اشتهر المتوكل (^٩) بإظهار السنة وإخماد البدعة، وإقامة شرع الله تعالى في أهل الذمة، كما أنه قتل من ارتد عن دين الله ﷿.
يقول الحافظ ابن كثير:
"لما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبًا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن .. (^١٠) "
وقال أيضا: "كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكف عن
_________________
(١) . البداية لابن كثير ١٠/ ٢١٥ = باختصار يسير.
(٢) . إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني الشافعي، محدث، فقيه، مفسر، واعظ، نصر السنة في خراسان، ولقِّب شيخ الإسلام، توفي سنة ٤٤٩ هـ. انظر: طبقات الشافعية ٤/ ٢٧١، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٠.
(٣) . عقيدة السلف وأصحاب الحديث صـ ٣٢١.
(٤) . انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٧، وتاريخ بغداد ١٤/ ٧، وسير أعلام النبلاء، ٩/ ٢٨٧، وتاريخ الإسلام ١٣/ ٤٢٦.
(٥) . تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٧، وتاريخ بغداد ١٤/ ٧.
(٦) . انظر: نقض المنطق صـ ١٩، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٢٨٧.
(٧) . انظر: جامع المسائل لابن تيمية ٣/ ٣٧٠، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ٢/ ٦٧٥.
(٨) . انظر: كتاب الخراج لأبي يوسف صـ ٢٩٤، ٢٩٥.
(٩) . هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، ولد سنة ٢٠٥ هـ، ولي الخلافة بعد أخيه الواثق، فأظهر السنة وقمع البدعة، قتل سنة ٢٤٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ١٦٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٠.
(١٠) . البداية ١٠/ ٣٣٧، وانظر: ١٠/ ٣٥١، وسير أعلام البنلاء ١٢/ ٣١.
[ ٢٣٠ ]
القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت، وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل .. وارتفعت السنة جدًا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحدًا إلا بعد مشورة الإمام أحمد .. (^١) "
لقد أظهر المتوكل السنة ونشر الحديث، فأمر الفقهاء والمحدثين أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية والصفات. (^٢)
وساق الخطيب البغدادي بسنده أن إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة يقول: "والخلفاء ثلاثة أبو بكر الصدّيق، قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز ردّ مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدعة وأظهر السنة. (^٣) "
وأما عن إقامته شرع الله تعالى في أهل الذمة، فيتمثّل ذلك بإلزامهم الشروط العُمرية، وهدم ما استحدثوا من الكنائس.
ولذا قال ابن تيمية: "وكان في أيام المتوكل قد عزّ الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار. (^٤) "
ولما ألزم المتوكل أهل الكتاب بشروط عمر الفاروق ﵁، استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق. (^٥)
وقد بسط ذلك ابن كثير في تاريخه، فكان مما قاله:-
"أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم .. وأن لا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة .. وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق. (^٦) "
ومن محامد المتوكل أنه صادر أموال أحمد بن أبي داود، وسجن أصحابه، وأطلق من
_________________
(١) . البداية ١٠/ ٣١٦ = باختصار
(٢) . انظر: المنتظم ١١/ ٢٠٧، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٤.
(٣) . تاريخ بغداد ٧/ ١٧٠، وانظر: المنتظم ١١/ ١٧٠.
(٤) . نقض المنطق صـ ٢٠.
(٥) . انظر: جامع المسائل لابن تيمية ٣/ ٢٧٠، وأحكام أهل الذمة ٢/ ٦٩١، ٦٩٣، ٧٠٠.
(٦) . البداية ١٠/ ٣١٣، ٣١٤ = باختصار، وانظر: تاريخ الطبري ٩/ ١٩٦، والكامل لابن الأثير ٧/ ٥٢، والمنتظم ١١/ ٢٢٢، ٢٣٨، ٢٦٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٤.
[ ٢٣١ ]
كان حبسه الواثق ممن امتنع من القول بخلق القرآن، كما أمر بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه (^١).
كما أمر المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان بغداد؛ لأنه شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃، فضُرب بالسياط حتى هلك، ثم رمي به في نهر دجلة. (^٢).
وقتل المتوكل رجلًا كان نصرانيًا فأسلم، ومكث سنين كثيرة، ثم ارتد فاستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضربت عنقه (^٣).
