اشتهر أن الاعتقاد القادري ألّفه الخليفة القادر بالله، كما حكاه أكثر المؤرخين، لكن بعض العلماء المحققين يقرر أن هذا الاعتقاد - في الأصل من تأليف أبي أحمد الكرجي (^٥)، وكتابة القادر بالله، كما سيأتي توضيحه ..
_________________
(١) . انظر: اتعاظ الحنفا ٢/ ٩٨، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٣٦، والتاريخ السياسي والفكري لبدوي صـ ٧٤، ٧٥.
(٢) . انظر: المنتظم ١٥/ ٣٣٦.
(٣) . انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/ ١٦٢، والبداية ١١/ ٣٤٦.
(٤) . انظر: المنتظم ١٥/ ١٠٠، والبداية ١١/ ٣٥٢، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٣٦.
(٥) . أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي، الغازي المجاهد، وعرف بالقصّاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه، له عدة مصنفات، عاش إلى حدود ٣٦٠ هـ، وفيه يقول أبو الحسن الكرجي: وفي الكرج الغراء أوحد عصره … أبو أحمد القصّاب غير مغالب تصانيفه تبدي غزير علومه … فلست ترى علمًا له غير سارب. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢١٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٣٨، والوافي بالوفيات ٤/ ١١٤.
[ ٢٤٣ ]
يقول الخطيب البغدادي:-
"وكان [القادر] صنّف كتابًا في الأصول، ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن. (^١) "
وحكى جمع من المؤرخين ما قرره الخطيب هاهنا، كالأسنوي (^٢)، والصفدي (^٣)، وابن الصلاح (^٤)، وابن كثير (^٥)، والروحي (^٦)، والسيوطي (^٧).
ويقول ابن الجوزي - في حوادث سنة ٤٢٠ هـ:-
"جُمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء في دار الخلافة، وقريء عليكم كتاب طويل عمله القادر بالله، يتضمن الوعظ، وتفصيل مذهب أهل السنة، والطعن على المعتزلة .. إلخ (^٨) "
وساق ابن كثير ما حكاه ابن الجوزي مختصرًا. (^٩)
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر أن هذا الاعتقاد من جمع الشيخ أبي أحمد الكرجي القصاب، وكتابة الخليفة القادر بالله، إذا يقول:
"كتب [القادر] الاعتقاد القادري المنسوب إليه، وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب (^١٠)، وهو من أجل المشايخ وأعلمهم، وله لسان صدق. (^١١) "
وقرر شيخ الإسلام - في موضع آخر - أن عامة الاعتقاد القادري من نظم أبي أحمد الكرجي، حيث قال:
"وكتب الإمام القادر الاعتقاد القادري المعروف، وعامته من نظم الشيخ أبي أحمد الكرجي. (^١٢) "
وقال - في موضع ثالث:-
"وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي، والإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة (^١٣) القادر بالله (^١٤).
_________________
(١) . تاريخ بغداد ٤/ ٣٧.
(٢) . انظر: طبقات الأسنوي ٢/ ٣١٠.
(٣) . انظر: الوافي بالموفيات ٦/ ١٤٠.
(٤) . انظر: طبقات الشافعية لابن الصلاة ١/ ٣٢٥.
(٥) . انظر: البداية ١١/ ٣٠٩.
(٦) . بلغة الظرفاء في تاريخ الخلفاء للروحي صـ ٢٧١.
(٧) . انظر: تاريخ الخلفاء صـ ٤٨٦.
(٨) . المنتظم ١٥/ ١٩٧، ١٩٨.
(٩) . انظر: البداية ١٢/ ٢٦.
(١٠) . في المطبوع القصار، والصواب ما أثبته: القصاب، وكما جاء في غير موطن.
(١١) . نقض التأسيس ٢/ ٣٣١.
(١٢) . الصفدية ٢/ ١٦٢.
(١٣) . هكذا أثبت في الأصل الخطي - كما ذكر المحقق د. محمد رشاد سالم -، لكن المحقق استصوب: كتبها للخليفة، ولعل الصواب ما جاء في الأصل، وكما يشهد لذلك النقول السابقة عن ابن تيمية، وهو المثبت في أصل الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٦، والعلو للذهبي ٢/ ١٣٠٣.
(١٤) . الدرء ٦/ ٢٥٢.
[ ٢٤٤ ]
وكذا ساق ابن القيم تلك المقالة الأخيرة بحروفها.
وحكى هذا القول الحافظُ الذهبي، فقال:-
"قال العلامة أبو أحمد الكرجي في عقيدته التي ألّفها، فكتبها الخليفة القادر بالله، وجمع الناس عليها .. (^١) "
ولعل الأدق ما ذكره هؤلاء الأئمة - كابن تيمية والذهبي وابن القيّم، وأن هذا الاعتقاد- في الأصل - ألّفه أبو أحمد الكرجي، وكتبه الخليفة القادر بالله، وجمع الناس عليه.
ففي هذا القول زيادة علم وتفصيل ليس في القول الأول، وربما أن الذين عزوه إلى القادر، كان باعتبار النسبة والاشتهار فاشتهر بأنه الاعتقاد القادري، ولذا فإن في قولهم شيئًا من التجوّز والإجمال، كما أن أولئك المحققين - كابن تيمية والذهبي - قد يجملون في مواطن، فينسبون الاعتقاد إلى القادر باعتبار تلك الشهرة، وكما جاء في غير موضع من كتبهم. (^٢)
وأما عن مناسبة تأليف الاعتقاد القادري، فقد سبق الإشارة إلى نفوذ العبيديين الزنادقة، وانتشار دعاتهم، وكذا استفحال أهل البدع كالمعتزلة والرافضة ونحوهم.
فصنف هذا الاعتقاد سنة ٤٢٠ هـ، وأقرّه الأشراف والفقهاء والقضاة وغيرهم، وذلك من أجل إظهار الإسلام والسنة، فإن نشر هذا الاعتقاد، والتأكيد عليه، والاحتفاء به من أهل العلم والدين يعدّ أعظم الأسباب في فضح مذهب العبيديين الباطنيين، فالاعتقاد القادري ينقض مذهب أولئك الباطنية الملاحدة، كما أن في هذا الاعتقاد تقريرات سنيّة يحصل بها الردّ على سائر أهل البدع من رافضة ومعتزلة ونحوهم- كما سيأتي الإشارة إليه - وقد ألمح ابن تيمية إلى مناسبة تأليف الاعتقاد القادري، فقال:- "وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي كتبها الخليفة القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرتها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة، لما كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد انتشر أمرهم .. (^٣) "
_________________
(١) العلو للعلي العظيم ٢/ ١٣٠٣.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/ ١٧٥، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٢٦٨، والعبر ٣/ ١٣٤.
(٣) الدرء ٦/ ٢٥٢= باختصار يسير، وانظر: الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٦.
[ ٢٤٥ ]