بالنظر في محتوى الاعتقاد القادري، وملابسات تصنيفه، فيمكن إيراد المزايا التالية:
• ظهر الاعتقاد القادري إبان قوة المعارض ونفوذه، فالعبيديون استفحل شأنهم وانتشر دعاتهم - كما سبق آنفًا- وكذا سائر أهل البدع من معتزلة ورافضة وأشبهاهم، فصنف هذا الاعتقاد في مواجهة المدّ العبيدي في أوج تسلطه، وفي صدّ تلك البدع الظاهرة
_________________
(١) . أخرجه ابن ماجه في الأشربه، ح (٤٠٣٤)، واللالكائي ٢/ ٨٢٣، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٨٨٥ - ٨٩١، وقال البوصيري: " إسناده حسن، وشهر بن حوشب مختلف فيه." وصححه الألباني لشواهده في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٧ - ٢٢٩.
(٢) . كتاب الصلاة صـ ٤٧.
(٣) . أخرجه أحمد ٢/ ١٦٩، وابن حبان ح (١٤٤٨)، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٢) إلى الطبراني في الكبير والأوسط، وقال: " رجال أحمد ثقات".
(٤) . كتاب الصلاة صـ ٤٦، ٤٧.
[ ٢٥١ ]
آنذاك، ولا يخفى أن في هذا التصنيف - في مثل تلك الأحوال - من المجاهدة البيّنة والمراغمة للخصوم ما ليس في غيره.
• حظي تأليف هذا الاعتقاد بأنواع من الاحتفاء والاهتمام، وصَاحَب تصنيفه جملةٌ من المؤكدات والتقريرات، فقد جُمِع له أعداد كثيرة من الأشراف والشهود، والفقهاء، والقضاة، والزهّاد، وكان ذلك في دار الخلافة، ثم قريء عليهم، وأُخذت بعد ذلك خطوطهم بحضورهم، وسماع ما سمعوه، وتكرر ذلك غير مرة سنة ٤٢٠ هـ.
كما قريء في المساجد والجوامع.
• ألّف هذا الاعتقاد أبو أحمد الكرجي، وكتبه القادر بالله، وكلاهما شافعيان، وهذا يؤكد أن عقيدة أهل السنة والجماعة مقررة عند الأئمة من الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فليست هذه العقيدة مختصة بالحنابلة فحسب.
يقول ابن تيمية: " قال بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء -: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان، وإظهار الحق، ودفع الباطل ما ليس لبعض. (^١) "
ويقول في موطن آخر: " ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث ..
وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية، لأبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي .. (^٢) "
وقد صنّف أئمة الشافعية عدة مصنفات في تقرير عقيدة السلف الصالح، مثل: المزني (^٣)، ومحمد بن نصر المروزي (^٤)، وعثمان بن سعيد الدارمي (^٥)، وقوام السنة الأصفهاني (^٦)، وابن كثير، والذهبي وغيرهم.
فرحم الله أبا المظفر السمعاني إذ يقول: " فلا ينبغي لأحد أن ينصر مذهبه [أي الشافعي] في الفروع، ثم يرغب عن طريقته في الأصول (^٧)."
_________________
(١) . حكاية مناظرة الواسطية (مجموع الفتاوى) ٣/ ١٧٠= بتصرف يسير.
(٢) . المرجع السابق ٣/ ١٨٩ = باختصار
(٣) . أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري، تلميذ الشافعي، الإمام الفقيه الزاهد، له مصنفات كثيرة، منها: مختصره في الفقه، توفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر: طبقات السافعية للسبكي ٢/ ٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٩٢.
(٤) . هو أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، ولد ببغداد سنة ٢٠٢ هـ، كان إمام عصره في الحديث، ومن أعلم الناس باختلاف العلماء، له مؤلفات، توفي سنة ٢٩٤ هـ. انظر: طبقات الشافعية ٢/ ٢٤٦، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٣.
(٥) . أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي التميمي، الإمام، الحافظ، طاف بالبلاد في طلب العلم، له عدة مصنفات، توفي ٢٨٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣١٩، وطبقات الشافعية ٢/ ٣٠٥.
(٦) . هو أبو القاسم إسماعيل بن محمد الفضل، إمام حافظ، حسن الاعتقاد، له عدة مصنفات، توفي سنة ٥٣٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٨٠، وشذرات الذهب ٤/ ١٠٥.
