أخرجه مسلم في الإيمان، باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٨) رقم (١٧٦)، (٢٨٥) من طريق أبي العالية، عن ابن عبّاس قال: (رآه بفؤاده مرتين).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٩) رقم (٤٣٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٩٨) رقم (٥٧٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص ١٩٩)، والآجري في الشّريعة (٣/ ١١١٤) رقم (٦٨٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٧٥) من حديث ابن عبّاس بلفظه مع تقديم وتأخير، ولم يذكر الحاكم في حديثه الرؤية، قال الحاكم: (صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في ظلال الجنة (١/ ١٨٩): (إسناده صحيح موقوفًا).
(٣) في (ص) (وقال)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيب البصري الشّافعيّ مصنف (الحاوي) و(الإقناع) و(أدب الدنيا والدين) وكان إمامًا في الفقه والأصول والتفسير، بصيرًا بالعربيّة، ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم سكن بغداد، وعاش ستًا وثمانين سنة، ولد سنة ٣٦٤ هـ، وتوفي سنة ٤٥٠ هـ. انظر: طبقات فقهاء الشافعية (٢/ ٦٣٦)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٥/ ٢٦٧)، وطبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٢٠٦).
(٥) في (ظ) و(ن): (وكلَّمه).
(٦) من قوله: (ورؤية النّبيّ - ﷺ - ربه - ﷿ - في اليقظة) وإلى نهاية قول الماوردي: (وكلم موسى مرتين)، نقله المؤلف بتصرف من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ١٣٩ ]
(والحق الذي لا امتراء [فيه] (١) أنَّ رؤيته تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلًا، وليس في العقل ما يُحيلها. والدّليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى - ﵇ - لها، ومحالٌ أن يجهل نبيٌّ على الله ما يجوز وما لا يجوز عليه (٢)، بل لم يسل إِلَّا جائزًا غير مستحيل، ولكنَّ وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا مَنْ [علَّمه] (٣) الله، فقال له [الله] (٤): ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلًا ممَّا هو أقوى من بنية موسى - ﵇ - وأثبت وهو الجبل، وكلّ هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشّرع دليل قاطعٌ على استحالتها ولا امتناعها؛ إذ كلُّ موجودٍ فرؤيته جائزة غير مستحيلة (٥). ولا حجة لمن استدلَّ على منعها بقوله تعالى: ﴿لَا
_________________
(١) في (ظ) و(ن) والشفا، وليست في (ص).
(٢) في الشفا: (ومحالٌ أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه).
(٣) في (ص): (علَّم)، وفي (ظ) و(ن) والشفا ما أثبته.
(٤) في (ظ) و(ن) والشفا، وليست في (ص).
(٥) قوله: (إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة) هو دليل عقلي ضعيف على جواز الرؤية، ويلزمه لوازم فاسدة؛ لاتباعه طريقة الوجود المجرد المحض، فمثلًا الهواء موجود لكنه لا يرى، وكذلك الأصوات والروائح موجودة ولكن لا ترى، وبالتالي فلا يصلح أن يكون الوجود المجرد مصححًا للرؤية، إذ المصحح للرؤية أمور وجودية، لا أن لكل موجود تصح رؤيته، وهو قول السلف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٥٧): (ومعلوم أن الرؤية تتعلق بالموجود دون المعدوم، ومعلوم أما أمر وجودي محض لا يسيطر فيها أمر عدمي، كالذوق الذي يتضمن استحالة شيء من المذوق، وكالأكل والشرب الذي يتضمن استحالة المأكول والمشروب، ودخوله في مواضع من الآكل والشارب، وذلك لا يكون إلا عن استحالة وخلق. وإذا كانت أمرًا وجوديًا محضًا ولا تتعلّق إِلَّا بموجود، فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته: إمّا أن يكون وجودًا محضًا، أو متضمنًا أمرًا عدميًا، والثّاني باطل؛ لأن العدم لا يكون له تأثير في الوجود المحض، =
[ ١٤٠ ]
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ لاختلاف التأويلات في الآية، وإذ ليس يقتضي قولُ من قال في الدنيا الاستحالة. وقد استدلَّ بعضهم عليه (١) بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية، وعدم استحالتها على الجملة (٢) وقد قيل: لا تدركه (٣) أبصارُ الكفار، وقيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٤) أي (٥): لا تحيط به، وهو قول ابن عبّاس، وقيل (٦):
_________________
(١) = فلا يكون سببًا له، ولا يكون أيضًا شرطًا أو جزءًا من السبب إِلَّا أن يتضمن وجودًا، فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود، ويكون ذلك العدم دليلًا عليه ومستلزمًا له ونحو ذلك. وهذا من الأمور البينة عند التأمل)، وقال أيضًا - ﵀ - في الرسالة الأكملية ضمن الفتاوى (٦/ ١٣٦): (وأكثر مثبتي الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية، بل قالوا: إن المقتضي أمور وجودية، لا أن كل موجود تصح رؤيته، وبين الأمرين فرق؛ فإن الثّاني يستلزم رؤية كل موجود؛ بخلاف الأول، وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور وجودية لا يشترط فيها أمور عدمية، فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم كان أحق بأن تجوز رؤيته). وانظر: التدمرية (ص ١٥٠)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٣٣٠)، ودرء التعارض (١/ ٢٤٧)، ورؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد آل حمد (ص ١٢٢).
