تقدَّم أنه يجب الإيمان بحديث النزول بلا كيفيَّةٍ، وما قيل فيه، ويجب تنزيه الربِّ سبحانه عن الانحدار بعد الصعود (١)، وهو حديثٌ
_________________
(١) الانحدار من حَدَرَ، ومن معاني حدر الأصلية: الهبوط، تقول: حدرت الشيء؛ إذا أنزلتَه، والحُدور فعل الحادر، ذكر ذلك ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٢)، وذكر ابن الأثير أيضًا في النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٥٣) أن الهبوط من معاني الحدور، كما ذكر ذلك ابن منظور أيضًا في لسان العرب (٤/ ١٧٢) وبين أن كل شيء تحدره من علو إلى سفل هو هبوط، والحُدور: الهبوط، وبفتح الحاء (حَدور) المكان ينحدر منه، والانحدار: الانهباط. وبين شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن الهبوط من صفات وأفعال الرب - ﷾ -، حيث قال في شرح حديث النزول (ص ٢٠٢): (وقد تأول قوم من المنتسبين إلى السنة والحديث: حديث النزول وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم: كالإتيان والمجيء والهبوط، ونحو ذلك). كما بين أيضًا - ﵀ - أن فعل الهبوط ورد في بعض روايات حديث النزول، حيث قال في شرح حديث النزول (ص ١٩٨): (وفي لفظ: "إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا")، وهذه الرواية بهذا اللفظ لم أجدها فيما بحثت فيه، ولكن أخرج الدارقطني في النزول (ص ١٣٣) من طريق يونس بن إسحاق عن أبيه عن الأغر بن مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري - ﵄ - ولفظه: "إن الله - ﷿ - يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل يهبط إلى هذه السماء " وأخرجه قريبًا من لفظه الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢١٨ - ٢١٩)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٩٨) رقم (٧٦٦) عن ابن عبّاس موقوفًا بلفظ: (إن الله يمهل في شهر رمضان كل ليلة إذا ذهب الثلث الأوّل هبط إلى سماء الدنيا )، وأورد ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٣) أثرًا عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ =
[ ١٩٩ ]
ثابتٌ في الصحيحين (١) وقد رواه جماعةٌ من طرقٍ كثيراتٍ عن أبي هريرة، وعبادة بن الصامت (٢)،
_________________
(١) = وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، قال: (يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب). ورى ابن أبي يعلى بسنده في طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٤) عن الإمام الشّافعيّ قوله: (وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا يخبر رسول الله - ﷺ -). وشبيه بهذه العبارة التي أوردها المؤلف - ﵀ - ما قاله ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٢٣٢) منزهًا الله ﵎: (وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك). ومقصود المؤلف ﵀ بهذه العبارة ظاهر من حيث تنزيه الله - ﷾ -، ولكن كان من الأفضل والأليق الإعراض عنها؛ لأنه لم يرد بها نص لا نفيًا ولا إثباتًا، والالتزام بما قرره من السكوت حيث سكت النص. أما لفظ الصعود فقد ورد في بعض روايات حديث النزول، كما عند الدارقطني في النزول (ص ١٣٣)، وقد سبق ذكره، وجاء في آخره: " ثم يصعد إلى السماء"، وقال ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٢٣٤): (قد روي في عدة أحاديث: "ثم يعرج" وفي لفظ: "ثم يصعد").
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في الدعوات، باب دعاء نصف الليل (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) رقم (٦٣٢١)، وفي التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١٣/ ٤٦٤) رقم (٧٤٩٤)، ومسلم في صلاة المسافرين ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل (١/ ٥٢١) رقم (٧٥٨) بلفظ: "يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: "ينزل" بدل "يتنزل"، والباقي بلفظه.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٣١٢)، والصابوني في عقيدة السلف (ص ٢١٣) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا؛ حتى يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له، ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له، ألا مُقتَّر عليه رزقه فيدعوني فأرزقه، ألا مظلوم يذكرني فأنصره، ألا عانٍ يدعوني فأفكّه، قال: فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح، وبعلو على كرسيه".