(٧) . فصول من كتاب الانتصار لأصحاب الحديث للسمعاني صـ ٩.
[ ٢٥٢ ]
أفيقال بعد هذا: إن عقيدة السلف الصالح إما هي للحنابلة فقط؟
• حوى الاعتقاد القادري جملة من مسائل الاعتقاد التي تميّز أهل السنة عن مخالفيهم، فقد قرر الاعتقاد مسائل مهمة في أصول الدين، والتي ضلّ فيها أهل الأهواء والبدع، فبيّن توحيد الربوبية ردًّا على العبيديين، وأثبت الصفات لله تعالى خلافًا للمعتزلة والأشاعرة، وقرر مسائل مهمة في الإيمان ردًا على الوعيدية والمرجئة، وأوجب حبّ الصحابة ﵃ خلافًا للروافض.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن يذكرون ما يتميّز به أهل السنة عن الكفار والمبتدعين (^١)."
• تضمن هذا الاعتقاد مع اختصاره تقريرات مهمة في الردّ على الفرق الكبار كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة ..
وأيضًا فالاعتقاد وإن حوى أجوبة مجملة في الردّ على تلك الطوائف، إلا أنّه فصّل- إلى حد ما- في تقرير ربوبية الله تعالى، من أجل الردّ على العبديين، كما هو بيّن في مطلع هذا الاعتقاد ..
فالاعتقاد القادري يقرر أن الله ﷿ واحد لا شريك له، على النقيض من مقالة الباطنية بإلهين اثنين، وهما السابق والتالي كالمجوس الثنوية. (^٢) "
كما يثبت الاعتقاد ما لله سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، خلافًا للباطنية الذين ينفون أسماء الله تعال وصفاته. (^٣)
ولا غرابة أن يجيئ هذا البسط في تلك العقيدة الموجزة، فإن أحوال وملابسات التأليف تقتضي هذا التفصيل، فالمذهب العبيدي الباطني استفحل شره، وانبث دعاته في كثير من الأصقاع، فكان المقام يقتضي التفصيل في تقرير ربوبية لله تعالى مناقضة لمذهب الباطنية.
وهذه نهج سلكه سلفنا الصالح تجاه الانحرافات التي تظهر في عصرهم، فإنهم يلتفتون إلى مواجهتها، ويشتغلون بمدافعتها أكثر من غيرها.
_________________
(١) . شرح الأصفهانية صـ ١٤.
(٢) . انظر: فضائح الباطنية للغزالي صـ ٣٨، وبيان مذهب الباطنية للديلمي صـ ٣٤، وأصول الإسماعيلية لسليمان السلومي ٢/ ٥٣٤ - ٥٧٤.
(٣) . انظر: فضائح الباطنية للغزالي صـ ٣٨، وبيان مذهب الباطنية للديلمي صـ ٣٤، وأصول الإسماعيلية لسليمان السلومي ٢/ ٥٣٤ - ٥٧٤.
[ ٢٥٣ ]
فالإرجاء - مثلًا - ظهر في الكوفة، فاحتاج علماء السلف في الكوفة أن يظهروا إنكار مقالة الإرجاء، فتواترت أقوالهم أن الإيمان قول وعمل، وكانوا بهذا التقرير أكثر من غيرهم في سائر الأمصار.
كما أن تعطيل الصفات ظهر في خراسان، فكثر من علماء خراسان آنذاك من إنكار التعطيل ما لم يوجد في بلدان لم تظهر فيهم تلك البدعة. (^١)
• إن الاعتقاد القادري ذو ألفاظ سهلة ميسرة، وأن عباراته محكمة بيّنة، حيث خلى من الألفاظ الموهمة والعبارات المجملة.
• قد اشتمل الاعتقاد القادري على مسائل مهمة في الاعتقاد، فقد أثبت أن أسماء الله تعالى وصفاته حقيقية، كما ردّ على الأشاعرة في مسألة الكلام الإلهي، فقرر أن كلام الله تعالى سمعه جبريلُ من الله تعالى، وأن القرآن حيثما تصرّف فهو كلام الله سواءً كان متلوًا، أو مكتوبًا، أو مسموعًا، أومحفوظًا، خلافًا للأشاعرة الذي يزعمون أن القرآن هو الكلام النفساني، وهو معنى قائم بذات الله، وأما المتلو، أو المكتوب، أو المسموع، أو المحفوظ، فإنما هو عبارة تدلّ على كلام الله تعالى، وليس كلام الله. (^٢)
كما أوجز الواجب تجاه الصحابة ﵃، فأوجب محبتهم، وإثبات فضلهم والإمساك عما شجر بينهم ..
