لم أعثر - حسب اطلاعي - في شأن إظهار القادر الشروط العمرية إلا على معلومات يسيرة.
فقد ساق ابن الجوزي الواقعة التي تبدو سببًا في إلزام النصارى بالشروط العمرية، وخلاصة هذه الواقعة أن في سنة ٤٠٣ هـ توفيت زوجة ابن أبي إسرائيل أحد رؤساء النصارى، فأُخرجت جنازتها، ومعها الطبول والصلبان والشموع، فأنكر ذلك بعض الهاشميين، فضربه بعض النصارى بدبوس في رأسه، فشجه، فثار المسلمون بهم، فانهزموا حتى لجأوا إلى كنيسة لهم هناك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وما قرب منها من دور النصاري، قصدوا ابن أبي إسرائيل، فقاتلهم غلمانه، وانتشرت الفتنة ببغداد، وغلقت الجوامع، وقصد الناس الخليفة، فأمر بإحضار ابن أبي إسرائيل، فامتنع، فاشتدت الفتنة، ثم أحضر ابن أبي إسرائيل إلى دار الخلافة، فسكنت الفتنة، ثم أفرج عن ابن أبي إسرائيل. (^٥)
_________________
(١) . أبو حامد أحمد بن محمد الهروي، حافظ، مفسر، فقيه، توفي سنة ٣٥٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية ٣/ ٤٥، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٧٣.
(٢) . انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٨، والكامل ٩/ ٤١٤، والمنتظم ١٥/ ٢٢٠.
(٣) . ذيل كتاب تجارب الأمم للروذراوري ٣/ ٢٠٧، ٢٠٨.
(٤) . تاريخ الإسلام ٢٧/ ٧.
(٥) . انظر: المنتظم ١٥/ ٩١، ٩٢.
[ ٢٣٥ ]
ويمكن التعليق على هذه الحادثة بما يلي:-
١ - أظهر القادر بالله الشروط العمرية عقب هذه الحادثة، فألزم أهل الذمة بلبس الغيار .. فالنصارى - في تلك الحادثة - مخالفون للشروط العمرية التي اشترطها عمر الفاروق ﵁ على أهل الذمة من النصارى وغيرهم .. فإن مما شرطوه على أنفسهم:- "لا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر صليبًا .. (^١) "، وهذه الشروط مجمع عليها في الجملة بين العلماء. (^٢)
وقد أحسن القادر في إحياء وتجديد هذه الشروط التي جددها الخلفاء السابقون أمثال عمر بن عبد العزيز، وهارون الرشيد، والمتوكل ونحوهم. (^٣)
وأثنى شيخ الإسلام على هذا الصنيع فقال:-
"وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر، وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك. (^٤) "
٢ - نلحظ - في هذه الواقعة - التفات عامة المسلمين إلى الخليفة القادر، وميلهم إليه، حيث قصدوا دار الخلافة.
كما يتجلى اهتمام القادر بالرعية، وحسن سياسته وتدبيره تجاه هذه الفتنة، فقد أنكر الخليفة ما جرى، وطالب بإحضار ابن أبي إسرائيل وتسليمه، من أجل إخماد الفتنة، فلما أُحضر إلى دار الخلافة، كفّ العامة وسكنت الفتنة، ثم أفرج عن ابن أبي إسرائيل.
٣ - لا يخلو زمن خلافة القادر من أحداث تحكي شغب النصارى، وبغيهم على المسلمين، وظلم بعض عامة المسلمين للنصارى. (^٥)
لكن بإلزام النصارى الشروط العمرية سنة ٤٠٣ هـ اختفى الشغب واستقرت الأحوال، وكما اعترف بذلك جان مورييس فييه أحد النصارى المعاصرين. (^٦)
٤ - لعل إظهار القادر الشروط العمرية من أسباب تمكينه وتحقيق هيبته، ورحم الله
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٣٢٠، ٣٢١، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ٢/ ٦٥٩ - ٦٦٢.
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٢١، وأحكام الذمة ٢/ ٦٦٣.
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨/ ٦٥٤، ٦٥٥.
(٤) نقص المنطق صـ ٢٠.
(٥) انظر: الكامل ٩/ ١٣٦، والبداية ١١/ ٣٣٠.
(٦) انظر: أحوال النصارى في خلاصة بني العباس لجان فييه صـ ٢٦٥.
[ ٢٣٦ ]
شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول:-
"وكل من عرف سير الناس وملوكهم، رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام، وأعظم جهادًا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله أعظم نصرة وطاعة وحرمة، من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وإلى الآن. (^١) "
٥ - تعصّب جان موريس فييه ضد القادر بالله، واتهمه بضعف الشخصية، وعدم الاستقلال برأيه!!
حيث عقد مبحثًا مستقلًا عن أحوال النصارى من خلافة القادر (^٢)، وحوى ذلك المبحث جملة من المغالطات والأكاذيب التي ليس هذا موضع فقدها.
والذي يهمنا في هذا الموطن، ما ادّعاه من ضعف القادر، وأن سبب طول حياته بسبب ضعف سلطته!
وذاك تحامل مكشوف، ودعوى مردودة، لاسيما وأن الكاتب نفسه قد نقض ذلك، حيث اعترف بتدّخل الخليفة - في حادثة جنازة النصرانية- ومبادرته إلى علاج هذه الفتنة وقدرته على احتوائها، وإن إظهاره الشروط العمرية سبب في تحقيق الهدوء!
وكيف يوصف القادر بالله بضعف الشخصية، وأنه لا يستقل برأي، وقد أعاد للخلافة ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق - كما سبق ذكره- كما أنه استتاب أهل البدع - مع اشتهارهم- وغلّظ عليهم، وهتك أحوال العبيديين - وهم في أوج تسلّطهم - وشجع على كشف أستارهم وزندقتهم - كما سيأتي بيانه- إضافة إلى إظهاره الشروط العمرية، وظهور قوته تجاه البويهيين (^٣)!؟
وكما يقول د. عبد المجيد بدوي:-: "كان القادر نسيجًا وحده بين الخلفاء من بني العباس الذين عاصروا بني بويه، فلا غرابة أن يكون أقواهم، وأن يكون أول خليفة يعلن التمرد على البويهيين، ويحاول التخلص من سيطرتهم (^٤)."
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٦٤٠.
(٢) انظر: أحوال النصارى في خلافة بني العباس صـ ٢٥٥ - ٢٧٥.
(٣) انظر: التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني لعبد المجيد البدوي صـ ٦٤.
(٤) المرجع السابق صـ ٦٤.
[ ٢٣٧ ]