[ ٢٠٠ ]
وجابر بن عبد الله (١)، وعلي بن أبي طالب (٢)، وعبد الله بن مسعودٍ (٣)، وفضالة بن عبيد عن أبي الدرداء (٤)، وعبد الله بن عبّاسٍ (٥) وأُمّ المؤمنين عائشة (٦)، وأمِّ سلمة (٧)، كلُّهم عن رسول الله - ﷺ -، وهو حديثٌ [مشهورٌ] (٨) صحيحٌ لا [مطعن] (٩) فيه لا من حيث لفظُه، ولا معناه، بل يجب الإيمان به من غير تفكُّرٍ في معناه، بل حظ المؤمن منه أن يشتغل بطاعة الله تعالى في ذلك الوقت، ودعائه، وسؤاله، واستغفاره - ﷾ -، لا معرفة كيفيَّة النزول.
وفي بعض رواياته عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: "إن الله
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبًا - إن شاء الله -.
(٢) أخرج هذا الطريق الدارمي في سننه (١/ ٣٤٨)، والدارقطني في كتاب النزول (ص ٨٩ - ٩٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٣٨)، وأشار إلى هذا الطريق الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٠٧).
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٨٦)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٨٨، ٤٠٣)، والآجري في الشريعة (ص ٣١٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٣)، والدارقطني في كتاب النزول (ص ٩٨ - ١٠٠)، وأشار إليه الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٠٨).
(٤) أخرج هذا الطريق الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٨٥)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ١٣٥)، والدارقطني في كتاب النزول (ص ١٥١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٢)، وأشار إليه الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٠٩).
(٥) أخرجه موقوفًا ابن أبي عاصم في السنة (ص ٢٢٤)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٨٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٩)، وأشار إليه الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢١٠).
(٦) سيأتي - إن شاء الله - تخريجه قريبًا.
(٧) سيأتي - إن شاء الله - تخريجه قريبًا.
(٨) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٩) في (ص): (ينطعن) وما أثبته (ظ) و(ن).
[ ٢٠١ ]
تعالى ينزل إلى (١) السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، فينادي: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ فلا يبقى شيءٌ فيه الروح إلا علم به إلا الثقلين الجن والإنس، قال: فلذلك تصيح الديوك، وتنهق الحمير، وتنبح الكلاب" (٢).
وروى الحسن بن سفيان (٣) في مسنده (٤) بإسناد صحيح، بروايةٍ عن (٥) جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن عشيّة عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول: انظروا إلى عبادي شعثًا (٦) غبرًا (٧)
_________________
(١) (إلى) ليست في (ن).
(٢) حديث أبي هريرة في نزول الرب - ﷾ - إلى السماء الدنيا في الصحيحين بنحوه، وتقدم تخريجه قريبًا (ص ٢٣٩) حاشية رقم (١). وأما آخر الحديث: "فلا يبقى شيء فيه الروح " فذكره الصابوني ذكره في عقيدة السلف (ص ٢١١ - ٢١٢)، ولم أقف عليه في حديث أبي هريرة بهذا السياق.
(٣) هو الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني الخراساني النسوي، الإمام الحافظ صاحب المسند، ولد سنة بضع وثمانين ومئتين. ارتحل إلى الآفاق، وروى عن أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن يوسف. وحدث عنه ابن خزيمة وأبو حاتم بن حبان. قال الحاكم: كان محدث خراسان في عصره، مقدمًا في التثبت، والكثرة، والفهم، والفقه، والأدب. توفي في شهر رمضان سنة ٣٠٣ هـ. انظر: الجرح والتعديل (٣/ ١٦)، وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢٦٣)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٥٧).
(٤) في (ن): (مسند).
(٥) في (ظ) و(ن): (من).
(٦) شعثًا: الشعث (محركة) هو انتشار الأمر أو الشيء، يقولون: لم الله شعثكم، وجمع شعثكم، أي: ما تفرق من أمركم، والأشعث: هو المغبر الرأس. انظر: القاموس المحيط (١/ ١٦٨).
(٧) غبرًا: هو لون من الألوان، والغبر (محركة) التراب، والغبار كالغبرة بالضم، واغبر =
[ ٢٠٢ ]
ضاحين (١)، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، أشهدكم أنِّي قد غفرت لهم" (٢) (٣).
_________________
(١) = اليوم اغبرارًا: اشتد غباره، وغبّره تغبيرًا لطَّخه به، والغبرة بالضم لونه. انظر: القاموس المحيط (٢/ ٩٩).