كما قرر أن تارك الصلاة كافر، وحكاه عن أهل السنة، وهذا يتفق مع ما أورده محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة، حيث حكى تكفير تارك الصلاة عن جمهور أصحاب الحديث. (^٣)
ومع هذه المزايا، إلاَّ أن بعض الأئمة تعقّب هذا الاعتقاد، فقد ساق الحافظ الذهبي مآخذ لطيفة لبعض عبارات الاعتقاد.
فقد حكى الذهبي هذه العبارات: " كان ربنا ﷿ وحد لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواء استقرار
_________________
(١) . انظر: الإيمان لابن تيمية صـ ٢٩٥، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.
(٢) . انظر: التسعينية لابن تيمية ٣/ ٨٤٦، ٨٦٣، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/ ١٢١، وشرح الطحاويه لابن أبي العز ١/ ٢٠٢، ٢٠٣.
(٣) . انظر: تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٣٦.
[ ٢٥٤ ]
كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق. (^١) "
ثم أعقبها بقوله: " قلت: ليته حذف "استواء استقرار" وما بعده، فإن ذلك لا فائدة فيه بوجه، والباري منزه عن الراحة والتعب. (^٢) "
إلى أن قال (^٣): "لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه نبيه ﷺ، فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز."
قلت: "وكان أيضًا يسعه السكوت عن " صفة حقيقة" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري، وقلنا: تمرّ كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك، صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلامًا ركيكًا نبطيًا مغلثًا للنفوس فليُهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تُمرّ ولا يتعرض لها بتحريف ولا تأويل كما يتعرض لمجاز الكلام، والله أعلم.
وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات تُردّ إلى المجاز لبَطل أن تكون صفات لله، وإنما الصفة تابعة للموصوف فهو موصوف حقيقة لا مجازًا، وصفاته ليست مجازًا، فإن كان لا مثل له ولا نظير لزم أن يكون لا مثل لها. (^٤) "
ويمكن أن يُستدرك على تعقيب الإمام الذهبي، فيقال: إن قوله "ليته حذف استواء استقرار" محل نظر، فإن عددًا كثيرًا من أهل العلم قالوا: إن معنى استوى العرش: استقر (^٥).
وقال الحافظ ابن عبد البر (^٦): "الاستواء الاستقرار في العلو، بهذا خاطبنا الله ﷿. (^٧) "
ولا محذور في تفسير الاستواء بالاستقرار، فإن ذلك لا يوهم نقصًا ولا تمثيلًا، بل هذا المعنى على الوجه اللائق بالله تعالى.
لاسيما وأن تلك العبارة - التي تمنى الذهبي حذفها- قد نقلها أئمة كبار كابن تيمية
_________________
(١) العلو للعلي العظيم ٢/ ١٣٠٣.
(٢) العلو للعلي العظيم ٢/ ١٣٠٣.
(٣) أي أبو أحمد الكرجي الذي ألّف الاعتقاد، وكتبه الخليفة القادر.
(٤) العلو ٢/ ١٣٠٣، ١٣٠٤.
(٥) انظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٥، وشرح حديث النزول صـ ٣٩٠، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/ ٣٥٦.
(٦) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي المالكي، حافظ المغرب، ومؤرخ أديب، ولد سنة ٣٦٨ هـ بقرطبة، رحل كثيرًا، وتولى القضاء، له مؤلفات كثيرة، توفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٥٣، والديباج المذهب ٢/ ٣٦٧.
(٧) التمهيد ٧/ ١٣١.
[ ٢٥٥ ]
في كتابه "الدرء" (^١)، وابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة. (^٢) "
وقررا ذلك دون تعقيب.
وأما مقالة الذهبي: "وكان أيضًا يسعه السكوت عن "صفة حقيقية"، فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري .. إلخ "، فإن الإمام الذهبي لا ينازع - هاهنا- في إمرار نصوص الصفات كما جاءت، بل إنه نفى المجاز في صفات الله تعالى، لكنه يقرر الاقتصار على إثبات الصفات، وأن تمرّ كما جاءت، ولا حاجة أن يزاد على ذلك فيقال: إنها صفة حقيقية؛ لأن ذلك كلام ركيك ..
