الفوقية ثابتةٌ له - ﷾ - كلِّ وجهٍ يليق به - ﷾ -، دون ما نفهمه من مواجيدِ ذواتنا، ﵎ عمَّا يقول الظالمون [والجاحدون] (١) علوًّا كبيرًا، بل هو سبحانه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
والفوقيةُ المطلقة (٢) صفةٌ تفرَّد بها الربُّ - ﷾ -، فهو - ﷾ - فوقَ كلِّ شيءٍ، وليس فوقه شيءٌ. والكتاب العزيز ناطقٌ بها، وكذلك السنة النبوية، والفِطَرُ شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، في ستة (٣) مواضع من القرآن العظيم (٤).
وقد تقدّم أن الكيفية لا سبيل لأحدٍ إلى الكلام فيها، ولا إلى معرفتها، ولا إلى تصورها، ولا يحلُّ الفكرُ فيها ولا في غيرها من
_________________
(١) في (ن) ليست في (ص).
(٢) يثبت السلف ﵏ فوقية وعلو الله بأنواعه: علو الذات، والقدر، والقهر.
(٣) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وردت في ستة مواضع من القرآن كما تقدّم، وهي: أ -[الأعراف: ٥٤]، ب -[يونس: ٣]، ج -[الرعد: ٢]، د -[الفرقان: ٥٩]، هـ -[السجدة: ٤]، و-[الحديد: ٤]. وهنالك موضع سابع ذكر فيه الاستواء في سورة: [طه: ٥]، وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
(٤) (العظيم) ليست في (ن).
[ ١٧٨ ]
الذات وصفاتها، فاسترح أيها المُحاذي (١) من ذلك واشتغل بما ينفعك [مما] (٢) هنالك، واسلك أحسن المسالك، تنج من المهالك.
قال (٣) الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: ٤]، (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وأخبر الله - ﷿ - عن فرعون اللعين إقامةً للحجة عليه: ﴿ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، يعني [في قوله] (٥): إنَّ في السماء إلهًا.
وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته.
قال عبد الله بن المبارك: (نعرف ربنا فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنَّه ها هنا - وأشار إلى الأرض -) (٦).
_________________
(١) المحاذي: من حَوَذَ، والحاء والواو والذال أصل واحد، وهو من الخفة والسرعة وانكماش في الأمر. والأحوذي قيل: هو المنكمش، والحادّ، والخفيف في أموره، وقيل: هو المشمر في الأمور، القاهر لها. والحِواذ بالكسر: هو البعد، واستحوذ: غلب واستولى. ولعلّ معنى المحاذي هنا المشمر لمعرفة ذلك. انظر: معجم مقاييس اللغة (٢/ ١١٥)، ولسان العرب (٣/ ٤٨٦)، والقاموس المحيط (١/ ٣٥٢).
(٢) في (ص): (بما)، وفي (ن) ما أثبته.
(٣) في (ن): (وقال).
(٤) قوله: [( في يوم كان مقداره) الآية] ليست في (ن).
(٥) في (ن) وليست في (ص).
(٦) أثر عبد الله بن المبارك أخرجه: =
[ ١٧٩ ]
وروينا بإسنادنا إلى الشّيخ الزاهد أبي الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسيِّ (١) - ﵀ - المتفق على إمامته وجلالته ودينه وورعه وتفرّده بذلك في زمنه بالشام وغيره، في كتابه الحجة على تارك المحجَّة (٢)، في عقيدته التي أجمع عليها علماء الإسلام، - ممَّن لقيه أو بلغه قوله من غيرهم ممّن هو موصوفٌ بالقدوة، والزعامة، والعلّم الصائب، والفهم الثاقب، مشهورٌ بالأمانة القوية، والديانة الأصلّية، والإمامة العلّية، ناطقٌ عن الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، مجانبٌ للبدعة والضلالة والأهواء والجهالة -: (إنَّه لا يجوز اعتقاد ما لم يكن له أصلٌ
_________________
(١) = - أبو سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٤٧) برقم (٦٧)، وفي النقض على بشر المريسي (١/ ٢٢٤). - وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ١١١ - ١٧٤ - ٣٠٧) بأرقام (٢٢ - ٢١٦ - ٥٩٨). - والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) برقمي (٩٠٥ - ٩٠٣). - والصابوني في عقيدة السلف (ص ١٨٦). - والذهبي في العلّو (ص ١٤٩) برقمي (٣٩٨ - ٣٩٩)، وفي المختصر (ص ١٥١) برقم (١٥٠)، وقد صححه الذهبي. - وابن قدامة في إثبات صفة العلّو (ص ١٧١) برقمي (٨٣ - ٨٤). وقد صحح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأثر كما في الحموية ضمن الفتاوى (٥/ ٥٢ - ١٨٤). وقال ابن القيم كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٣ - ٢١٤): (وقد صح عنه صحة قريبة من التواتر).
(٢) هو أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي، الفقيه الشّافعيّ، الإمام العلّامة، القدوة المحدث، مفيد الشّام، شيخ الإسلام صاحب التصانيف والأمالي، ولد قبل سنة ٤١٠ هـ، وتوفي سنة ٤٩٠ هـ. انظر: مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (١/ ٣٠٢)، وطبقات الشّافعيّة الكبرى (٥/ ٣٥١)، وطبقات الشّافعيّة للأسنوي (٢/ ٢٠٧)، وطبقات الشّافعيّة لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٤).
(٣) ٢/ ٢٧٢ - ٢٩٦.