(٢) (عليه) ليست في (ظ) و(ن) والشفا.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية (ص ٥٩): (وكذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، إنّما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها).
(٤) في (ظ) و(ن): (لا تدركه الأبصار أبصار الكفار).
(٥) في (ظ) و(ن): (لا يدركه).
(٦) (أي) ليست في (ظ) و(ن) والشفا.
(٧) في الشفا: (وقد قيل ).
[ ١٤١ ]
لا تدركه الأبصار، وإنّما يدركه المبصرون (١). وكلّ هذه التأويلات [لا تقتضي] (٢) منعَ الرؤية ولا استحالتها) (٣).
ومنع بعضهم الرؤية في الدنيا، وقال: من نظر إليه سبحانه مات، وعلَّل بعضهم امتناعها لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرةً غرضًا (٤) للآفات والفناء، فلم يكن لهم قوةٌ على الرؤية، وفي الآخرة ليسوا كذلك، فإنَّ قواهم ثابتةٌ باقيةٌ، [ولذلك] (٥) أنوار قلوبهم وأبصارهم قويةٌ على الرؤية.
وقد نُقلَ نَحوُ هذا عن الإمام مالك بن أنس (٦) - ﵀ - قال: (لم يُرَ في الدنيا لأنَّه باقٍ، ولا يُرَى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة، رُزقوا أبصارًا باقيةً، فرُئيَ الباقي بالباقي (٧) (٨) (٩).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير الطّبريّ (٧/ ٢٩٩ - ٣٠٤)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ١٤٨).
(٢) في (ص): (لا يقتضي)، وفي (ظ) و(ن) والشفا ما أثبته.
(٣) نقله المؤلف بالنص من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٤) وفي (ظ) و(ن): (عرضًا).
(٥) في (ص): (وكذلك)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٦) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، وفقيه الأمة أبو عبد الله الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟، قال: مالك أثبت في كل شيء. عاش مالك ستًا وثمانين سنة، ولد سنة ٩٣ هـ، ومات سنة ١٧٩ هـ. انظر: طبقات علماء الحديث (١/ ٣١٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٧/ ٩١)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ١٠٧).
(٧) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٢)، وذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٢)، والشفا (١/ ٢٦٣)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٢).
(٨) من قوله: (ومنع بعضهم الرؤية ) إلى: ( فرئي الباقي بالباقي) نقله المؤلف من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٦٣) بتصرف.
(٩) قال الدارمي - ﵀ - في الرد على الجهمية (ص ١٢٥): (قال: (لن تراني) في الدنيا؛ =
[ ١٤٢ ]
وقال القاضي عياض - ﵀ -: (وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعفُ القدرة، فإذا قوَّى الله من يشاء (١) من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع (٢) في حقه. وقد عُرف (٣) من قوة بصر موسى ومحمد - ﷺ - ونفوذ (٤) إدراكهما بقوةٍ إلهيةِ مُنحاها لإدراكِ (٥) ما أدركاه، ورؤية ما رأياه، والله أعلم) (٦).
