لقد تبوأ ابنُ العطار - ﵀ - مكانةً رفيعةً في العلم، شهد له بذلك معاصروه من أهل العلم، ويدلُّ على مكانته في العلم أمور، منها:
١ - أن الإِمام النَّووي - ومكانته في العلم معروفة - أوصاه إذا توفاه الله أن يكمل شرحَ المهذب، قال: (دفع لي ورقةً بعدَّة الكتب التي كان يكتب منها، ويصنف بخطه، وقال لي: إذا انتقلت إلى الله تعالى؛ فأتمم شرحَ المهذب من هذه الكتب)، قال ابنُ العطار: (فلم يقدَّرْ ذلك لي) (٢).
إنَّ إسنادَ النَّووي هذه الوظيفةَ - وهي إكمالُ هذا الكتاب الذي يُعَدُّ أفضل كتبه - دليل على مكانة ابن العطار، وشهادة من النووي له بالتقدم، وليس هذا فحسب بل إنَّ النووي حين رأى مقدرته، وعلوَّ كعبه في العلم، أذن له في إصلاح ما يقعُ له في تصانيفه، يقول: (فأصلحت بحضرته أشياء، فكتبه بخطه، وأقرَّني عليه) (٣).
٢ - ثناء أهل العلم عليه: قال الذهبي: (كان صاحبَ معرفة حسنة، وأجزاء وأصول، خرّجت له معجمًا في مجلد) (٤).
وقال أيضًا: (وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي، وسمع
_________________
(١) أعيان العصر (٣/ ٢٤٧).
(٢) تحفة الطالبين (ص ٥٤).
(٣) المصدر السابق (ص ٥٤).
(٤) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٩٨).
[ ٣٥ ]
وكتب الكثير، وحدث، ودرَّس، وأفتى مشيخة النورية (١)، والعلمية (٢)، والقبجية (٣)، وغير ذلك، وصنَّف أشياء مفيدة، خرّجت له معجمًا في مجلد) (٤)، وقال أيضًا: (ويلقب بمختصر النووي) (٥).
وفي هذا ردّ على اليافعي، حيث قال - بعد قوله: (له فضل، وتألُّه، واتّباع) -: (هكذا ذكر الذهبي، ولم يذكر ما قد عرف واشتهر وشاع، وتقرر عنه أنه من أصحاب الشيخ معتمد الفتاوى محيي الدين النووي) (٦).
قلت: والذي أوقعه في هذا الوهم أنه قرأ ترجمة ابن العطار في العبر للذهبي، فظن أنه لم يزد على ذلك في بقية كتبه، والحقيقة خلاف ذلك، والناس في ترجمته عيال على كتب الذهبي، كما أشرت إلى ذلك في بداية الترجمة.
وقال ابنُ كثير: (سمع الحديث، واشتغل على الشيخ محيي الدين النووي، ولازمه؛ حتى كان يقال له: مختصر النووي، وله مصنفات وفوائد، ومجاميع وتخاريج) (٧).
_________________
(١) سيأتي قريبًا - إن شاء الله - التعريف بالنورية.
(٢) العلمية، نسبة إلى واقفها وبانيها الأمير علم الدين سنجر المعظمي حيث بناها سنة ثمان وعشرين وستمئة، وهي بدمشق، شرقي جبل الصلحية. انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (١/ ٤٢٩).
(٣) القبجية هكذا، والصواب القليجية، إذ لعله خطأ مطبعي، وهي منسوبة إلى بانيها مجاهد الدين ابن قليج محمَّد بن شمس الدين محمود، وتقع في دمشق في موضع يقال له: قصر ابن أبي الحديد، ودرَّس بها علاء الدين ابن العطار. انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (١/ ٣٢٩).
(٤) المعجم المختص بالمحدثين (ص ١٥٧).
(٥) ذيول العبر (٤/ ٧١).
(٦) مرآة الجنان (٤/ ٢٠٥).
(٧) البداية والنهاية (١٤/ ١١٧).
[ ٣٦ ]
وقال ابنُ تغري بردي: (كان فقيهًا محدثًا، وكانوا يسمونه مختصر النووي، ودرَّس، وأفتى سنين، وانتفع به الناس) (١).
وقال الصَّفدي: (وكان فقيهًا أفتى ودرس، وركب الجادة في العلم، وألج وعرّس، وجمع وصنف، ونسخ الأجزاء وألَّف، ودار مع الطلبة ووطّف) (٢).