[ ١٨٠ ]
في كتاب الله تعالى، ولا سُنَّة رسول الله - ﷺ -، وإجماع أهل العلم من الصّحابة التابعين لهم بإحسان. وأنَّ الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ثم نقل ذلك عن أبي حاتم (١) وأبي زرعة (٢) الرازيين المتفق على إمامتهما، وجلالتهما، وورعهما عن مذاهب أئمة الأمصار والعلماءِ في جميع الأقطار، قالا: (أدركنا العلماء: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا يقولون ذلك) (٣).
_________________
(١) هو أبو حاتم محمّد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الرازي، الإمام الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلي، الغطفاني، كان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل. ولد سنة ١٩٥ هـ، وتوفي سنة ٢٧٧ هـ. انظر: الفهرست لابن النديم (ص ٣٢٧)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٣٨١)، وطبقات علماء الحديث (٢/ ٢٦٠)، والعبر للذهبي (١/ ٣٩٨)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٣/ ٢٤٧)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٢٦).
(٢) هو أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، الإمام، سيد الحفاظ، محدث الري، كان آية في الحفظ والإتقان، قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. وقال ابن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة فليس له أصل. توفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر: تهذيب الكمال (١٩/ ٨٩)، وطبقات علماء الحديث (٢/ ٢٤٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٣/ ٦٥)، والعبر للذهبي (١/ ٣٧٩)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٥١)، والوافي بالوفيات (٢/ ١٨٣).
(٣) هذا الأثر أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٧٦ - ١٧٧) برقم (٣٢١)، والذهبي في العلو (ص ١٨٨)، برقمي (٥٠٢ - ٥٠٣)، وصححه الألباني في المختصر (ص ٢٠٤)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٨٢ - ١٨٣) =
[ ١٨١ ]
وقال الإمام أبو عثمان الصابونيُّ - ﵀ - فيما رواه عن الحاكم (١) أبي عبد الله الحافظ سماعًا منه بإسناده إلى [أبي] (٢) عبد الله الرباطيِّ (٣)، قال: (حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر (٤) ذات يوم، وحضر
_________________
(١) = رقم (٩٤)، وذكره ابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٩٠ - ١٢٩١)، واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٣٣) من طريق عبد الرّحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة - ﵄ - عن مذهب أهل السنة، وما أدرك عليه العلماء في الأمصار، وما يعتقدان ذلك؟ فقال: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم: وأن الله - ﷿ - على عرشه بائن من خلقه - كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - بلا كيف ).
(٢) هو أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه الضبي النيسابوري، الحاكم الحانظ الكبير، ويعرف أيضًا بابن البيّع، ولد سنة ٣٢١ هـ، اعتنى به أبوه، وكتب عن نحو ألفي شيخ، قرأ القراءات، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، وصنف التصانيف، وهو ثقة حجة، توفي سنة ٤٠٥ هـ. انظر: طبقات الفقهاء الشّافعيّة لابن الصلاح (١/ ١٩٨)، وطبقات الشّافعيّة الكبرى (٤/ ١٥٥)، والعقد المذهب (ص ٧٠)، وطبقات علماء الحديث (٣/ ٢٣٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٧/ ١٦٢)، والعبر للذهبي (٢/ ٢١٠).
(٣) في (ص) و(ن): (إلى عبد الله الرباطي)، وهذا الخطأ لعلّه من النساخ، فأضفت (أبي) ليوافق ما في عقيدة السلف، وهو الذي تؤيده كتب التراجم، على ما سيأتي من ترجمته - إن شاء الله -.
(٤) هو أبو عبد الله أحمد بن سعيد بن إبراهيم المروزي الرباطي الأشقر، نزيل نيسابور، الإمام الحافظ الحجة، أمير الرباط، سمع وكيعًا وعبد الرزاق وطبقتهم، وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، توفي سنة ٢٤٣ هـ. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٦)، وتهذيب الكمال (١/ ٣١٠)، وطبقات علماء الحديث (٢/ ٢٢٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٢/ ٢٠٧)، والعبر للذهبي (١/ ٣٤٥).
(٥) هو عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد، أبو العباس الخزاعي، الأمير، ولاه المأمون دمشق والشام، وكان حاكمًا عادلًا، جوادًا، شاعرًا، بارع الأدب، تنقل في الأعمال شرقًا وغربًا، قلده المأمون مصر والمغرب، ثم نقله إلى خراسان، توفي سنة ٢٣٠ هـ. =
[ ١٨٢ ]
إسحاق (١) - يعني: ابن راهويه - فسُئل عن حديث النزول، أصحيحٌ هو؟ قال: نعم، فقال له بعض قُوّاد عبد الله: يا أبا يعقوب، [أتزعم] (٢) أن الله ينزل كلّ ليلةٍ؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته (٣) فوق؛ حتّى أصف لك النزول، فقال له الرجل: أثبته فوق. فقال له إسحاق: قال الله - ﷿ -: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، قال (٤) الأمير عبد الله (٥): يا أبا يعقوبَ هذا يوم القيامة، قال إسحاق: أعز الله الأمير! ومن يجيء يوم القيامة؛ من يمنعه اليوم؟) (٦).
وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة - ﵀ -: (من لم يقرَّ بأن الله - ﷿ - على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافرٌ به (٧)، حلالُ الدم (٨)، يُستتاب فإن تاب وإلا ضرب (٩) عنقه، وأُلقيَ على بعض المزابل؛
_________________
(١) = انظر: كتاب بغداد لابن طيفور (ص ٢٥)، وتاريخ بغداد (٩/ ٤٨٣)، وتحفة ذوي الألباب للصفدي (١/ ٢٦٩)، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي (١/ ٢١٤)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٠/ ٦٨٤).
(٢) في عقيدة السلف: (وحضر إسحاق بن إبراهيم).
(٣) في (ص): (تزعم)، وفي (ن) وعقيدة السلف ما أثبته.
