ثم الإيمان بأنَّ الله جل ذكره واحد لا يشبهه شيء. ولا نشبه صفاته، ولا نكيفه، ولا يُكيف صفاته وهم، وأن ما وقع في الوهم فالله وراء ذلك.
وأنه حي بحياة. عالم بعلم. قادر بقدرة. سميع بسمع. بصير ببصر. متكلم بكلام. مريد بإرادة. آمر بأمر. ناهي (٢) بنهي. ونقرّ بأنه خلق آدم بيده لقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] . وأن له يمينًا بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦] وإن له وجها بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾
_________________
(١) لم يتبين لي مقصود المؤلف بدقة، ولعله ﵀ يقصد أن الله تعالى لا يمكن أن تفارقه صفة الكلام لأنه ﷾ متكلم منذ الأزل متى شاء وكيف شاء، وإن الله يحدث من أمره ما شاء في الكلام كما قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾] الأنبياء: ٢] وقال ابن كثير في تفسيره: (محدث) أي جديد إنزاله. انظر تفسير القرآن العظيم (٢٣١/٣) ط مؤسسة الريان.
(٢) كذا في الأصل. والصواب (ناهٍ) .
[ ٢٥ ]
[القصص: ٨٨] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ: "حتى يضع الرب فيها قدمه" يعني: جهنم. رواه أحمد (١) والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وغيرهم.
وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا بقول رسول الله صلى الله عليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (٢) وهذا لفظ البخاري. وقد روى حديث النزول أحمد ومالك والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني وأئمة المسلمين. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن بقول رسول الله ﷺ:"يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل. ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد" (٣) رواه البخاري وغيره ونقر بأن لله نفسًا لا كالنفوس بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] . وروى البخاري بإسناده عن
_________________
(١) أحمد: مسند أنس (٢١/٣٩١) ح (١٣٩٦٨)، والبخاري: كتاب التفسير (٣/٢٩٦) ح (٤٨٤٨) وفي رواية له "حتى يضع رجله" (٣/٢٩٦) ح (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة (٤/٢١٨٦) ح (٢٨٤٦) .
(٢) أحمد: مسند أبى هريرة (١٦/٢١١) ح (١٠٣١٣) والبخاري: كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١/٣٥٦) ح (١١٤٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل (١/٥٢١) ح (٧٥٨)، والترمذي: كتاب الدعوات: باب ٧٩ (٥/٤٩٢) ح (٤٩٨) وأبو داود: كتاب الصلاة: باب أي الليل أفضل (٢/٧٦) ح (١٣١٥) . وأخرجه مالك في الموطأ (١/٢١٤) وابن خزيمة في التوحيد (١٢٧)، والدارقطني في النزول (ص ١٠٢) .
(٣) البخاري: كتاب الجهاد والسير: باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل (٢/٣٣) ح (٢٨٢٦)، ومسلم: كتاب الإمارة: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/١٥٠٤) ح (١٨٩٠) .
[ ٢٦ ]
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿ أنا عند ظن عبدي (بي)، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " (١)
ونقر بأن الله على العرش استوى كذلك نطق به القرآن في سبع سور: في الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، وتنزيل السجدة، والحديد (٢) .
ونقر "بأن الرحمن خلق آدم على صورته " (٣) رواه أحمد بن حنبل وابن خزيمة وغيرهما.
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿وَيُحذّركُم اللهُ نفسهُ﴾ (٤/٣٨٤) ح (٧٤)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب الحث على ذكر الله تعالى (٤/٢٠٦١) ح (٢٦٧٥) والمخطوط بدون (بي) ..
(٢) جاء ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن، وهي كما يلي: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] . ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] . ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] . ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .
(٣) أحمد: مسند أبى هريرة (١٤/٤٥) ح (٨٢٩١)، البخاري كتاب الاستئذان (٤/١٣٥) ح (٦٢٢٧) قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام: هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. (بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، تحقيق: د. عبد الرحمن اليحيى (٢/٣٥٦» وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (٢/١٠٦» . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) ﴿إبطال التأويلات﴾ ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) أبطال التأويلات (١/٧٥) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث ص: ٢٦١] .
[ ٢٧ ]
وروي: "على صورة الرحمن " (١) .