ولما ظهر شخص يزعم أنه ذو القرنين ويدّعي النبوة، أمر المتوكل بضربه بالسياط، فضرب ضربًا شديدًا، فمات من بعد ضربه ذلك (^٤).
ولما توفي المتوكل، رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل له: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها (^٥).
وبالنظر في جهود هؤلاء الخلفاء الثلاثة (المهدي والرشيد والمتوكل) نلحظ أنها جهود ظاهرة قوية، ومساعي جليلة في سبيل الإسلام والسنة، ومع أن خلفاء بني العبّاس المتأخرين لهم جهودهم في هذا المجال، إلا أنها لا تبلغ درجة أولئك الخلفاء السابقين في العصر العباسي الأول.
فالمعتضد (^٦) مثلًا يُحمد على ما قام به إزالة سنة المجوس، وإبطال ما يُفعل في عيد النيروز من إيقاد النار، وصب الماء على الناس (^٧).
كما نهى الطرقية والمنجمين ونحوهم من الجلوس في المساجد والطرقات، ونهى عن بيع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس (^٨).
وأما المقتدي بأمر الله (^٩)
فقد أحسن بإحيائه شعيرة الأمر بالمعروف في جميع البلدان، وإلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد (^١٠).
وكذا الخليفة المستضيئ بأمر الله (^١١) "كان من خيار الخلفاء، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، مزيلًا عن الناس المكوسات والضرائب، ومبطلًا للبدع والمصائب. (^١٢) "
_________________
(١) . انظر: المنتظم ١١/ ٢٥١، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٦، والبداية لابن كثير ١٠/ ٣١٦.
(٢) . انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٢٠١، والمنتظم ١١/ ٢٨٣، والبداية ١٠/ ٣٢٣.
(٣) . انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٢٠٧، والمنتظم ١١/ ٢٩٦.
(٤) . انظر: تاريخ الطبري ٩/ ١٧٥، والكامل ٧/ ٥٠، والمنتظم ١١/ ٢٢٣، والبداية ١٠/ ٣١٤.
(٥) . انظر: تاريخ بغداد ٧/ ١٧٠، ١٧١، والبداية ١٠/ ٣٥١.
(٦) . هو أبو العباس أحمد بن الموفق بالله بن المتوكل، ولد سنة ٢٤٢ هـ، كان ملكًا مهيبًا شجاعًا، حارب الزنج ونشر العدل، توفي سنة ٢٨٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٦٣، وتاريخ بغداد ٤/ ٤٠٣.
(٧) . انظر: تاريخ الطبري ١٠/ ٣٩، ٥٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢١/ ٧.
(٨) . انظر: المنتظم ١٢/ ٣٠٥، والبداية ١١/ ٦٤.
(٩) . هو أبو القاسم عبيد الله بن ذخيرة الدين بن القائم بأمر الله بن القادر بأمر الله، كان حسن السيرة فقد أزال المنكرات، توفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٣١٨، وشذرات الذهب ٣/ ٣٨٠.
(١٠) . انظر: المنتظم ١٦/ ١٦٦، والكامل ١٠/ ٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣١٨، وابن كثير ١٢/ ١٣٧.
(١١) . هو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفي، ولد سنة ٥٣٦ هـ، وولي الخلافة سنة ٥٦٦ هـ، كان من خيار الخلفاء، وكان عادلًا كريمًا، توفي سنة ٥٧٥ هـ. انظر: البداية ١٢/ ٣٠٤، شذرات الذهب ٤/ ٢٥١.
(١٢) . البداية لابن كثير ١٢/ ٣٠٤.
[ ٢٣٢ ]
وكان المستضيئ حريصًا على حضور مجالس ابن الجوزي ومواعظه (^١)، كما أمر المستضيئ بتقوية ابن الجوزي وتأييده من أجل إزالة الرفض (^٢).
بعد هذه النبذة الموجزة عن جهود خلفاء بني العباس في إظهار الإسلام والسنة، فيمكن التساؤل: أين تقع جهود الخليفة القادر بالله؟ هل تلحقه بالخلفاء المتقدمين أم المتأخرين؟
هذا ما سيتضح جوابه في الفصل الآتي.