أحكام المعتقدات في صفاته سبحانه قطعيَّة، لا يُتصور الاختلاف فيها. فما ثبت منها في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ولا نقول: إنَّه يجب الجمع بين المختلف منها ظاهرًا كما يجب الجمع بين المختلف من الأحاديث في الأحكام الفروعيّة، لِما يلزم من الكفر في الأوّل دون الثّاني، بل الاجتهاد في ذلك وتأليفُ الأدلة الفروعيّة مُثابٌ على الخطأ فيه، بخلاف الخطأ في الأصول فإنَّه كفرٌ (١)؛
_________________
(١) = ويجب أن لا يهجر من سكت عنها ولم يقل بشيء كما ينبغي أن لا يجعلها أهل العلم امتحانًا وشعارًا يفرقون به بين أهل السنة والمبتدعة، كما ينبغي ألا يشغل بها عوام المسلمين. انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠١ - ٥٠٤)، (٦/ ٤٨٦)، وحادي الأرواح لابن القيم (ص ٣٢٩). وقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٨٦) في تفسير هذه الآية: (وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجّين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم. قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه - ﷿ - يومئذ. وهذا الذي قاله الإمام الشّافعيّ - ﵀ - في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية).
(٢) اختلف العلماء في مسألة حكم وقوع الخلاف في الأصول اختلافًا كبيرًا، وأجملها في الأقوال الآتية: القول الأول: أن المخطئ في الأصول آثم، لأنه لا يجوز ولا يصح وقوع الاختلاف فيه، ونسب ذلك لجمهور العلماء. القول الثاني: أن مخالف ملة الإسلام من المخطئين في الأصول لا إثم عليهم إن كانوا مجتهدين، أما إن كانوا معاندين فالإثم ثابت في حقهم، وهو منسوب =
[ ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = للجاحظ. القول الثالث: أن المجتهد المخطئ في الأصول معذور إذا كان من المسلمين، وهو منسوب لعبيد الله بن الحسن العنبري، وينسب أيضًا إلى كثير من السلف وأئمة الفتوى. وما ذكره المؤلف - ﵀ - من أن الخطأ في الأصول كفر، دون الخطأ في الفروع، أمر فيه نظر؛ لعدم انضباطه. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ذلك في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧) بقوله: (فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع هي مسائل العمل. قيل له: فتنازع النَّاس في محمد - ﷺ - هل رأى ربه أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق، ووجوب الصّلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق. وإن قال الأصول: هي المسائل القطعية، قيل له كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول - ﷺ -، وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته). كما ينبغي الإشارة إلى أن هناك أمورًا تعلم من الدين بالضرورة بلا خلاف، وأمورًا لا تعلم من الدين بالضرورة بلا خلاف، ويبقى بينهما أمور ومسائل تختلف حولها الأنظار والأفهام. ولذلك فإنه يمكن أن نقول: إن هذا التعبير - وهو تقسيم الدين إلى أصول وفروع يكفر المخطئ في الأوّل دون الثّاني - غير دقيق؛ لأننا لا نستطيع أن نضع حدًا منضبطًا لا يختلف حوله. وللاستزادة انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١١٨)، (١٩/ ٢١١)، ومنهاج السنة (٥/ ٨٧ - ٩٥)، ومختصر الصواعق المرسلة (ص ٦١٣)، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٣٦)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٤٨٨)، وشرح مختصر الروضة =
[ ١٤٩ ]
ولما يلزم من قياس الغائب على الشّاهد (١) وهو ضعيفٌ في الفروع، باطلٌ في الأصول.
_________________
(١) = للطوفي (٣/ ٦٥٩، ٦١١)، والتفريق بين الأصول والفروع للدكتور سعد الشثري (٢/ ٣٠١ - ٣٢٣).
