بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على محمد، [ربِّ يسِّر يا كريم] (١).
الحمدُ لله، الواحد، الأحد (٢)، الفرد (٣)، الصَّمد، الذي لم يلد،
_________________
(١) زيادة من (ظ)، وفي (ن): (اللهم يسر يا كريم، بجاه محمد، واختم بخير).
(٢) الواحد والأحد اسمان ثابتان لله - ﷿ -، أما الفرق بينهما فهو: أن الواحد هو المنفرد بالذات لا يضامُّه آخر، والأحد هو المنفرد بالمعنى لا يشاركه فيه أحد، ولذلك قيل للمتناهي في العلم والمعرفة هو أحد الأحدين. كما ذكر ذلك الخطابي في شأن الدعاء (ص ٨٢ - ٨٣). وقال العسكري في الفروق اللغوية (ص ١٦٠): (أن معنى الواحد أنه لا ثاني له، فلذلك لا يقالُ في التثنية واحدان كما يقال رجل ورجلان، ولكن قالوا: اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثانٍ للآخر، وأصلُ أحد: أوحد، مثل أكبر، وإحدى مثل كبرى والواحد هو الذي لا ينقسم في وهم ولا وجود، وأصله الانفراد في الذات). وقيل الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك، والأحد: الذي لا شبيهَ له ولا نظيرَ. كما ذكر ذلك البيهقي في الاعتقاد (ص ٥٥، ٥٨). وقال السَّعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص ٩٤٥): (الواحد الأحد: وهو الذي توحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك. ويجب على العبيد توحيده: عقلًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة).
(٣) الفرد ليس اسمًا من أسماء الله؛ إذ لم يردْ به دليل صحيح من الكتاب أو السنة، ويجوز أن يكونَ من باب الإخبار عن الله؛ لأنه لا يتضمن نقصًا، وباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، وقد اعتمده البيهقي اسمًا عن أسماء الله تعالى في الأسماء والصفات (ص ١١٦)، قال ابنُ حزم - ﵀ - في: الدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢٦١): فصل: ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى فرد، ولا جواد؛ لأنه لم يأتِ =
[ ٩٩ ]
ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد. أوجد الموجودات كلَّها، من العدم، صادرةً عن كلمة كن من غير تردُّد؛ فكانت إظهارًا لقدرته. وجعل النوعَ الإنسانيَّ مدركًا لصنعته (١) بالعلم، وإن كانت كلها مسبحةً بحمده على الأبد. أحمده على ما هدانا له من غير تردُّدٍ ولا حَيَد (٢).
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أيقن بها من غير فَقَد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ إلى الثقلين: الجنِّ والإنس، الوالدِ منهم والولد، المنعوتُ بنعوت الكمال حتى صار سيّد مَنْ عبد، - ﷺ - وعلى آله (٣) وأزواجه وصحابته وذريته، أهل العلم والعمل والمعتقد، صلاةً دائمةً بدوام المُدد والمَدد.
أما بعد: فهذا كتابٌ صنّفته على أصول أهل السُّنة في الاعتقاد من غير زِيَد، ذكرتُ فيه ما يحتاج إليه كلُّ عارفٍ من أهل الزُّبَد (٤) (٥)،
_________________
(١) = بهذا نص أصلًا. وانظر كذلك: معجم المناهي اللفظية (ص ١٢٤ - ١٢٥) للدكتور بكر بن عبد الله أَبو زيد.
(٢) في (ظ) و(ن): (لصنعه).
(٣) الحيْد: هو الميل والصد والعدول عن طريق الحق، قال ابن فارس في: معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٢٣): الحاء والياء والدال أصل واحد، وهو الميل والعدول عن طريق الاستواء. يقال: حَاد عن الشيء يحيد حَيدة وحُيودًا، والحُيُود: الذي يحيد كثيرًا. وأما حَيَدٌ بتحريك الياء، قال ابن منظور في لسان العرب (٣/ ١٥٩): ويقال: اشتكت الشاة حَيَدًا إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه. وبذلك يظهر أن المعنى قريب بين (الحيْد) و(الحيَد).
(٤) في (ظ): (صلى الله عليه وعلى أزواجه).
(٥) في (ظ) و(ن): (الزيد).
(٦) زبد: الزاء والباء والدال أصل واحد، يدل على تولد شيء عن شيء. =
[ ١٠٠ ]
رجاءَ نفعِهم به (١) في الأولى والعقبى، ووصله إلى دار الكرامة والأبد.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ وإليه أُنيب، سبحانه هو السَّيدُ (٢) السَّند (٣)، وأعوذُ به سبحانه من التفنيد عنه والفَنَد (٤)، إنَّه
_________________
(١) = والزُّبْدة: ما خلُص من اللبن إذا مُخض، واذا أخذ الرجل صفو الشيء قيل: تَزبَّده، والزَّبْد: العون، والرفد، والعطاء. ولعلّ المقصود بأهل الزُّبد: هم أهل العلم الذين هم الصَّفوة، والخلاصة. انظر: معجم مقاييس اللُّغة لابن فارس (٣/ ٤٣)، ولسان العرب لابن منظور (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٢) ليست في (ظ) و(ن).
(٣) السيد: اسم ثابت لله - ﷾ - بالسُّنة الصَّحيحة، والدليلُ ما رواه البخاريّ في الأدب المفرد رقم (٢١١) باب: (١٥٧) هل يقول سيدي) عن مطرف قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي - ﷺ - فقالوا: أنت سيدنا، قال: "السيد الله"، قالوا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، قال: فقال: "قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان". وقد رواه أحمد في مسنده من طريقين عن عبد الله بن الشخير (١٢/ ٥٢٠ - ٥٢٢) برقمي: (١٦٢٥٩ - ١٦٢٦٨)، ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠) كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح برقم (٤٨٠٦)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص ٩٧) برقم (١٥٥)، وفي سلسلة الأحاديث الصَّحيحة (٢/ ٤٣٨)، وفي صحيح الجامع (١/ ٦٨٩) برقم (٣٧٠٠).
(٤) السند ليس اسمًا من أسماء الله تعالى، ولا صفة من صفاته؛ إذ لم يردّ به دليل، من كتاب أو سنة، وأسماء الله وصفاته توقيفية، ويجوز أن يكونَ من باب الإخبار، ولا نقص فيه، فالله هو سندنا ومعتمدنا، والعبد يفوضُ أموره كلها لله، ويتوكل عليه حق التوكل، وهذا هو مقصودُ المؤلِّف - ﵀ -، وربما حمله على ذلك سجع الكلام، وبراعة الاستهلال.
(٥) التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. والفند: الخرف وإنكار العقل من الهرم أو المرض، قاله ابن منظور في لسان العرب (٣/ ٣٣٨)، وقال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥): الفند في الأصل: الكذب. وأفند: تكلم بالفند، ثمّ قالوا للشيخ إذا هرم: قد =
[ ١٠١ ]
خير مسؤولٍ، وأولى من رُغِبَ إليه وعُبد، وهو الشَّهيد على كلِّ من شَهد (١).
_________________
(١) = أفند؛ لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة. وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند.
(٢) (الشهيد) اسم من أسماء الله الحسنى، تتعدد معانيه باختلاف إضافاته واعتباراته. قال العلّامة السَّعدي في تيسير الكريم الرّحمن (ص ٩٤٨): (الشَّهيد أي: المطلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه).
[ ١٠٢ ]