قال ابن كثير في وصفه: "فضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدًا، قد ذكر الأئمة من ذلك شيئًا كثيرًا، وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري، وقالوا: فلما مات الرشيد، وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك (^٣)."
لقد كان الرشيد (^٤) ﵀ على طريقة أهل السنة من التعظيم والتسليم لسنة رسول الله ﷺ، كما هو واضح جلي في تلك الحكاية التي ساقها شيخ الإسلام الصابوني بسنده أن أبا معاوية الضرير حدّث هارون الرشيد بحديث أبي هريرة " احتج آدم وموسى .. (^٥) "
فقال أحد الحاضرين: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما! فوثب به هارون، وقال: يحدثك عن رسول الله ﷺ، وتعارضه بكيف (^٦)
وفي رواية أخرى: " أن الرشيد غضب من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه، يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبره من ألقى إليه هذا، فأقسم ذلك الرجل بالأيْمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة منه، وأنه يستغفر الله
_________________
(١) . نقض المنطق صـ ١٨، ١٩ = باختصار
(٢) . انظر: تاريخ بغداد للخطيب ٥/ ٣٩٣.
(٣) . البداية ١٠/ ٢٢١.
(٤) . هو أبو جعفر هارون بن المهدي بن المنصور، ولد بالري سنة ١٤٨ هـ، كان أن أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حج وجهاد، وشجاعة ورأي، ومحاسنه كثيرة، وله أخبار شائعة في اللهو، توفي سنة ٢٥٤ هـ. انظر: سيرة أعلام النبلاء ٩/ ٢٨٦، تاريخ بغداد ١٤/ ٥.
(٥) . أخرجه البخاري، ك القدر ح (٦٦١٤)، مسلم، ك القدر ح (٢٦٥٢).
(٦) . أخرجه الصابوني في عقيدة السلف صـ ٣٢٠.
[ ٢٢٩ ]
ويتوب إليها منها، فأطلقه (^١)."
وقال الصابوني (^٢) - بعد إيراده القصة -:- هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ، ويقابله بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف، على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول .. (^٣) "
كما عرف الرشيد بكراهيته للمراء والكلام والجدال (^٤)، وكان يقول عن المراء في الدين: "إنه لخليق أن لا ينتج خيرًا، وبالحرى ألا يكون فيه ثواب. (^٥) "
إضافة إلى ذلك فقد أثنى عليه الأئمة، -كابن تيمية والذهبي ونحوهما- بكثرة الحج والغزو والجهاد في سبيل الله تعالى (^٦).
ومن قيامة بدين الله تعالى أنه أمر بهدم ما استحدث من الكنائس في مصر والعراق امتثالًا للأدلة الشرعية (^٧).
لاسيما وأن أبا يوسف ﵀ قد أوصاه بهدم ما أحدث من بيعة أو كنيسة، كما جاء في كتاب الخراج، والذي ألّفه أبو يوسف استجابة لطلب الرشيد (^٨).