(٢) ضاحين: جمع ضحى، يقال: ضحيت للشمس، أي: برزت لها دون حائل، واعتزلت الظل، ويقال للمحرم: أضح لمن أحرمت له، أي: اظهر واعتزل الظلَّ. انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٧٧).
(٣) لعلّ المؤلف نقله من عقيدة السلف (ص ٢١٤)، وقد ذكر محقق الكتاب الدكتور ناصر الجديع بأن آخر الحديث غير واضح، وأكمله من صحيح ابن حبّان، وأقول: لعلّ عبارة: (أشهدكم أني قد غفرت لهم)، هي العبارة التي لم تتضح في عقيدة السلف (ص ٢١٤) حاشية (٦).
(٤) لم أقف على مسند الحسن بن سفيان، حيث إنّه مفقود، وقد جمع الحافظ ابن حجر في المطالب العالية زوائده - أو بعضها - على كتب السنة. لكن أخرجه ابن حبّان في صحيحه (٩/ ١٦٤) رقم (٣٨٥٣) عن الحسن بن سفيان، عن محمّد بن عمر بن جبلة، عن محمّد بن مروان، عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر مطولًا نحوه. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٦٣) رقم (٢٨٤٠) من طريق مرزوق، عن أبي الزبير به بلفظ مقارب، وفيه زيادة. قال ابن خزيمة: (أنا أبرأ من عهدة مرزوق). ورواه أيضًا من حديث جابر بنحوه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٨) رقم (١١٢٨)، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٦٩) رقم (٢٠٩٠) وعندهم في آخره: "ولم يروا رحمتي ولا عذابي، فلم أر يومًا أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة" بدل: "أشهدكم أني غفرت لهم". قال ابن منده في التوحيد كما في هامش صحيح ابن حبان - بقلم شعيب الأرناؤوط - (٩/ ١٦٥): (هذا إسناد متصل حسن، من رسم النسائي). ولم أقف على كلام ابن منده في المطبوع من كتاب التوحيد. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٣) وقال: (رواه أبو يعلى وفيه محمّد بن مروان العقيلي، وثقه ابن معين وابن حبّان، وفيه بعض كلام، وبقية رجاله رجال =
[ ٢٠٣ ]
وروى الحاكم أبو عبد الله من رواية أمِّ سلمة - ﵂ - يظنُّ محمّد بن المنكدر (١) الراوي عنها رفعه، [قالت] (٢): (نعم اليوم، يومٌ ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: وأيُّ يومٍ ذاك (٣)؟ قالت: يوم عرفة) (٤).
_________________
(١) = الصحيح). والحديث ضعفه الألباني كما في الضعيفة (٢/ ١٢٥) رقم (٦٧٩) وقوى إسناده شعيب الأرناؤوط كما في هامش الإحسان (٩/ ١٦٤). وهو الراجح عندي إن شاء الله لتصحيح ابن منده له، ويشهد له أيضًا حديث عائشة - ﵂ - عند مسلم (٢/ ٩٨٢) رقم (١٣٤٨)، والنسائي (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وابن ماجه (٢/ ١٠٠٢) رقم (٣٠١٤) بلفظ: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء " الحديث.
(٢) هو محمّد بن المنكدر بن عبد الله الهدير بن عبد العزى، أبو عبد الله التيمي. روى عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي أَيّوب، وغيرهم. وروى عنه ابناه يوسف والمنكدر، وعمرو بن دينار، والزهري. كان ثقة، ورعًا عابدًا، قليل الحديث. قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، ولم ندرك أحدًا أجدر أن يقبل النَّاس منه إذا قال: قال رسول الله - ﷺ - قُبِل منه. وقال الذهبي: مجمع على ثقته وتقدمه في العلم والعمل. انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٢٧)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٥٣)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٤٤).
(٣) في (ص) و(ظ): (قال)، وفي (ن) ما أثبته.
(٤) في (ظ) و(ن): (ذلك).