رواه الدارقطني وأبو بكر النجاد (٢)
_________________
(١) ابن أبى عاصم في السنة (٢/٢٢٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٣٧١)، وابن خزيمة في التوحيد (١/٨٥) ح (٤١)، والآجري في الشريعة ص (٣١٥) . قال ابن حجر في الفتح (٥/١٨٣) (وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة أي على صورة الرحمن إذ المحفوظ في معظم طرقه (إن الله خلق آدم على صورته) ثم قال (وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه) . قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم - أيضًا - من طريق أبى يونس عن أبى هريرة بلفظ يرد التأويل الأول وقال: (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة الرحمن) وقال حرب الكرماني في كتاب سمعت إسحاق بن راهوية يقول: "صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن". وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبراني في كتاب "السنة": حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال كذب هو قول الجهمية، الفتح (٤/١٨٣) .
(٢) الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل البغدادي الحنبلي النجاد ولد سنة ٢٥٣هـ ومات سنة ٣٤٨هـ. السير (١٥/٥٠٢) ومختصر السير (٢/١٢٥) رقم (٣١٥٨) .
[ ٢٨ ]
وأبو عبد الله بن بطة (١) وغيرهم.
ونقرّ بأن لله إصبعًا روى عبد الله (٢) قال "جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال له: إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن. ثم يقول: أنا الملك. أنا الملك "قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا مما قال، وتصديقًا له، ثم قال رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (٣) أخرجه هبة الله الطبري والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي، ولفظه: أخبرني المبارك بن عبد الجبار الصيرفي في حلقة والدي ﵀ بجامع المنصور بإسناده عن عبد الله قال: "جاء يهودي إلى النبي صلى الله وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. قال فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه وقال ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَق قَدْرِهِ﴾ . قال أبو عيسى: هذا
_________________
(١) الإمام القدوة العابد الفقيه المحدث شيخ العراق أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة، توفي سنة ٣٨٧هـ. سير أعلام النبلاء (١٦/٥٢٩) ترجمة رقم (٣٨٩) .
(٢) عبد الله بن مسعود: الإمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري، البدري حليف بني زهرة، كان من السابقين الأولين. مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة ٣٢هـ عاش ثلاثًا وستين سنة. انظر السير (١/٤٦١-٥٠٠) .
(٣) البخاري: كتاب التفسير (٣/٢٨٥) ح (٤٨١١)، ومسلم: كتاب: صفات المنافقين (٢١٤٧٤) ح (٢٧٨٦)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن (٥ /٣٤٥) ح (٣٢٣٨) .
[ ٢٩ ]
حديث حسن صحيح. وفي لفظ آخر قال: "فضحك النبي صلى الله عليه تعجبا وتصديقًا " (١) .
وروى البخاري في صحيحه بإسناده في تفسير سورة (ن) (٢) عن أبي سعيد (٣) قال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا " (٤) .
وروى البخاري بإسناده عن أنس (٥) قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (٦) . وروى البخاري بإسناده عن عبد الله (٧) قال: "ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد (٤/٤٠٦) ح (٧٥١٣)،ومسلم (٤/٢١٤٨) ح (٢٧٨٦)، والترمذي (٥/٣٤٦) ح (٣٢٣٩) .
(٢) سورة القلم.
(٣) أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري، له ولأبيه صحبة استصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها مات بالمدينة سنة ٦٣، أو ٦٤ أو ٦٥. وقيل: سنة ٧٤ هـ.
(٤) البخاري: كتاب التفسير (٣/٣١٩) ح (٤٩١٩)، ومسلم: كتاب الإيمان (١/١٦٧) ح (١٨٣) بنحوه. ومعنى: طبقًا واحدًا. أي أن ظهره يصبح كأنه طبقة واحدة ليس فيها فقرات فيصبح كالجزء الصلب لا ينثني بعضه، ولا تعود فيه تلك المرونة التي كانت تتيح له السجود ومرونة الحركة.
(٥) أنس بن مالك ابن النضر، الإمام المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ مات سنة ٩٣هـ عن مئة وثلاث سنين. انظر السير (٣/٣٩٥-٤٠٦) .
(٦) البخاري: كتاب الدعوات (٤/١٥٤) ح (٦٣٠٩)، ومسلم: كتاب التوبة (٤/٢١٠٤) ح (٢٧٤٧) بنحوه، وفي الباب عن أبي هريرة والنعمان بن بشير والبراء بن عازب عند مسلم بنحوه.
(٧) عبد الله بن عمر بن الخطاب: الإمام القدوة، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني، أسلم وهو صغير، وكان ممن بايع تحت الشجرة، توفي سنة ٨٣ هـ، انظر السير (٣/٢٠٣-٢٣٩)
[ ٣٠ ]
فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور. وأشار بيده إلى عينه. وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية " (١) .