وسنورد الاعتقاد القادري بعد مراجعته على نسخة خطية من المنتظم (^١)، وعلى أكثر من نسخة مطبوعة (^٢)، وذلك على النحو التالي:-
"يحب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، وهو أول لم يزل وآخر لايزال، قادر على كل شيء، غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، غني غير محتاج إلى شيء، لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يُطْعِم ولا يُطْعَم، لا يستوحش من وحدة، ولا يأنس بشيء، وهو الغني عن كل شيء، لا تخلفه (^٣) الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان، والليل والنهار والضوء والظلمة، والسموات والأرض، وما فيها من أنواع الخلق، والبر والبحر وما فيهما، وكل شيء حيّ أو موات أو جماد، كان ربنا واحد لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى عليه (^٤) كيف شاء وأراد، لا استقرار (^٥)، راحة كما يستريح الخلق، وهو مدبِّر السموات والأرضين ومدبِّر ما فيهما، ومن في البر والبحر، ولا مدبِّر غيره، ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم، ويميتهم ويحييهم، والخلق كلهم عاجزون، الملائكة (^٦) والنبيون والمرسلون والخلق كلهم أجمعون، وهو القادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والبصير (^٧) ببصر، يعرف صفتهما من نفسه.
لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام (^٨) لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﵇، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية، ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّم به تكليمًا، وأنزله على رسوله ﷺ على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلا جبريل على محمد ﷺ، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقًا؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق بكل (^٩) حال، متلوًا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا، ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه، ويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية، وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح
_________________
(١) وهي نسخة محفوظة في قسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم ٧٢٧٤.
(٢) منها الطبعة الأولى في الهند سنة ١٣٥٩ هـ.
(٣) لا تخلفه: لا تغيّره انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/ ٢١٢.
(٤) زاد في الدرء ٦/ ٢٥٣: استواء استقرار، وكذا جاء في العلو للذهبي ٢/ ١٣٠٣، والصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٨.
(٥) جاء في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٨): لا استواء راحة.
(٦) في المنتظم المطبوع: والملائكة، ولعل الصواب ما أثبته بحذف الواو كما جاء في المنتظم المخطوط ق ٣٥٠، وكذا الدرء ٦/ ٢٥٤، والصواعق ٤/ ١٢٨٨.
(٧) في المنتظم المطبوع: المبصر، والصواب ما أثبته، كما جاء في المنتظم المخطوط ق ٣٥٠، كذا الدرء ٦/ ٢٥٤، والصواعق ٤/ ١٢٢٨.
(٨) زاد في الدرء ٦/ ٢٥٤ يخرج منه وكذا الصواعق المرسلة ٤/ ١٢٨٨.
(٩) في المنتظم المطبوع: فبكل حال، ولعل الصواب والذي يتفق مع سياق الكلام - ما أثبته بحذف الفاء، كما جاء في المنتظم المخطوط ق ٣٥٠.
[ ٢٤٧ ]
وتصديق به، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ذو أجزاء وشعب، فأرفع أجزائه لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عندالله، ولا بماذا يختم له، فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن أكون مؤمنًا، ولا يضره الاستثاء والرجاء، ولا يكون بهما شاكًا ولا مرتابًا، لأنه يريد بذلك ما هو مغيّب عنه عن أمر آخرته وخاتمته، وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه، وفضائله فهو كله من الإيمان منسوب إليه، ولا يكون للإيمان نهاية أبدًا؛ لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع (^١)
في الفرائض أبدًا، ويجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي ﷺ كلهم، ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله ﷺ، وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃، ويشهد للعشرة بالجنة ويترحم على أزواج رسول الله ﷺ، ومن سبّ عائشة فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلا خيرًا، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر، آية ١٠)، وقال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ الأعراف، آية ٤٣)، ولا يكفّر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر وإن لم يجحدها؛ لقول النبي ﷺ "بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر"، ولايزال كافرًا حتى يندم ويعيدها فإن مات قبل أن يندم ويعيد، أو يضمر أن يعيد لم يصل عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف، وسائر الأعمال لا يكفّر بتركها، وإن كان يفسّق حتى يجحدها، ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين، وعلى منهاج الدين والطريق الواضح، ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة، وإن شاء الله، وقال النبي ﷺ وعلم "الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم" وقال ﵇: "أيما عبد
_________________
(١) هكذا في المطبوع: ولا للمتبوع، وأما المخطوط: ولا للمسموع ..
[ ٢٤٨ ]
جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر، وإلا كانت حجة عليه والله ليزداد بها إثما، ويزاد بها من الله سخطًا (^١)
جعلنا الله لآلائه من الشاكرين، ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين. (^٢) "
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ح (٢٢٤٥).
(٢) المنتظم ١٥/ ٢٨٠ - ٢٨٢.
[ ٢٤٩ ]