(٤) أي: أثبت واعتقد أن الله مستو على عرشه فوق سمواته.
(٥) في (ن) وعقيدة السلف: (فقال).
(٦) في (ن): (عبد الله بن طاهر)، وفي (ص) وعقيدة السلف ما أثبته.
(٧) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف (ص ١٩٧ - ١٩٨)، والذهبي في العلو (ص ١٧٩) رقم (٤٨٦)، وقال الألباني معلقًا عليه في مختصر العلو (ص ١٩٣): (هذا إسناد صحيح)، وذكر هذا الأثر ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩١ - ٣٩٢) وعزاه إلى الصابوني، وذكره أيضًا في شرح حديث النزول (ص ١٤٨ - ١٤٩).
(٨) في عقيدة السلف ومعرفة علوم الحديث: (بربه).
(٩) قوله: (حلال الدم) ليست في معرفة علوم الحديث.
(١٠) في عقيدة السلف ومعرفة علوم الحديث: (ضُربت).
[ ١٨٣ ]
حتى (١) لا يتأذى به (٢) المسلمون ولا [المعاهدون] (٣) بنتن رائحة جثته (٤)، وكان ماله فيئًا (٥)، لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر، [كما] (٦) قال (٧) - ﷺ -: "لا يرث الكافرُ المسلم، ولا المسلمُ الكافر" (٨) (٩) (١٠).
وإمامنا أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعيُّ (١١) - ﵁ - احتجَّ في
_________________
(١) في معرفة علوم الحديث: (حيث).
(٢) (به) ليست في عقيد السلف ولا معرفة علوم الحديث.
(٣) في (ص) و(ن): (المعاندون)، وفي عقيدة السلف ومعرفة علوم الحديث ما أثبته، وفي معرفة علوم الحديث: (.. لا يتأذى المسلمون والمعاهدون ).
(٤) في عقيدة السلف ومعرفة علوم الحديث: (جيفته)، وعبارة معرفة علوم الحديث: (بنتن ريح جيفته).
(٥) الفيء: غنائم تؤخذ من المشركين أفاءها الله على المسلمين، أي: ترجع عليهم. انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٤/ ٤٣٥)، والمصباح المنير للفيومي (٢/ ١٤٣).
(٦) في (ن) وعقيدة السلف ومعرفة علوم الحديث، وليست في (ص).
(٧) في عقيدة السلف: (قال النّبيّ - ﷺ -).
(٨) من قوله: (لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر) ليس موجودًا في معرفة علوم الحديث، وفي عقيدة السلف: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم).
(٩) أخرجه البخاريّ في الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (١٢/ ٥٠) رقم (٦٧٦٤)، ومسلم في الفرائض أيضًا (٣/ ١٢٣٣) رقم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد بلفظه، مع تقديم وتأخير.
(١٠) قول الإمام ابن خزيمة أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٨٤)، والصابوني في عقيدة السلف (ص ١٨٧)، والذهبي في العلّو بنحوه (ص ٢٠٧) رقم (٥٢٨)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٨٥) رقم (٩٦)، وذكره ابن تيمية في الفتوى الحموية (ص ٣٣٩ - ٣٤٠) من رواية الحاكم وصحح إسناده.
(١١) هو أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، القرشي ثم المطلبي، الشّافعيّ، المكي، صاحب المذهب المعروف، إمام أهل زمانه في الفقه، =
[ ١٨٤ ]
كتابه المبسوط (١) في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفّارة: وأن الرقبة الكافرة (٢) لا يصح التكفيرُ بها؛ لخبر (٣) معاوية بن الحكم: وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء في (٤) الكفارة، وسأل رسول الله - ﷺ - عن إعتاقه إيَّاها، فامتحنها رسول الله - ﷺ -؛ ليعرف أنها مؤمنةٌ أو لا، فقال: "أين ربك؟ " فأشارت إلى السماء؛ إذ كانت أعجمية (٥)، فقال لها - ﷺ -: "من أنا؟ " فأشارت إليه وإلى السماء - يعني: أنك رسول الله الذي في السماء - فقال النّبيّ (٦) - ﷺ -: "أعتقها، فإنها مؤمنة" (٧). فحكم رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) = روى عن مالك بن أنس ومحمد بن الحسن واسماعيل بن عليّة وغيرهم كثير، وروى عنه الحميدي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلّام وغيرهم، ألف (الرسالة)، و(الأم)، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٤٢)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٩/ ٦٣)، وطبقات الشّافعيّة الكبرى (١/ ١٩٢)، وطبقات الشّافعيّة للأسنوي (١/ ١٨)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٠٢)، وبرنامج التجيبي (ص ١١٩). وانظر كذلك: آداب الشّافعيّ ومناقبه لابن أبي حكم، والانتقاء في فضائل الثّلاثة الأئمة الفقهاء (ص ٦٥)، ومناقب الإمام الشّافعيّ للرازي، ومناقب الإمام الشّافعيّ للمناوي.
(٢) هو كتاب الأم، وذكر هذه المسألةُ في كتاب الظهار، باب: عقد المؤمنة في الظهار (١١/ ٤٨٦ - ٤٨٧) برقمي (٢٠٤١٧)، (٢٠٤١٩)، حيث قال: (فإذا وجبت كفارة الظهار على الرَّجل وهو واجد لرقبة أو ثمنها، لم يجزه فيها إِلَّا تحرير رقبة، ولا تجزئه رقبة على غير دين الإسلام، لأن الله - ﷿ - يقول في القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]).
(٣) في (ن): (الكفارة)، وفي عقيدة السلف (وأن غير المؤمنة لا يصح ).
(٤) في عقيدة السلف: (بخبر).
(٥) في (ن): (عن)، وفي عقيدة السلف: (السوداء لكفارة).