وبالجملة: ليست في الآيات نصٌّ بالمنع، وقول مَنْ قال: رآه بعينيه (٧) إنَّما بناه على اعتقاده باجتهاده (٨)، ولم يسنده إلى النبيِّ - ﷺ -. والأحاديث مضطربةٌ في المعنى؛ لتعارضها، وفي الإسناد؛ لضعفها، والتأويل ليس قاطعًا بشيء، وحديث أبي ذر - ﵁ - في صحيح مسلم لمَّا سأله عنها، قال (٩): "رأيت نورًا"، ورُوي: "نورٌ أَنَّى أراه" (١٠)، فقد
_________________
(١) = لأن بصر موسى من الأبصار التي كتب الله عليها الفناء في الدنيا، فلا تحمل النظر إلى نور البقاء، فإذا كان يوم القيامة رُكَّبت الأبصار والأسماع للبقاء، فاحتملت النظر إلى الله - ﷿ - بما طوقها الله).
(٢) في (ظ) والشفا: (من شاء).
(٣) في الشفا: (لم تمتنع).
(٤) في الشفا: (وقد تقدّم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد ).
(٥) في (ظ) و(ن): (ونفود).
(٦) في (ن): (الإدراك).
(٧) نقله المؤلف بالنص من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٦٣).
(٨) في (ظ) و(ن): (بعينه).
(٩) مسألة رؤية النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة.
(١٠) في (ظ) و(ن): (فقال)
(١١) أخرج اللفظين مسلم في الإيمان، باب في قوله - ﵇ - نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا (١/ ١٦١) رقم (١٧٨) من حديث أبي ذر - ﵁ -. أما الأوّل فعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله - ﷺ - لسألته، =
[ ١٤٣ ]
أخبر أنَّه لم يره، وإنّما رأى نورًا، أو كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر؟. وهذا مثل قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: "حجابه النور" (١)، وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيتُه بقلبي مرتين" (٢) وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] (٣).
_________________
(١) = فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت، فقال: "رأيت نورًا". وأما الثّاني فعن أبي ذر قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه".
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: "إن الله لا ينام"، وفي قوله: "حجابه النور" (١/ ١٦١ - ١٦٢) رقم (١٧٩) من حديث أبي موسى بلفظه، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: "إن الله - ﷿ - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور"، وفي رواية أبي بكر: "النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٨) رقم (١٧٦)، من حديث ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين.
(٤) اختلفت أقوال السلف من الصّحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النّبيّ - ﷺ - لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب: الأوّل: أقوال تثبت الرؤية مطلقًا. الثّاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقًا. الثّالث: أقوال تقيد الرؤية بالرؤية القلبية لا البصرية. ومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين: المذهب الأوّل: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينها لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه. والمذهب الثّاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا تضاد يوجب الجمع لا الترجيح. والمذهب الثّاني هو الصّحيح - والله أعلم - واختاره جمع من المحققين منهم شيخ =
[ ١٤٤ ]
والله قادرٌ على خلق الإدراكِ الذي في البصر [في القلب] (١) كيف
_________________
(١) = الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن كثير، وابن أبي العز، والسفاريني، والشنقيطي، وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠): "وأما الرؤية فالذي ثبت في الصّحيح عن ابن عبّاس أنه قال: "رأى محمّد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرؤية. فمن النَّاس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عبّاس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عبّاس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمّد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد" ولم يثبت عن ابن عبّاس لفظ صريح أنه رآه بعينه. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصّحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل: كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر النَّاس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه". انظر: كتاب التّوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧ - ٥٦٣)، الرؤية للدارقطني (ص ٣٠٨ - ٣٦١)، شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٥١٣ - ٥٢٣)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٢)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٢٨)، مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٥، ٣/ ٣٨٦، ٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٣)، العلّو للذهبي (١/ ٧٦٥ - ٧٧٤)، شرح الطحاوية (١/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، فتح الباري (٨/ ٦٠٨)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص ١٨٠)، أقاويل الثقات للكرمي (ص ١٩٦ - ١٩٧)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، أضواء البيان (٣/ ٣٦٣)، وللاستزادة: الغنية في مسألة الرؤية لابن حجر، رؤية النبي - ﷺ - لربه للتميمي، رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها للحمد (ص ١٣٨).
(٢) في (ظ) و(ن) وليس في (ص).