ومما يدل على اجتهاده، وحبه الخير، وحرصه على إيصاله إلى الآخرين، ما ذكره ابنُ جابر الوادي آشي بقوله: (وأصابه ألم - وهو الفالج - تعطَّل به عن التصرف، وبقي مقعدًا، ولكن قواه الله فكتب بشماله الدواوين، وهو الآن يكتب بها الفتاوى، قال لي: ما كتبتُ بها قبل هذا الألم قط، فلله الحمد أن متَّعني بالكتْب بها) (٣).
٣ - هذه المؤلفات النفيسة التي كتبها في كل فن، هي خير شاهد على تبحره في فنون من العلم، وسيأتي ذكرها في المبحث الخاص ببيان مؤلفاته.
٤ - أنه تولَّى التدريس في دار الحديث، ومدرسة القوسية والنورية والعلمية وغير ذلك، وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل - إن شاء الله - في مبحث تدريسه.
ولا يخفى أنه لم يكنْ يتولى تدريسَ هذه المدارس إلا مَنْ كان على قدرٍ عالٍ من العلم، والإحاطة بفنون متنوعة؛ لكثرة وجود أهل العلم، فكونه يتمُّ ترشيحه من بين أئمة ذلك الزمن في تلك المنطقة، دليلٌ على تفوقه وسبقه في هذا المجال.
وكلُّ هذه الأدلة تنطق بأن ابن العطار من كبار علماء زمانه علمًا،
_________________
(١) النجوم الزاهرة (٩/ ١٨٨).
(٢) أعيان العصر (٣/ ٢٤٧).
(٣) برنامج ابن جابر الوادي آشي (ص ٩١).
[ ٣٧ ]
وعملًا، وتأليفًا، وتدريسًا، مع ما عرف به من الزهد، والعبادة، والصبر على قضاء الله وقدره مما أصابه من مرض الفالج؛ الذي استمر معه إلى وفاته طيلة عشرين عامًا، ﵀ رحمة واسعة.
بقي أن أشيرَ إلى ما ذكره الصَّفدي في ترجمته، ونقله عنه ابنُ حجر أنه: (عُقد يومًا مجلس بمشهد عثمان في أيام الأمير سيف الدين تنكز - ﵀ - فطلب العلماء والفقهاء، وغصّ المجلس بالأعيان، فما كان إلا أن جاء الشيخ علاء الدين ابن العطار، وقد حمله اثنان في محفَّته على عادته، فلما رآه الشيخُ كمال الدين ابن الزملكاني، وقد دخلا به، قال: أيش هذا؟ من قال لكم تأتون بهذا، ورده تنكز إلى برّا، وجلس خارج الشباك، إلا أن ابن الزملكاني لحق كلامه بأن قال: قلنا لكم تحضرون العلماء، ما قلنا لكم تحضرون الصلحاء) (١)، وعليه بني ابن حجر قوله: (ولم يكن - أي: ابن العطار - بالماهر مثل الأقران؛ الذين نبغوا في عصره، حتى إنه عقد مجلس فحضره العلماء ) فذكر القصة.
أما ما ذكره الحافظ ابن حجر أنه لم يكن بالماهر مثل الأقران في عصره، إن كان يقصد أنه لم يكن مثل شيخه النووي في العلم، ولا مثل معاصريه كابن تيمية وابن كثير، ولم يبرز في العلم كما برز بعض تلاميذه كالذهبي، فهذا صحيح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
أما ما صنعه ابنُ الزملكاني بابن العطار، وردّه من مشاركة مجلس العلماء بحجة أنه لم يكن من أهل العلم فهو غير مقبول، ولا يوافقه عليه منصفٌ عرف ابن العطار، ومنزلته في العلم، والظاهر أن ابن الزملكاني كان مترئسًا على المجلس، ولكون الأمير سيف الدين حاضرًا
_________________
(١) أعيان العصر (٣/ ٢٤٧)، والدرر الكامنة (٣/ ٦).
[ ٣٨ ]
كره أن يحضر هذا الشخص المريض المحمول على المحفة المجلس؛ ظنًا منه أن حضوره غير لائق بمجلس يحضره الأعيان.
والعجيب أن كمال الدين ابن الزملكاني ممن سمع من ابن العطار، واستفاد منه، بل إن الصَّفدي حين شرع بذكر بعض تلاميذه بدأ به، فقال: (وسمعه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني بقراءته سنة سبع وتسعين، وابن الفخر، وابن المجد، والمجد الصيرفي، والبرزالي، والمقاتلي) (١).
ورحم الله الإِمام الذهبي حين يعترفُ له بالفضل عليه، منوهًا بذكره في جميع كتبه، فيقول بعد ذكر سيرته ومؤلفاته: (انتفعت به، وأحسن إلي باستجازته لي كبار المشيخة) (٢).