(٥) لم أقف عليه عند الحاكم، والمصنف نقل الخبر بواسطة أبي عثمان الصابونى عن الحاكم كما في عقيدة السلف (ص ٢٢٣). والخبر أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٨٥) رقم (١٣٧) من طريق عاصم بن أبي النجود قال: قالت أم سلمة فذكره. وأخرجه أيضًا الدارقطني في كتاب النزول (ص ١٧٤) رقم (٩٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٥٠) رقم (٧٦٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح قال: قالت أم سلمة فذكره. ورجال إسناده ثقات. =
[ ٢٠٤ ]
وفي روايةٍ عن عائشة - ﵂ - عن النبيّ - ﷺ - قال: "ينزل الله تعالى في النّصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلًا إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز كلبٍ (١)، ويكتب الحاجَّ، وينزِّل (٢) أرزاق السنة، ولا يترك أحدًا إلا غفر له، إلا مشركًا، أو قاطع رحمٍ، أو عاقًا، أو مشاحنًا" (٣) (٤).
_________________
(١) = وعلق الخبر ابن بطة في الإبانة (قسم الرد على الجهمية) (٣/ ٢٣٦) رقم (١٧٨). والخبر صحيح بمجموع طرقه، وقد رواه جماعة من الصّحابة.
(٢) عدد شعر معز كلب: أي قبيلة بني كلب، وخصهم لأنهم كانوا أكثر غنمًا من سائر العرب، وعليه قيل بأن المراد بغفران أكثر عدد من الذنوب المغفورة لأعداد أصحابها. انظر: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري (٣/ ٤٤١).
(٣) في (ظ) و(ن): (وتنزل).
(٤) المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، والتشاحن تفاعلٌ من الشحناء، وهي العداوة، وقيل: المشاحنة: ما دون القتال من السب والتعاير. وقال الأوزاعي - تعليقًا على هذا الحديث كما نقله ابن الأثير -: (أراد بالمشاحن ها هنا صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة). انظر النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٩)، ولسان العرب (١٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
(٥) أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة النّصف من شعبان (٣/ ١١٦) رقم (٧٣٩)، وابن ماجة في إقامة الصّلاة والسنة فيها (١/ ٤٤٤) رقم (١٣٨٩)، وأحمد في المسند (٦/ ٢٣٨) والدارقطني في النزول (ص ٨٩ - ٩١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٨) من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: "إن الله - ﷿ - ينزل ليلة النّصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب". قال الترمذي: (حديث عائشة لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا - يعني البخاري - يضعف هذا الحديث). وهذا الحديث قد روي عن جمع من الصّحابة من طرق مختلفة، فقد روي عن أبي بكر وأبي ثعلبة وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو ومعاذ بن جبل - ﵃ -، كما =
[ ٢٠٥ ]
قلت: حديث ليلة نصف شعبان ضعيفٌ باتفاق الحفاظ (١) (٢)، والله أعلم.
قال الإمام أبو عثمان - ﵀ -: ([فلما] (٣) صحَّ الخبر في النزول (٤) عن الرسول - ﷺ - أقرَّ به أهل السنة، وأثبتوه (٥)، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول الخلق (٦)، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال) (٧).
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ - ﵀ -: (النزول صحَّ الخبر به عن رسول الله (٨) - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ
_________________
(١) = في السلسلة الصحيحة (٣/ ١٣٥) رقم (١١٤٤)، وذكر الألباني قبل الحكم عليه طرقًا كثيرة، منها: حديث معاذ: "يطّلع الله ﵎ إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن"، وحديث أبي هريرة: "إذا كان ليلة النّصف من شعبان يغفر الله لعباده إلا لمشرك أو مشاحن"، وحديث عائشة الذي مرّ بنا قريبًا في هذه الإحالة، ولذا قال الألباني في الصحيحة (٣/ ١٣٨) بعد ما ساق هذه الطرق بهذه الألفاظ: (وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب)، فحكمه بالصحة كان على هذه الأحاديث التي ذكرها بمجموع طرقها وألفاظها.
(٢) في (ظ): (الحافظ).
(٣) قول المؤلف - ﵀ - بأن حديث ليلة النّصف من شعبان ضعيف باتفاق الحفاظ، فيه نظر، فالحديث محل خلاف بين العلماء.
(٤) في (ص): (لما)، وفي (ظ) و(ن) وعقيدة السلف ما أثبته.
(٥) في عقيدة السلف: (فلما صح خبر النزول).
