ولي القادر بالله الخلافة في زمن استفحلت فيه البدع والمحدثات، فظهر الرفض والاعتزال، وانتشرت دعوة العبيدين. (^١)
وكما يقول المقريزي - عن خلافة القادر -: "وفي أيامه عظمت الباطنية، واشتهر مذهب الاعتزال، والرافضة. (^٢) "
إضافة إلى ذلك فقد وقع في خلافته الكثير من الفتن والقلاقل بين الرافضة وعوام أهل السنة. (^٣)
ومع ذلك كله فقد تحرك القادر بالله، فأظهر السنة، وسعى إلى إخماد البدع، ونصر مذهب أهل السنة، واستتاب المبتدعة، وغلّظ عليهم - كما سيأتي بيانه-
• ففي سنة ٤٠٨ هـ استتاب القادر فقهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم. (^٤)
واشتهرت هذه الواقعة، فساقها الأئمة في مؤلفاتهم، وأثنوا على القادر بذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:-
"ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام، وجهاد أعدائه، حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة ..
وكذلك الخليفة القادر ربما اهتم بذلك، واستتاب المعتزلة من الفقهاء .. (^٥) "
ويقول: - في موضع آخر:- "وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين .. (^٦) وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة، وقمع أهل البدع، فكتب الاعتقاد القادري .. وأمر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيره. (^٧) "
_________________
(١) . انظر: نقض التأسيس ٢/ ٣٣١.
(٢) . السلوك لمعرفة دول الملوك ١/ ١٢٥.
(٣) . انظر: المنتظم لابن الجوزي ١٥/ ١١، ١٩٨، ٢١٣، ٢١٤، والكامل ٩/ ٢٩٥، ٣٠٥، ٣٣٦، والبداية ١١/ ٣٢٥، ١٢/ ٢، ٦.
(٤) . انظر: المنتظم ١٥/ ١٢٥، ١٧٦، والكامل ٩/ ٣٠٥، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٢٧، والبداية ١٢/ ٦.
(٥) . نقض المنطق صـ ١٣ = باختصار
(٦) . يعني العبيديين، والذين يزعمون أنهم فاطميون.
(٧) . نقض التأسيس ٢/ ٣٣١ = باختصار، وانظر: الصفدية ٢/ ١٦٢، والدرء ٦/ ٢٥٢.
[ ٢٣٨ ]
وقال الحافظ الذهبي:-
"وفيها استتاب القادر بالله - وكان صاحب سنّة- طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم بالتوبة. (^١) "
وقال ابن القيم (^٢):-
"وكان [القادر] قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم .. فتحرك ولاة الأمور لإظهار السنة. (^٣) "
• ونسوق دليلًا ثالثًا على جهود القادر في إظهار مذهب أهل السنة، ومحاربة البدعة، كما في الواقعة الآتية:
ففي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أحضرتْ الشيعة مصحفًا، يدّعون أنه مصحف عبد الله بن مسعود ﵁ وهو يخالف المصاحف كلها، فجمع الأشراف والقضاة والفقهاء، وعرض المصحف عليهم، فأشار أبو حامد الأسفراييني بتحريقه، ففعل ذلك بمحضر منهم، لغضب الشيعة غضبًا شديدًا، وعزموا على إيذاء أبي حامد، وأوقعوا شغبًا وفتنة، فغضب الخليفة القادر، وأرسل أعوانه لنصرة أهل السنة، وعوقب من كانت له يد في الفتنة، فهدأت البلاد، واستقرت الأحوال. (^٤)
فهؤلاء العلماء - بما آتاهم الله من علم وبصيرة، وقوة وشجاعة في دين الله - أفتوا بتحريق هذا المصحف، وأوقعوه، وأما الخليفة القادر فقد أخمد الفتنة، وأزال شغب الشيعة وبغيهم.
• ومن محامد الخليفة القادر أنه عزل خطباء الشيعة، واستبدل بهم خطباء من أهل السنة.
وحكى ابن كثير هذه المحمدة قائلًا: " وعزل خطباء الشيعة، وولى خطباء السنة، ولله الحمد وعلى ذلك وغيره. (^٥) "
ومن ذلك أن خطيب جامع براثا - وبراثا مأوى الرافضة- كان شيعيًا غاليًا،
_________________
(١) . العبر ٣/ ٩٨.
(٢) . هو الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، برع في علوم متعددة، كان واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذهب السلف، له تصانيف كثيرة، توفي بدمشق سنة ٧٥١ هـ. انظر: البداية ١٤/ ٢٣٤، والدرر الكامنة ٤/ ٢١.
(٣) . الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٦.
(٤) . انظر: المنتظم ١٥/ ٥٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٤/ ٦٥، والبداية ١١/ ٣٣٨، ٣٣٩، وتاريخ الخلفاء للسيوطي صـ ٤٨٨.
(٥) . البداية ١٢/ ٢٦.
[ ٢٣٩ ]
فيذكر في خطبته أقوالًا غالية، وزندقة ظاهرة، كقوله: علي بن أبي طالب ﵁ محيي الأموات، البشري الإلهي ..، فقُبض عليه، وجاء خطيب سني، فخطب الجمعة، فضربه عامة الشيعة، حتى كسروا أنفه وخلعوا كتفه، كادوا أن يقتلوه .. فانتصر الخليفة القادر لأهل السنة، وأهان الشيعة وأذلهم، وكتب الخليفة القادر كتابًا يحوي تفصيل هذا الواقعة، وما عند الرافضة من الإلحاد والانحراف، والتغليظ عليه وتهديدهم .. ثم اعتذر الرافضة عما فعلوه. (^١)
وإقصاء خطباء الشيعة وتولية خطباء من أهل السنة لهو دليل ظاهر على حكمة الخليفة القادر وقوته، فلا يخفى انتشار التشيع، وتغلغل نفوذهم آنذاك، سواءً من قبل البويهيين أو العبيديين، خاصة وأن الحاكم العبيدي قد بثّ دعاته في بلاد المشرق، فعمد الخليفة القادر إلى مدافعة ذلك فعزل خطباء الشيعة، وولّى خطباء من أهل السنة، من أجل نشر المذهب السني، وإيقاف المدّ الشيعي، ولما يحققه من نفوذ للخليفة العباسي.