فهذا التعقيب أقرب ما يكون في اللفظ وصياغة العبارة، خاصةً وأن الذهبي في "تذكرة الحفاظ" قد ساق نفس الجملة - التي تعقّبها هاهنا- ثم قررها قائلًا: "نعم لو كانت صفاته مجازًا لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، معنى السمع كذا، ومعنى الحياة كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إمرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز، وأنها حقّ بيّن. (^٣) "
والمتأمل في تعقيب الإمام الذهبي هاهنا، يجد أن ذلك يتفق مع موقفه من الألفاظ التي لم ينصّ عليها الدليل، فالذهبي - مثلًا - أورد شعرًا لابن الزاغوني قائلًا:
عال على العرش الرفيع بذاته سبحانه عن قول غاوٍ ملحد.
ثم قال الذهبي: "قد ذكرنا أن لفظة "بذاته" لا حاجة إليها، وهي تشغب النفوس، وتركها أولى. (^٤) "
ويقول - في موضع آخر -: "نقول ينزل، وننهى عن القول ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت ولا نتفاصح على الرسول ﷺ بعبارات مبتدعة، والله أعلم. (^٥) "
ولما أورد الذهبي مقالة بعض السلف في مسألة إثبات الحد لله تعالى، قال: "الصواب الكفّ عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نصّ، ولو فرضنا أن المعنى صحيح، فليس لنا أن نتفوه
_________________
(١) انظر: الدرء ٦/ ٢٥٣.
(٢) انظر: الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٨.
(٣) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٣٩.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٦٠٦.
(٥) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٣١.
[ ٢٥٦ ]
بشيء لم يأذن به الله خوفًا من أن يدخل القلب شيءٌ من البدعة، اللهم احفظ علينا إيماننا. (^١) "
فنلحظ أن الذهبي يقتصر على ما نصّ عليه الدليل بلفظه، وأنه لا حاجة إلى الزيادة على ذلك بتفصيل أو بيان.
والذي عليه المحققون خلاف ما اختاره الذهبي، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "والمقصود أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بُيِّنت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة .. فإذا لم يكن اللفظ منقولًا، ولا معناه معقولًا ظهر الجفاء والأهواء. (^٢) "
فقرر شيخ الإسلام أن مسلك الأئمة الكبار هو منع إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة دون الألفاظِ المأثورة، والألفاظِ التي بُيِّنت معانيها، فلا محذور في الألفاظ التي بُيِّنت معانيها الصحيحة، واللائقة بالله ﷿، كما هو في تفسير الاستواء بالاستقرار، أو تقرير أن صفات الله حقيقة لا مجازًا، أو أن الله تعالى موصوف بعلو الذات، وأنه ينزل بذاته، لاسيما إذا كان هذا البيان في مقام الردّ على المنحرفين في باب الصفات، كمن ينكر استواء استقرار، أو يزعم أن صفات الله مجازية، أو ينكر علو الذات، أو يتأول النزول بنزول رحمته أو ملك.
فلا محذور في الإخبار عن الله تعالى بألفاظ ذات معان صحيحة، خاصة وأن الذهبي قد أورد في كتابه "العلو" آثارًا كثيرة عن السلف في إثبات أن الله تعالى "بائن من خلقه" دون أن يتعقب ذلك. (^٣)
مع أن عبارة "بائن من خلقه" نظير العبارات السابقة من جهة عدم النص على لفظها في الكتاب والسنة. (^٤)
"وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل كلام الله ثم يسكت.
فقال ﵀: ولم يسكت لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٨٦، وانظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٠٧.
(٢) الدرء ١/ ٢٧١ = باختصار
(٣) انظر: العلو ٢/ ١٠٤٨، ١٠٩١، ١١١٣، ١٢١٤.
(٤) انظر: مقدمة الألباني لمختصر العلو للذهبي صـ ١٨، ١٩، والنفي في باب صفات الله لأرزقي سعيداني صـ ١٣٠، ١٣١، ومنهج الإمام الذهبي في العقيدة لسعيد الزهراني صـ ١٦٢ - ١٦٥.
[ ٢٥٧ ]
حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون. (^١) "
فالإمام أحمد غلّظ على الواقفة، وجعلهم جهمية (^٢)؛ لأنهم لم يقولوا إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ففي هذه العبارة: "غير مخلوق" توضيح وبيان وردّ على من زعم أنه مخلوق، أو شكّ في القطع أنه غير مخلوق.