أعقب تصنيف الاعتقاد القادري آثارًا حميدة، وعواقب حسنة، سوءًا في زمن الخليفة القادر، أو ما بعده، فمن تلك الآثار ما يلي:
١ - يعدّ الاعتقاد القادري سببًا قويًا في هتك أستار العبيديين الباطنييين، والردّ على سائر أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وأشباههم، وخاصة وأن تصنيف هذا الاعتقاد إبان نفوذ العبيديين واستفحال أهل البدع، كما أن هذا الاعتقاد قريء في المساجد والجوامع (^٣)، وحمله الحجيج إلى أطراف الأرض. (^٤)
٢ - أن الاعتقاد القادري يعدّ مصنفًا معتبرًا يورده الأئمة المحققون المتأخرون في كتب الاعتقاد، فقد ساق ابن تيمية شيئًا من عبارات الاعتقاد (^٥)، كما احتج به الذهبي في كتابه العلو (^٦)، وكذا ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة -كما مر آنفًا-
٣ - أعقب كتابة الاعتقاد القادري، استتابةُ من خالف ذلك من أهل البدع من المعتزلة والرافضة والخوارج.
كما بيّن ذلك الحافظ الذهبي بقوله: "قال العلامة أبو أحمد الكرجي في عقيدته التي ألّفها، فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها، وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي، ورافضي وخارجي. (^٧) "
وقال ابن القيم: "وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي في أثناء المائة الرابعة في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها للخليفة القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرّ بها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة
_________________
(١) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٢٥٢.
(٢) انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٢٥٣ - ٢٥٦.
(٣) انظر: المنتظم ١٦/ ١٠٦.
(٤) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٢١.
(٥) انظر: الدرء ٦/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٦) انظر: العلو ٢/ ١٣٠٣.
(٧) العلو ٢/ ١٣٠٣ = باختصار
[ ٢٥٨ ]
من المعتزلة والرافضة ونحوهم. (^١) "
والمقصود أن استتابة المخالفين من الآثار المباشرة والعملية للاعتقاد القادري.
٤ - احتفى الخليفة القائم بأمر الله بن الخليفة القادر بالله بهذا الاعتقاد، حتى أن ابن الجوزي نسبه إليه، فسماه: الاعتقاد القادري والقائمي (^٢)، ومن ذلك الاهتمام: أن الخليفة القائم أمر بقراءة الاعتقاد القادري، حيث أخرجه سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، فقريء في ديوان الخلافة، وحضر العلماء، وكتبوا أن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر. (^٣)
فلم يقتصر على مجرد قراءته وإقرار العلماء به، بل أضيف إلى ذلك أن من خالف هذا الاعتقاد، ليس مسلمًا، بل هو فاسق كافر ..
٥ - كان لهذا الاعتقاد أثره البيّن في مدافعة ما أظهر من البدع، ومن ذلك أثره في قمع بدعة الاعتزال سنة ستين وأربعمائة، وذلك أن ابن الوليد المعتزلي (^٤) عزم على إظهار المعتزلة، وحرّضه على ذلك جماعة من أهل مذهبه، فبادر جمع من الفقهاء وأهل الحديث بالقدوم على الخليفة القائم بالله، وسألوه إخراج الاعتقاد القادري وقراءته، فأجيبوا وقريء هذا الاعتقاد بمحضر من الجميع، واتفقوا - ومعهم الخليفة - على لعن من خالفه وتكفيره.
ثم قريء الاعتقاد مرة أخرى، وحضره الخاص والعام. (^٥)
٦ - احتج أئمة الحنابلة بهذا الاعتقاد في أكثر من واقعة، فالقاضي ابن أبي يعلي (^٦) لما قرر مذهب الحنابلة في صفات الله تعالى - وهو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تعطيل ولا تمثيل - احتج بالاعتقاد القادري قائلًا:
"وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات، هو قول السلف بدءًا وعودًا، وهو الذي ذكره أمير المؤمنين القادر - رضوان الله عليه - في الرسالة القادرية قال فيها: "ما وصف الله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول ﷺ، فهو صفات الله ﷿، على حقيقته، لا على سبيل المجاز؛" وعلى هذا الاعتقاد جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله -رضوان الله عليه - من
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٦، انظر: الدرء لابن تيمية ٦/ ٢٥٢.
(٢) انظر: المنتظم ١٦/ ١٠٦.
(٣) انظر: المنتظم ١٥/ ٢٧٩، والصفدية ٢/ ١٦٢، والبداية ١٢/ ٤٩.
(٤) أبو علي بن الوليد، من شيوخ المعتزلة، كان مدرّسًا لهم، فأنكر أهل السنة عليه، فلزم بيته حتى توفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر: البداية ١٢/ ١٢٩، وشذرات الذهب ٣/ ٣٦٣.
(٥) انظر: المنتظم ١٦/ ١٠٦، والبداية ١٢/ ٩٦، وذيل طبقات الحنابلة ١٢/ ٩٦.
(٦) هو محمد بن محمد بن الحسين الغراء، ولد سنة ٤٥١ هـ، برع في الفقه، وأفتى وناظر، له تصانيف كثيرة، توفي مقتولًا سنة ٥٢٦ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ١٧٦، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٦٠١.
[ ٢٥٩ ]
حضره مع الوالد السعيد (^١) من علماء الوقت. (^٢) "
ولما وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية بسبب ابن القشيري سنة تسع وستين وأربعمائة، فأمر الخليفةُ المقتدي بأمر الله محمد بن القائم بأمر الله وزيره نظام الملك بأن يصلح بينهم .. فقال الشريف أبو جعفر الحنبلي للوزير ﵀:- فأي صلح يكون بيننا؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية، أو دنيا، أو تنازع في ملك، فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أننا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كان كافرًا، فأي صلح بيننا، وهذا الإمام مفزع المسلمين، وقد كان جدّاه -القائم والقادر- أخرجا اعتقادهما للناس، وقريء عليهم في دواوينهم، وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض، ونحن على اعتقادهما، فأرسل الوزير إلى الخليفة يعلمه بما جرى، فجاء الجواب بشكر الجماعة وخصوصًا الشريف أبا جعفر. (^٣)
واحتج ابن تيمية بالاعتقاد القادري أثناء مناظرته لمخالفيه بشأن العقيدة الواسطية، فقال - يرحمه الله -
"وخاطبتُ بعضهم في غير هذا المجلس، بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري، التي فيها أن القرآن كلام الله، خرج منه، فتوقف في هذا اللفظ، فقلتُ: هكذا قال النبي ﷺ: "ما تقرّب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه. (^٤) " يعني القرآن، وقال خباب بن الأرت: "يا هنتاه، تقرّب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرّب إليه بشيء أحبّ إليه مما خرج منه. (^٥) " (^٦) "
_________________
(١) وهو القاضي أبو يعلى
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٠ = باختصار
(٣) انظر: المنتظم ١٦/ ١٨٣، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢١، والبداية ١٢/ ١١٥.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٨، والترمذي ٥/ ٢٩١١، والحاكم ١/ ٥٥٥، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه البخاري تعليقًا في خلق أفعال العباد (٩٣)، والدارمي في الردّ على الجهمية (٣١٠)، والحاكم ٢/ ٤٤١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥١٤)، وقال: إسناده صحيح.
(٦) حكاية مناظرة الواسطية (مجموع الفتاوى) ٣/ ١٧٥.
[ ٢٦٠ ]