(٦) قوله: (ليعرف أنها مؤمنة أو لا، فقال: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء؛ إذ كانت أعجمية) هذه العبارة ليست في عقيدة السلف.
(٧) في (ن): وعقيدة السلف: (فقال - ﷺ -).
(٨) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصّلاة، باب تحريم الكلام في الصّلاة =
[ ١٨٥ ]
بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأنَّ ربها في السماء، وعرفت ربَّها بصفة العلوِّ والفوقية.
وإنّما احتجَّ الشّافعيّ - ﵀ - على المخالفين في قولهم: يجوز (١) إعتاق الرقبة الكافرة [في الكفارة] (٢) بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله تعالى فوق خلقه (٣) وفوق سبع سمواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم، إذ كان - ﵀ - لا يروي خبرًا صحيحًا، ثم لا يقول به (٤).
واعلم أن الظرفية (٥) ليست مرادةً في هذا الحديث بإجماع العلماء، وإنّما معناها العلّو بإجماع.
_________________
(١) = (١/ ٣٨١ - ٣٨٢) رقم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم مطولًا، وفيه: " فقال لها: "أين الله؟ "، قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة"".
(٢) في عقيدة السلف: (بجواز).
(٣) ليست في (ص)، وفي (ن) وعقيدة السلف ما أثبته.
(٤) إلى قوله: (لاعتقاده أن الله تعالى فوق خلقه) ينتهي السقط في (ظ).
(٥) نقله المؤلف من عقيدة السلف للصابوني (ص ١٨٧ - ١٨٨).
(٦) من المعلوم أن المراد بأن الله في السماء، أي: في العلّو - ﷾ -، لا بمعنى أن السَّماء تحويه وتحيط به، وهذا ضلال وكذب وافتراء، فالله - ﷾ - لا يحيط به أي شيء. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - شبهة من يقول بأن السَّماء تحويه، وبيّن زيفها، فقال في الفتاوى (٥/ ١٠٦): (من توهم أن كون الله في السَّماء بمعنى أن السَّماء تحيط به وتحويه فهو كاذب - إن نقله عن غيره -، ضال - إن اعتقده في ربه -، وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللّفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله ورسوله: (إن الله في السَّماء) أن السَّماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعلّه لم يخطر ببالنا. وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللّفظ شيئًا محالًا لا يفهمه النَّاس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند النَّاس (أن الله في السَّماء)، (وهو على العرش) =
[ ١٨٦ ]
وقال إمام الحرمين (١) في نهايته (٢) في مسألة إذا قال لزوجته: إن [طرت] (٣) أو صعدت إلى (٤) السَّماء، فأنت طالقٌ، في أثناء بحثٍ له: (ومن قال إن الله - ﷾ - في السَّماء على سبيل التحيّز فهو كافرٌ بإجماع المسلمين)، والله أعلم.
وقال الرّبيع بن سليمان (٥): سمعت الشّافعيّ - ﵀ - يقول: (إذا
_________________
(١) = واحد؛ إذ السَّماء إنّما يراد به العلّو، فالمعنى أن الله تعالى في العلّو، لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه - ﷾ - وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾، وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بمعنى (على)، ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة).
(٢) هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين، الفقيه الشّافعيّ، ضياء الدين، أحد الأئمة الأعلام، تفقه على والده، وجاور بمكة في شبابه أربعة أعوام، ومن ثم قيل له إمام الحرمين، كان من أذكياء العالم، وأحد أوعية العلم، ولد سنة ٤١٩ هـ، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (١٥/ ٨٥)، وتبيين كذب المفتري (ص ٢٧٨)، وطبقات الشّافعيّة الكبرى (٥/ ١٦٥)، وطبقات الشّافعيّة للأسنوى (١/ ١٩٧)، والعقد المذهب (ص ١٠١)، والعبر للذهبي (٢/ ٣٣٩).
(٣) هو: (نهاية المطلب في دراية المذهب)، وهو من أفضل كتبه في الفقه، وهو من مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية. وانظر كلام صاحب المطلب في النهاية (١٤/ ٨١).
(٤) في (ص): (ظهرت)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٥) في (ص) وليست في (ظ) و(ن).
(٦) هو أبو محمّد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي، مولاهم المصري المؤذن، الإمام المحدث الفقيه الكبير، بقية الأعلام، صاحب الإمام الشّافعيّ، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، ومستملي مشائخ وقته، ولد سنة ١٧٤ هـ، توفي سنة ٢٧٠ هـ. =
[ ١٨٧ ]
رأيتموني أقول قولًا، وقد صحَّ عن النّبيّ - ﷺ - خلافه، فاعلموا أن عقلي قد ذهب) (١).
وقال الزعفرانيُّ (٢): (روى الشّافعيّ - ﵀ - يومًا (٣) حديثًا، فقال السائل: يا أبا عبد الله تقول به؟ قال: تراني في بيعةٍ أو كنيسةٍ ترى عليَّ [زيَّ] (٤) الكفار! هو ذا تراني في مسجد المسلمين علي زيُّ المسلمين
_________________
(١) = انظر: تهذيب الكمال (٩/ ٨٧)، وطبقات علماء الحديث (٢/ ٢٨٤)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١١٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٢/ ٥٨٧)، والعبر للذهبي (١/ ٣٩٠)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٥).
