وبعد أن سقنا الاعتقاد القادري بتمامه، فيمكن أن نتبعه بتعليقات يسيرة على النحو الآتي:-
ابتدأ - الاعتقاد القادري - بالتوحيد، أهم أصول الاعتقاد وآكدها، فقرر ربوبية الله تعالى، وأنه ﷿ الغني الخالق القادر، ومدبِّر السموات والأرضين وما فيهن.
ثم قرر الأسماء والصفات لله تعالى، إثباتًا بلا تمثيل، فأثبت الصفات لله تعالى: " وهو القادر بقدرة، وهو السميع بسمع، وهو البصير ببصر"، وفي هذا التقرير ردٌّ على المعتزلة القائلين: قادر بلا قدرة، سميع بلا سمع ..
وأما قوله: "العالم بعلم أزلي غير مستفاد" فالمراد أن الله تعالى موصوف بصفة العلم منذ الأزل، فلم يزل سبحانه موصوفا بالكمال كما قال الإمام الطحاوي: "ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا، كذلك لا يزال عليها أبديًا، ليس منذ خَلَق الخلق استفاد اسم الخالق، لا بإحداثه البرية اسم الباري. (^١) "
كما قرر الاعتقادُ أن كلام الله تعالى حيثما تصرّف فهو غير مخلوق، سواءً كان متلوًا، أو محفوظًا، أو مكتوبًا، أو مسموعًا، خلافًا للأشاعرة.
وكما قال الإمام أحمد بن حنبل: "القرآن كلام الله حيث تصرّف وعلى كل وجهة. (^٢) "
وقال شيخ الإسلام الصابوني:-
"وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويُكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قاريء، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي .. كله كلام الله ﷻ غير مخلوق. (^٣)
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٩٦، ١٠٩.
(٢) المسائل والرسائل المروية عن أحمد، للأحمدي ١/ ٢٤٧، وانظر: ١/ ٢٤١.
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث صـ ١٦٦.
[ ٢٤٩ ]
وأثبت الاعتقادُ أن الإيمان قول وعمل، تقريرًا لمذهب أهل السنة وردًّا على المرجئة، كما بيّن أن الإيمان ذو أجزاء وشعب خلافًا لأهل البدع من الوعيدية والمرجئة ..
كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا:
"وأصل نزاع هذه الفرقة في الإيمان من الخوارج والمرجئة، والمعتزلة والجهمية وغيرهم، وأنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه، زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه، كما قال النبي ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان (^١) " (^٢) "
وأما قوله - في الاعتقاد -: "ولا يكون للإيمان نهاية أبدًا؛ لأنه لا نهاية للفضائل .. "
فهذا قرره جمع من السلف الصالح، فعن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: "لو تقطعت أعضاءً، ما بلغت الإيمان. (^٣) "
"وقال الإمام الأوزاعي، والإمام مالك بن أنس:- ليس للإيمان منتهى، وهو في زيادة أبدًا، وينكران على من يقول إنه مستكمل الإيمان (^٤)."
ومما قرره ابن بطة (^٥) - في شأن الإيمان -: " وله أول وبداية، ثم ارتقاء، وزيادة بلا نهاية. (^٦) "
والمقصود أن زيادة الإيمان لا نهاية لها، وفي هذا التقرير ردّ على المرجئة الزاعمين أنهم قد استكملوا الإيمان.
ثم أوجز الاعتقاد القادري الواجب تجاه الصحابة ﵃، بأن نحبّهم ونترحم عليهم، ونشهد بأنهم خير الناس .. خلافًا لطريقة الروافض والنواصب.
ثم قرر الاعتقادُ تكفير تارك الصلاة، وأن من تركها من غير عذر حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر.
_________________
(١) أخرجه البخاري، ك الإيمان، ح (٤٤)، ومسلم ك الإيمان، ح (٣٢٥).
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٥١٠.
(٣) أخرجه الخلال في السنة ٥/ ٣٦.
(٤) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ١/ ٣٣٣، ٣٤٦.
(٥) أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري، فقيه عابد، مستجاب الدعوة، كان أمّارًا بالمعروف نهّاءً عن المنكر، وله مصنفات، توفي بعكبر (القرب من بغداد) سنة ٣٨٧ هـ. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٤٤، والمنهج الأحمد ٢/ ٨١٠.
(٦) الإبانة الصغرى صـ ١٧٨.
[ ٢٥٠ ]
ولعل حجتهم في ذلك حديث أبي الدرداء ﵁ قال: "أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بسبع: لا تشرك بالله شيئًا، وإن قُطِّعت أو حُرِّقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها فقد برئت منه الذمة." الحديث. (^١)
يقول ابن القيم: "ولو كان باقيًا على إسلامه، لكانت له ذمة الإسلام. (^٢) "
وقوله في الاعتقاد - بشأن تارك الصلاة-: "ولا يزال كافرًا حتى يندم ويعيدها، فإن مات قبل أن يندم أو يعيد، أو يضمر أن يعيد، لم يصلّ عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف."
وفي هذا إشارة إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال:" من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورًا ولا برهانًا، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان، وأبيّ بن خلف. (^٣) "
قال ابن القيم:- "وإنما خصّ هؤلاء الأربعة بالذكر، لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة .. إما أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رئاسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة وزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبيّ بن خلف. (^٤) "
ثم خُتِم هذا الاعتقاد بالحث على لزوم السنة والجماعة، وما في ذلك من الوعد والترغيب.