(٦) في عقيدة السلف: (أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول، على ما قاله رسول الله - ﷺ -، ولم يعقدوا ).
(٧) في عقيدة السلف: (خلقه).
(٨) نقله المؤلف بالنص من عقيدة السلف (ص ٢٣٢).
(٩) في عقيدة السلف: (إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا، على ما صح به الخبر عن الرسول - ﷺ -، وقد قال الله).
[ ٢٠٦ ]
اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، فتؤمن (١) بذلك كلِّه، على ما جاء بلا كيفٍ، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه؛ إذ كنا قد أُمرنا به، قال (٢) الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] (٣).
قال الشّيخ أبو عثمان - ﵀ -: (فأصحاب الحديث يؤمنون بالمحكم (٤) والمتشابه (٥)،
_________________
(١) في عقيدة السلف: (ونؤمن).
(٢) في عقيدة السلف: (في قوله - ﷿ -).
(٣) نقله المؤلف بالنص من عقيدة السلف (ص ١٩٢)، أما قول الحافظ أبي بكر الإسماعيلي فلم أجده في رسالته (اعتقاد أهل السنة).
(٤) المحكم في اللغة: مأخوذ من الإحكام، وهو: إتقان الشي وإحسانه. وفي الاصطلاح: البين الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إمّا باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، وكذلك آيات الصفات وأحاديثها، فهي من المحكم الواضح البين المعنى. انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٠ - ١٤٤) ومجموع الفتاوى (٣/ ٦٠ - ٦٢)، (١٣/ ١٧٢)، ومنهج الاستدلال لعثمان علي حسن (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٧)، والتعريفات الاعتقادية لسعد العبد اللطيف (ص ٢٩٠).
(٥) المتشابه في اللغة: الشبه والشبيه: المثيل والنظير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والمشتبهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمر: اختلط. وفي الاصطلاح: هو ما احتمل عدة أوجه، وقيل كل ما غمض ودق معناه، ويحتاج إلى تفكر وتأمل، واحتمل معاني كثيرة، وقيل: ما كان غير معقول المعنى، وقيل: ما =
[ ٢٠٧ ]
وينتهون في المتشابه إلى الإيمان به والعلم بأنه من عند الله، لا ينازعون فيه ولا يمارون) (١).
_________________
(١) = استأثر الله بعلمه. انظر: لسان العرب (١٣/ ٥٠٣ - ٥٠٥)، ومجموع الفتاوى (٣/ ٦٠ - ٦٢)، ومنهج الاستدلال لعثمان علي حسن (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧)، والتعريفات الاعتقادية لسعد العبد اللطيف (ص ٢٩٠ - ٢٩١).
(٢) قول الإمام أبي عثمان الصابوني: لم أجده في عقيدة السلف المطبوعة، وأرجح أن يكون هذا القول في نسخة عقيدة السلف التي كانت بحوزة المؤلف - ابن العطار - بدليل أنه أتى به كتعليق من الصابوني على قول الإمام أبي بكر الإسماعيلي الآنف الذكر؛ الذي ساقه الصابوني في كتابه عقيدة السلف (ص ١٩٢)، خاصة وأن ابن العطار يكثر في كتابه هذا النقل من كتاب الصابوني، والله أعلم.
[ ٢٠٨ ]
قاعدة
العلم علمان: علم في الخلق موجودٌ، وعلمٌ فيهم مفقودٌ، فعلم القدر [وسرُّه] (١) في خلقه مفقودٌ طواه الله تعالى عن الخلق، لم يطّلع عليه ملَكٌ مقربٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، واستحق العقاب، ومن ادعى العلم المفقود فقد كفر، ومن أنكر العلم الموجود فقد كفر، لا يصحُّ الإيمان إِلَّا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود (٢).
فإذا كان هذا فيما يتعلّق بالقدر والصفات، فالحذر كلَّ الحذر ممّن يطلب معرفة علم الذات أو يتعرض [لذلك] (٣)!، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات (٤) أعمالنا، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
_________________
(١) في (ص): (وسيره)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٢) من قوله: (العلم علمان: ) وإلى: ( وترك طلب العلم المفقود) استفاده المؤلف من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٢).
(٣) في (ص): (للملك)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) في (ظ) و(ن): (وسيئات) دون (من).
[ ٢٠٩ ]