(٢) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف (ص ١٨٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ١٠٦). وأخرجه ابن أبي حاتم في (آداب الشّافعيّ ومناقبه) (ص ٦٧ - ٩٣) عن الربيع قال: سمعت الشّافعيّ يقول: (متى سمعتني: حدثت بحديث عن رسول الله - ﷺ - صحيح؛ فلم آخذ به، فانا أشهدكم أن عقلي قد ذهب). وذكره السبكي في طبقات الشّافعيّة في ترجمة الربيع بن سليمان (٢/ ١٣٨)، والهروي في (ذم الكلام وأهله) (٢/ ٣٠٢) برقم (٣٩٨)، وابن حجر في توالي التأسيس (ص ١٠٧)، والمناوي في مناقب الإمام الشّافعيّ (ص ٩٦)، والفلاني في إيقاظ همم أولي الأبصار (ص ١٦١). وانظر: منهج الإمام الشّافعيّ في إثبات العقيدة لمحمد العقيل (١/ ٩٧).
(٣) هو أبو علي الحسن بن محمّد بن الصبّاح، البغدادي الزعفراني، يسكن محلة الزعفراني قرب بغداد، الإمام العلّامة، شيخ الفقهاء والمحدثين، كان مقدمًا في الفقه والحديث، ثقة جليلًا، عالي الرواية، كبير المحملة، قرأ على الشّافعيّ كتابه القديم، توفي سنة ٢٦٠ هـ. انظر: تهذيب الكمال (٦/ ٣١٠)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٨٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٢/ ٢٦٢)، والعبر للذهبي (١/ ٣٧٣)، وطبقات علماء الحديث (٢/ ٢٠٢)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٣١٨).
(٤) في عقيدة السلف: (أن الشّافعيّ - ﵀ - روى يومًا حديثًا).
(٥) في (ص): (ثياب)، وفي (ظ) و(ن) وعقيدة السلف ما أثبته.
[ ١٨٨ ]
مستقبل قبلتهم، أروي حديثًا عن النّبيّ - ﷺ - ثم لا أقول به!) (١).
وقال الشّافعيّ رحمة الله عليه: (إذا رأيتم قولي مخالفًا لحديث رسول الله - ﷺ - فاضربوا بقولي الحائط، وخذوا بحديث رسول الله - ﷺ -) (٢). وقال - ﵁ -: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) (٣).
وقد أجمع المسلمون ونصوص الكتاب والسنة على وجوب الرجوع إليهما عند الاختلاف، وأنه لا يجوز العمل بالقياس في صفات الباري - ﷿ -، ولا الرجوع إليه فيها، وكذلك حكم أسمائه - ﷾ -، بل كلُّ ذلك توقيفيٌّ يجب الرجوع فيه إلى وجود النصّ في الكتاب العزيز، والسُّنة الصحيحة. فأمَّا السُّنة الضعيفة [السند] (٤) فقد رجحها أحمد - ﵀ - وجماعةٌ على القياس الجليَّ، وأوجبوا العمل بها (٥)، وأما السُّنة
_________________
(١) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف (ص ١٨٩)، وذكره بهذا اللفظ السبكي في طبقات الشّافعيّة الكبرى في ترجمة الربيع بن سليمان عن الزعفراني (٢/ ١٣٨)، وذكر نحوه أبو نعيم في حلية الأولياء عن الحميدي (٩/ ١٠٦)، وذكره الهروي في (ذم الكلام وأهله) عن الحميدي (٢/ ٣٠٠) رقم (٣٩٢)، وابن حجر في توالي التأسيس (ص ١٠٨)، والمناوي في مناقب الإمام الشّافعيّ (ص ٩٧)، والفلاني في إيقاظ الهمم (ص ٢٦٣). وانظر: منهج الإمام الشّافعيّ في إثبات العقيدة (١/ ٩٧).
(٢) ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٢٥٠) وحكم عليه بالتواتر، والذهبي في السير (١٠/ ٣٥).
(٣) ذكره النووي في المجموع شرح المهذب (١/ ١٠٤)، وابن حجر في توالي التأسيس (ص ١٠٩)، وقد ألف السبكي رسالة بعنوان: (معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي) طبعت ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٣/ ٩٨)، وذكره الذهبي في سير أعلام النُّبَلاء (١٠/ ٣٥). انظر: صفة صلاة النّبيّ - ﷺ - للألباني (ص ٢٦)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص ٢٦٧).
(٤) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٥) يقصد الإمام أحمد - ﵀ - بالحديث الضعيف: هو ما ارتفع إلى درجة الحسن أو =
[ ١٨٩ ]
الصَّحيحة [الثابتة] (١) بخبر الواحد فقد رجَّح أبو حنيفة - ﵀ -[العمل بـ] (٢) القياس الجليّ عليها، وإذا تعارض عنده حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ بخبرٍ واحدٍ وقياسٌ جليٌّ يخالفه، قدّم العمل به على الحديث الصّحيح الثابت بخبر الواحد (٣)، وخالفه جمهور أصحابه في ذلك، واعتذروا عنه بأنَّه لم يبلغهُ الحديث، والله أعلم. وأما المتواترُ فلا يقدِّم عليه أحدٌ من المسلمين شيئًا.
وقال (٤) مالكٌ - ﵀ -: (كل أحدٍ مأخوذٌ من قوله ومتروكٌ إلا
_________________
(١) = الحسن لغيره، قال ابن القيم - ﵀ - في إعلام الموقعين (١/ ٦٥) - في ذكره لأصول مذهب الإمام أحمد -: (الأصل الرّابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصّحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعًا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس). وانظر: أصول مذهب الإمام أحمد للتركي (ص ٣٠٣ - ٣١٢).
(٢) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٣) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٤) حقيقة مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵀ - هو الأخذ بالحديث الصّحيح وتقديمه على القياس، كما ذكر ذلك المحققون من أهل العلم، وأن ما اشتهر عنه من تقديم القياس على خبر الآحاد الصّحيح لا يصح عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٠٤): (من ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصّحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى)، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٧٧): (وأصحاب أبي حنيفة - ﵀ - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة: أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه) ثم ساق الأمثلة على ذلك.