(٢) بيَّن الغزلي في معيار العلم (ص ١٣٤) ماهية قياس الغائب على الشاهد بقوله: (التمثيل وهو الذي يسميه الفقهاء قياسًا، ويسميه المتكلمون رد الغائب إلى الشاهد، ومعناه: أن يوجد حكم في جزء معين واحد فينقل حكمه إلى جزء آخر يشابهه بوجه ما)، ثم وضح ذلك بمثال قائلًا: (ومثاله في العقليات أن تقول: السماء حادث لأنه جسم قياسًا على النبات والحيوان، وهذه الأجسام التي يشاهد حدوثها ). والحق أن هذه عبارة مجملة، منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، وفي ذلك يقول ابن تيمية - ﵀ - في نقض التأسيس (٢/ ٤٩٥): (قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل، فإن لم يتبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك). ولقد أشار - ﵀ - إلى اضطراب موقف المتكلمين والفلاسفة من هذه الصورة من صور الاستدلال، فإنهم يستعملونها تارة، ويرفضونها تارة. فيستعملونها لإثبات ما يوافقهم من آراء، ويرفضونها إذا استعملها خصمهم فيما يخالفهم من آراء. يقول ابن تيمية - ﵀ - في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢٦): (المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالتهم هم في قياس الغائب على الشاهد مضطربون، كل منهم يستعمله فيما يثبته، ويرد على منازعه ما استعمله في ذلك، وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه، وسبب ذلك أنهم لم يمشوا على الصراط المستقيم، بل صار قبوله ورده بحسب القول لا بحسب ما يستحقه القياس العقلي، كما نجدهم أيضًا في النصوص الأدبية كل منهم يقبل منها ما وافق قوله، ويرد منها ما خالف قوله. وإن كان المردود من الأخبار المقبولة باتفاق أهل العلم بالحديث، والذي قبله من الأحاديث المكذوبة باتفاق أهل العلم والحديث، فحالهم في الأقيسة العقلية كحالهم في النصوص السمعية، لهم في ذلك من التناقض والاضطراب ما لا يحصيه إلا رب الأرباب. وأما السلف والأئمة فكانوا في ذلك من العدل، والاستقامة، وموافقة المعقول الصريح والمنقول الصّحيح؛ بحال آخر). =
[ ١٥٠ ]
إذا عرفت هذا حصل لك الشِّفاءُ، وخلَصْتَ من الشقاء، وسلمتَ من الآفات، واتَّصلتَ بالمقامات العليات، ونزَّلتَ الأمور منازلَها، وفَرَّقتَ (١) بين الربوبية والعبودية، والوحدانية والمثنوية. فالوحدانيّة خاصّةٌ به (٢) في كلِّ شيء، والمثنوية خاصّةٌ بنا في كل شيء، فمن قدَّم المثنوية على الوحدانية أو شبَّهها بها فقد ضلَّ وتعبَ، وأتعبَ وكَلَّ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
_________________
(١) = ثم فصل - ﵀ - في لفظ الغائب والشاهد، وبين أنها ألفاظ مجملة وأمور إضافية تحتاج إلى بيان وتفصيل، ثم قال في الفتاوى (١٤/ ٥٢ - ٥٣): (فلو قالوا قياس الغيب على الشهادة لكانت العبارة موافقة، وأما قياس الغائب ففيه مخالفة في ظاهر اللفظ، ولكن موافقة في المعنى. فلهذا حصل في إطلاقه التنازع). فتبين أن شيخ الإسلام - ﵀ - لا يعترض على هذا النوع من الاستدلال، بل صححه إذا استوفى شروطه بدليل أنه قال إن منه ما هو حق ومنه ما هو باطل. والمنهج الذى يراه هو الاستدلال بالآيات وقياس الأولى، فهذا هو منهج الأنبياء ومنهج القرآن. يقول - ﵀ - في الرد على المنطقيين (ص ١٥٠): (ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه - الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك القياس استعملوا قياس الأولى، لم يستعملوا قياس شمول تستوي أفراده، ولا قياس تمثيل محض. فإن الرب تعالى لا مثل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلِّي تستوي أفراده. بل ما ثبت لغيره من الكمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى، وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى؛ ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب، كما يذكره في دلائل ربوبيته وألوهيته).
(٢) في (ن): (ففرقت).
(٣) في (ن): (به سبحانه).
[ ١٥١ ]