[ ١٤٥ ]
شاء لا إله غيره. فإن ورد حديثٌ بنصٍّ [بيِّنٍ] (١) في الباب اُعتقد، ووجب المصير إليه؛ إذ لا استحالةَ فيه، ولا مانعَ قطعيَّ يردُّه، والله الموفق (٢).
ورؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم، وينظرون إليه كما يرون القمرَ ليلة البدر، لا يضارُون (٣) في رؤيته ولا يضامُون (٤): حقٌّ، على ما ثبت في الحديث الصّحيح عن رسول الله - ﷺ - (٥). والتشبيه وقع
_________________
(١) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٢) من قوله: (ليس في الآيات نصّ بالمنع ) وإلى: ( والله الموفق) نقله المؤلف بتصرف من الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٣) يضارون: يروى بتشديد الراء وبالتخفيف. فالتشديد (يضارّون) بمعنى: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه؛ لوضوحه، ويقال: أضرَّني فلانٌ إذا دنا مني دنوًا شديدًا. وأما التخفيف (يضارُون) فهو من الضير، لغة في الضُّر، والمعنى فيه كالأول، أي: لا يأتيكم الضُّر من رؤيته. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٨٢)، وكتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣).
(٤) يضامون: يروى بتشديد الميم وبالتخفيف. فالتشديد (يضامُّون) معناه: لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتزدحمون وقت النظر إليه. وأما التخفيف (يضامُون) معناه: لا ينالكم ضيم في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، والضيم: الظلم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ١٠١)، وكتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣).
(٥) أخرجه البخاريّ في التّوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١٣/ ٤١٩) رقم (٧٤٣٤)، ومسلم في المساجد ومواضع الصّلاة، باب فضل صلاتي الصُّبح والعصر والمحافظة عليهما (١/ ٤٣٩) رقم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله بلفظ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته ". وأما لفظ (تضارون)، فأخرجه البخاريّ في كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (١١/ ٤٤٤ - ٤٤٥) رقم (٦٥٧٣)، ومسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ =
[ ١٤٦ ]
في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي (١) بالمرئي (٢)؛ إذ الله لا يشبهه شيءٌ.
والكفار عن رؤيته - ﷾ - محجوبون، فإن قيل: فقد ثبت في الصّحيح عن النّبيّ - ﷺ - قال: "ما منكم من أحدٍ إِلَّا سيُكلِّمُه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" (٣)، وهذا (٤) عام في الكفار والمسلمين، إذ الظّاهر منه رؤيتُهم له سبحانه مع الغضب عليهم. قلنا: لا يلزم من الكلام الرؤية، وغضبه سبحانه عليهم حجابه عنهم، والله أعلم (٥).
_________________
(١) = ١٦٣) رقم (١٨٢) بلفظ: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك "، وزاد مسلم: "هل تضارون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا، يا رسول الله".
(٢) في (ظ) و(ن): (لا المرئي).
(٣) من قوله (ورؤية المؤمنين ربهم ..) إلى: ( لا للمرئي بالمرئي) نقله المؤلف من عقيدة السلف للصابوني بتصرف (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٤) أخرجه البخاريّ في التّوحيد، باب كلام الرب - ﷿ - يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (١٣/ ٤٧٤) رقم (٧٥١٢)، ومسلم في الزَّكاة، باب الحث على الصَّدقة (٢/ ٧٠٣) رقم (١٠١٦) (٦٧) من حديث عدي بن حاتم بلفظه مطولًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما منكم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إِلَّا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إِلَّا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إِلَّا النّار تلقاء وجهه، فاتقوا النّار ولو بشق تمرة".
(٥) من قوله: (وهذا عام في الكفار ) يبدأ النقص في (ظ).
(٦) تنازع النَّاس في الكفار، هل يرون الله - ﷿ - يوم القيامة، ثم يحتجب عنهم؟ أم أنهم لا يرونه بالكلية على ثلاثة أقوال، والراجح عدم ذلك - كما هو ظاهر اختيار المؤلف - لأن الرؤية أعظم نعيم الجنة، ولعموم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقيل: يراه المؤمنون والمنافقون فقط، دون بقية الكفار، ثم يحتجب عن المنافقين. وهذه المسألة - رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة - ليست من الأمور التي تجب فيها المهاجرة والمقاطعة، فإن الذين قالوا بما سبق عامتهم من أهل السنة والجماعة، =
[ ١٤٧ ]