(٥) في (ظ) و(ن): (قال) بدون واو.
[ ١٩٠ ]
صاحب هذا القبر - يعني: النّبيّ - ﷺ -) (١). ونُقِل عنه ترجيح عمل أهل المدينة على الحديث الثابت بخبر الواحد (٢) كحديث: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٣) ولم يقل به مع ما صحَّ (٤) وثبت بروايته.
والشّافعيُّ - ﵁ - لم يعرّج على شيءٍ من ذلك كلِّه، وإنّما رجع إلى الحديث الصّحيح مطلقًا ما لم يكن منسوخًا، أو مخصوصًا، أو ورد على سببٍ مخصوصٍ، أو في واقعة عينٍ، ونحو ذلك. فرضي الله عنه وعنهم، فكل مقاصدهم صالحةٌ، وإنما (٥) قصدوا الوصول إلى المطلوب على ما يرضي الله سبحانه ورسوله - ﷺ - على ما أدَّى إليه اجتهادهم من
_________________
(١) أخرجه بمعناه ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٧٥)، ورواه قريبًا من لفظه عن مجاهد والحكم بن عتيبة في الجامع أيضًا (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦)، وذكره الفلاني في إيقاظ الهمم (ص ٧٧).
(٢) اشترط الإمام مالك - ﵀ - للعمل بالخبر الواحد أن لا يخالف عمل أهل المدينة؛ لأن هذا العمل بمنزلة الرواية عن رسول الله - ﷺ -، ورواية جماعة عن جماعة أحق أن يعمل بها من رواية فرد عن فرد، ومن ثم يعد عمل أهل المدينة في حكم المتواتر، والمتواتر مقدم على الآحاد، أضف إلى هذا أن أهل المدينة أدرى بآخر الأمرين من أحوال الرسول - ﷺ -. أما إذا كان مستند أهل المدينة رأيًا اجتهاديًّا ففيه خلاف في المذهب، فيقدم البعض عمل أهل المدينة، ويقدم البعض الآخر - كالبغداديين - خبر الواحد. انظر: إحكام الفصول للباجي (ص ٤٨٠)، وأصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي لمحمد رياض (ص ٣٧٣).
(٣) أخرجه البخاريّ في البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (٤/ ٣٢٨) رقم (٢١١٠) عن حكيم بن حزام - ﵁ - عن النّبيّ - ﷺ - قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، وأخرجه مسلم في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (٣/ ١١٦٣) رقم (١٥٣١) من حديث عبد الله بن عمر بنحوه.
(٤) في (ظ) و(ن): (مع أنه ثبت بروايته).
(٥) في (ظ) و(ن): (إنما).
[ ١٩١ ]
غير قصد مخالفةٍ، فهم مثابون على ذلك، مكتوبٌ به (١) لهم الحسنات، مرفوعٌ لهم به الدرجات، والله أعلم.
قال الأستاذ أبو عثمان الصابونيُّ - ﵀ -: (والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع: أنهم إذا سمعوا حديثًا (٢) في صفات الربِّ - ﷾ - ردُّوه أصلًا ولم يقبلوه، أو قبلوه (٣) في الظّاهر (٤)، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفعَ الخبر من أصله وإبطالَ معناه (٥)، وأهل السنة يقبلونه ويصدقون به، ولا (٦) يتهمون رسول الله - ﷺ - فيما قال (٧) منه، بل يتهمون عقولهم وآراءهم فيه، ويعلمون حقًا يقينًا أن ما قاله رسول الله - ﷺ - فعلى ما قاله؛ إذ هو كان أعرف بالربِّ - ﷾ - من غيره، ولم يقل فيه إِلَّا حقًّا وصدقًا ووحيًا، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقال (٨) الزهري (٩) (١٠) التابعي
_________________
(١) (به) ليست في (ظ) و(ن).
(٢) في عقيدة السلف: (خبرًا).
(٣) (قبلوه) هذه الكلمة قال محقق عقيدة السلف: كلمة غير واضحة، ولم يثبتها في الكتاب.
(٤) في عقيدة السلف: (للظاهر).
(٥) جملة: ( معناه، وأهل السنة يقبلونه ويصدقون به، ولا يتهمون رسول الله - ﷺ - فيما قال منه بل يتهمون ) غير موجودة في عقيدة السلف؛ وذلك لوجود بياض مقداره سطر، كما ذكر ذلك المحقق.
(٦) في (ظ) و(ن): (فلا).
(٧) في (ظ) و(ن): (قاله).
(٨) في عقيدة السلف: (قال).
(٩) في (ظ) و(ن): (الزبيري).
(١٠) هو أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، التابعي، حافظ زمانه، القرشي المدني، نزيل الشام. =
[ ١٩٢ ]
الجليل (١) إمام الأئمة وغيره من علماء الأمة ﵁ وعنهم وعن (٢) الجملة: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم (٣) (٤).
وقال العلماء: يجب التسليم في أحاديث (٥) الصفات وآياتها، بإقرارها وإمرارها من غير تصورٍ لمعانيها (٦)، أو فكرٍ في كيفيتها، فإن
_________________
(١) = ولد سنة ٥٠ هـ، وقيل ٥١ هـ، سمع من سهل بن سعد وأنس بن مالك - ﵄ -. وعنه عطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كثير، توفي سنة ١٢٤ هـ. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٤٨)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (ص ١٨٦ - ١٨٩)، والأنساب للسمعاني (٣/ ١٨٠)، وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤١٩)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٥٣).
(٢) (التابعي الجليل) ليست موجودة في عقيدة السلف.
(٣) في (ظ) و(ن): (وعلى)، وقوله: (وعنهم وعن الجملة) ليست موجودة في عقيدة السلف.
(٤) قول الزهري: (على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم). أخرجه البخاري في التّوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١٣/ ٥٠٣) تعليقًا جازمًا عن الزهري بلفظ: (من الله - ﷿ - الرسالة، وعلى رسول الله - ﷺ - البلاغ، وعلينا التسليم). ووصله الحميدي في النوادر كما في الفتح (١٣/ ٥٠٤)، ومن طريقه الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦) عن سفيان قال: قال رجل للزهري: يا أبا بكر! قول النبي - ﷺ -: "ليس منَّا من شقّ الجيوب" ما معناه؟، فقال الزهري: (من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم). قال الحافظ: (هذا الرَّجل هو الأوزاعي) يعني: الذي سأل الزّهري. ثم ذكره الحافظ من طريق ابن أبي عاصم في ذكر الدنيا له، بتسمية الرجل الذي سأل الزهري، وهو الأوزاعي. وأخرجه أيضًا الخلال في السنة (٣/ ٥٧٩) رقم (١٠٠١).
(٥) نقله المؤلف بالنص من عقيدة السلف (ص ١٨٩ - ١٩٠).
(٦) هكذا في جميع النسخ، ولعلّ الصواب: (بأحاديث).
(٧) لعل مقصوده - ﵀ - بنفي تصور معاني الصفات، أي: نفي تصور كيفيتها، كما مر سابقًا =
[ ١٩٣ ]
التصور والفكر فيها يؤدي إلى محظوراتٍ، وما أدّى إلى المحظور محظورٌ.
(وروى يونس بنُ عبد الصمد بن معقلٍ (١) عن أبيه (٢): أن الجعد بن درهم (٣) قدم على وهب بن منبهٍ (٤) يسأله عن صفات الله
_________________
(١) = من عباراته التي صرحت بنفي الإحاطة والكيفية والتصور، والتي قصد بها أن العبد لا يمكنه معرفة كيفية صفات الله - ﷾ -. ثم إن السلف ﵏ قد وردت عنهم عبارات تصرح بنفي معاني الصفات، ولكنهم لا يقصدون بذلك أن الصفات لا معاني لها، بل يريدون من ذلك نفي التأويلات الفاسدة.
(٢) هو يونس بن عبد الصمد بن معقل بن منبه بن كامل اليماني، روى عن أبيه. ولم أجد له في ترجمته غير هذا القدر، وغالبا يذكر مع أبيه. انظر: تهذيب الكمال (١٨/ ١٠٤)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٢٨).
(٣) هو عبد الصمد بن معقل بن منبه بن كامل اليماني، ابن أخي وهب بن منبه وهمام بن منبه، وأخوه عقيل بن معقل، روى عن عكرمة مولى ابن عبّاس، وعمه وهب، روى عنه عبد الرزّاق بن همام وأخوه عبد الوهّاب بن همام، وابناه: يحيى ويونس، وقال عنه يحيى بن معين: ثقة، مات سنة ١٨٣ هـ. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ١٠٤)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٧٣)، وتهذيب الكمال (١٨/ ١٠٤)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٢٨).
(٤) هو الجعد بن درهم، من الموالي أصله من خراسان، مؤدب أمير المؤمنين مروان الأموي، متبوع ضال، وأول من قال بخلق القرآن، وأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وقد قتله على ذلك خالد القسري في الكوفة كما روى ذلك الأئمة، منهم: البخاري، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وغيرهم. كان هلاكه سنة ١٢٤ هـ. انظر: لسان الميزان لابن حجر (٢/ ١٠٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٤٣٣)، والأنساب للسمعاني (٢/ ٦٦).
(٥) هو وهب بن منبه بن كامل، العلّامة القصصي، أبو عبد الله الأبناوي، اليماني، الذماري، الصنعاني، أخو همام بن منبه. مولده في زمن عثمان سنة أربع وثلاثين. أخذ عن ابن عبّاس، وأبي سعيد الخدري، حدث عنه ولداه عبد الله، وعبد الرّحمن، =
[ ١٩٤ ]
تعالى، فقال: ويلك يا جعدُ!! [تعضُّ] (١) (٢) المسألة؟ إني لأظنك من الهالكين، يا جعد، لو لم يخبر (٣) الله تعالى في كتابه أن له عينًا ويدًا (٤) ووجهًا لما قلنا ذلك، فاتق الله. ثم لم يلبث جعدٌ أن قُتِلَ وصُلِب (٥).
وخطب خالد بن عبد الله القسريُّ (٦) يوم الأضحى بالبصرة، فقال في آخر خطبته: انصرفوا إلى منازلكم وضحُّوا بارك الله لكم في ضحاياكم، فإنِّي مضحٍّ اليوم بالجعد بن درهم، فإنَّه يقول: (لم يتخذ الله
_________________
(١) = وعمرو بن دينار. روايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب. وثقه أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والعجلي، وغيرهم. توفي على الأرجح سنة ١١٠ هـ. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٨/ ١٦٤)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٥٤٤)، وتهذيب التهذيب (١١/ ١٦٦).
(٢) في (ص) و(ن) وعقيدة السلف: (بعض)، وفي (ظ) ما أثبته.
(٣) تعضُّ: العين والضاد أصل واحد صحيح، وهو الإمساك على الشيء بالأسنان. ثم يقاس منه كل ما أشبهه؛ حتّى يسمى الشيء الشديد والصلب والداهي بذلك. انظر: معجم مقاييس اللغة (٤/ ٤٨)، ولسان العرب (٧/ ١٨٨).
(٤) في عقيدة السلف: (يخبرنا).
(٥) في (ظ) و(ن) وعقيدة السلف: (يدًا وعينًا ووجهًا).
(٦) روى هذه القصة الصابوني في عقيدة السلف (ص ١٩٠ - ١٩١)، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٣٥٠) وعزاه إلى ابن عساكر في تاريخه، والذهبي في سير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٤٣٣).
(٧) هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري من بجيلة، أبو الهيثم. ولد سنة ٦٦ هـ، يماني الأصل من أهل دمشق، وهو الذي قتل الجعد بن درهم، وكان فيه مروءة وكرم وشدة على أهل البدع، قتل في أيام الوليد بن يزيد سنة ١٢٦ هـ. انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٤٢٥)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٢٠).
[ ١٩٥ ]
إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا)، - ﷾ - عمَّا يقول الجعدُ علوًا كبيرًا، ونزل عن المنبر فذبحه بيده، وأمر بصلبه (١) (٢).
واعلم أنه (٣) من كذب على الله تعالى في خبره، أو ضادَّه في فعله، أو عانده في أمره ونهيه، فهو كافرٌ مرتدٌّ يُسْتَتَابُ عند جمهور العلماء، فإن تاب وإلا قتل.
وقالت طائفةٌ: لا يُقبل له توبةٌ، فإن (٤) قُبلت يجب قتله حدًّا، وخصَّ مالكٌ وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء وبعض أصحاب الشافعيِّ، عدمَ قبول توبته [وقتلَه] (٥) حتمًا [بسبِّ] (٦) النبيِّ - ﷺ -، فقط،
_________________
(١) هذه القصة أخرجها البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٤)، وفي خلق أفعال العباد (ص ٨)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢١) رقم (١٣)، و(ص ٢٠٩) رقم (٣٨٨)، والصابوني في عقيدة السلف (ص ١٩١)، وذكرها الذهبي في العلّو (ص ١٣١) رقم (٣٦٠) وعزاه في رقم (٣٦١) لعبد الرّحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه (الرد على الجهمية)، وذكر الألباني في مختصر العلو (ص ١٣٣ - ١٣٤) بعد ما ساق طريقين لهذه القصة: أن الإسنادين يشد أحدهما الآخر، ويقويه، قال ابن قيم في نونيته: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ـقسريُّ يوم ذبائح القربانِ إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحيَّة كلُّ صاحب سنة لله درك من أخي قربانِ شرح القصيدة النونية للهراس (١/ ٢٥)، وذكرها ابن القيم أيضًا في الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧١).
(٢) نقله المؤلف بالنص من عقيدة السلف للصابوني (ص ١٩٠ - ١٩١).
(٣) في (ظ) و(ن): (أن من كذّب الله تعالى ).
(٤) في (ظ) و(ن): (وإن).
(٥) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٦) في (ص): (بسب)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
[ ١٩٦ ]
وغير ذلك يجري فيه [على] (١) أحكام المرتدين. وهو الذي أعتقده، وأدين الله تعالى به، فقد ثبت [فيه] (٢) حديث عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "من سبَّ نبيًّا فاقتلوه" (٣)، وأهدر رسول الله - ﷺ - دم من سبَّه - ﷺ -، ولم يوجب فيه قودًا (٤) ولا ديةً، رواه أبو داود (٥) في سننه،
_________________
(١) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٢) في (ص): (في)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٣) أخرجه الطَّبرانيُّ في المعجم الأوسط (٥/ ٣٧ - ٣٨) رقم (٤٦٠٩)، وفي الصغير (١/ ٣٩٣) رقم (٦٥٩) من حديث علي بلفظ: "من سب الأنبياء قتل، ومن سب الصّحابة جلد". قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٠): (رواه الطَّبرانيُّ في الصغير والأوسط عن شيخه عبيد الله بن محمّد العمري، رماه النَّسائيُّ بالكذب). وقال الألباني في الضعيفة (١/ ٢٤٤) رقم (٢٠٦): (موضوع). وقال ابن تيمية عن هذا الحديث في الصارم المسلول (٢/ ١٩١): (وفي القلب منه حزازة، فإن هذا الإسناد الشريف قد ركب عليه متون منكرة).
(٤) القود: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقد أقدته به أقيده إقادةً، واستقدت الحاكم: سألته أن يقيدني، واقتدت منه، أقتاد. والقود نقيض السوق، وهو من أمام وذاك من الخلف كالقيادة والمقادة. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٤/ ١١٩)، والقاموس المحيط (١/ ٣٣٠).
(٥) هو سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني، أبو داود. ولد سنة اثنتين ومئتين، صاحب السنن، روى عن أبي الوليد الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وغيرهما كثير. وعنه التّرمذيّ، والخلال، وغيرهما كثير. قال عنه الذهبي: (الإمام شيخ السنة مقدم الحفاظ). وقال أيضًا: (وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضائق الكلام). وقال عنه ابن حبان: (أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وحفظًا، ونسكًا، وورعًا، وإتقانًا، جمع وصنف، وذبّ عن السنن). توفي سنة ٢٧٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٣)، والبداية والنهاية (١١/ ٥٨)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٥٩).
[ ١٩٧ ]
وبوَّب عليه (١)، ولا أعلم له ناسخًا ولا مخصِّصًا ولا معارضًا، والله أعلم.
وعمَّم بعض المالكية المسألةَ في سبِّ الله - ﷿ - وسبَّ رسوله - ﷺ -، أو تكذيبهما، أو ما يلزم منه استنقاصٌ ونحو ذلك، في أنَّه يُقتل حتمًا، وأنا أعتقده، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠) رقم (٤٣٦٢) من حديث علي: "أن يهودية كانت تشتم النّبيّ - ﷺ - وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله - ﷺ - دمها". ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٠٠). قال الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٩١) رقم (١٢٥١): (إسناد صحيح على شرح الشيخين).
[ ١٩٨ ]