ندعي أن بعثة الأنبياء جائز، وليس بمحال ولا واجب، وقالت المعتزلة إنه واجب، وقد سبق وجه الرد عليهم. وقالت البراهمة إنه محال، وبرهان الجواز أنه مهما قام الدليل على أن الله تعالى متكلم وقام الدليل على أنه قادر لا يعجز على أن يدل على كلام النفس بخلق ألفاظ وأصوات ورقوم أو غيرها من الدلالات، وقد قام دليل على جواز إرسال الرسل، فإنا لسنا نعني به إلا أن يقوم بذات الله تعالى خبر عن الأمر النافع في الآخرة والأمر الضار بحكم إجراء العادة، ويصدر منه فعل هو دلالة الشخص على ذلك الخبر وعلى أمره بتبليغ الخبر، ويصدر منه فعل خارق للعادة مقرونًا
[ ١٠٤ ]
بدعوى ذلك الشخص الرسالة، فليس شيء من ذلك محالًا لذاته، فإنه يرجع إلى كلام النفس وإلى اختراع ما هو دلالة على الكلام وما هو مصدق للرسول وإن حكم باستحالة ذلك من حيث الاستقباح والاستحسان، فقد استأصلنا هذا الأصل في حق الله تعالى ثم لا يمكن أن يدعي قبح إرسال الرسول على قانون الاستقباح، فالمعتزلة مع المصير إلى ذلك لم يستقبحوا هذا فليس إدراك قبحه ولا إدراك امتناعه في ذاته ضروريًا فلا بد من ذكر سببه. وغاية ما هو به ثلاثة شبه: الأولى: قولهم: إنه لو بعث النبي بما تقتضيه العقول ففي العقول غنية عنه وبعثة الرسول عبث، وذلك وعلى الله محال، وإن بعث بما يخالف العقول استحال التصديق والقبول.
الثانية: إنه يستحيل العبث لأنه يستحيل تعريف صدقه، لأن الله تعالى لو شافه الخلق بتصديقه وكلمهم جهارًا فلا حاجة إلى رسول، وإن لم يشافه به فغايته الدلالة على صدقه بفعل خارق للعادة، ولا يتميز ذلك عن السحر والطلسمات وعجائب الخواص وهي خارقة للعادات عند من لا يعرفها، وإذا استويا في خرق العادة لم يؤمن ذلك فلا يحصل العلم بالتصديق.
الثالثة: إنه إن عرف تمييزها عن السحر والطلسمات والتخيلات فمن أين يعرف الصدق؟ ولعل الله تعالى أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه ولعل كل ما قال النبي إنه مسعد فهو مشقي، وكلما قال مشقي فهو مسعد، ولكن الله أراد أن يسوقنا إلى الهلاك ويغوينا بقول الرسول، فإن الإضلال والإغواء غير محال على الله تعالى عندكم، إذ العقل لا يحسن ولا يقبح؛ وهذه أقوى شبهة ينبغي أن يجادل بها المعتزلي عند رومه إلزام القول بتقبيح العقل، إذ يقول: إن لم يكن الاغواء قبيحًا فلا يعرف صدق الرسل قط ولا يعلم أنه ليس باضلال. والجواب أن نقول:
أما الشبهة الأولى فضعيفة؛ فإن النبي ﷺ يرد مخبرًا بما لا تشتغل العقول بمعرفته، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف، فإن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد، ولا يفرق بين المشقى والمسعد، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير، ولكنه إذا عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء والدواء، ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أُخر، فكذلك يستدل على صدق الرسول ﵇ بمعجزات وقرائن وحالات فلا فرق.
فأما الشبهة الثانية، وهو عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخيل، فليس كذلك. فإن أحدًا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى، وقلب العصا ثعبانًا،
[ ١٠٥ ]
وفلق القمر، وشق البحر، وإبراء الأكمه والأبرص، وأمثال ذلك. والقول الوجيز إن هذا القائل إن ادعى أن كل مقدور لله تعالى فهو ممكن تحصيله بالسحر فهو قول معلوم الاستحالة بالضرورة، وإن فرق بين فعل قوم وفعل قوم فقد تصور تصديق الرسول بما يعلم أنه ليس من السحر ويبقى النظر بعده في أعيان الرسل ﵈ وآحاد المعجزات وأن ما أظهروه من جنس ما يمكن تحصيله بالسحر أم لا، ومهما وقع الشك فيه لم يحصل التصديق به ما لم يتحد به النبي على ملأ من أكابر السحرة ولم يمهلهم مدة المعارضة ولم يعجزوا عنه، وليس الآن من غرضنا آحاد المعجزات.
وأما الشبهة الثالثة، وهو تصور الإغواء من الله تعالى والتشكيك لسبب ذلك، فنقول: مهما علم وجه دلالة المعجزة على صدق النبي، علم أن ذلك مأمون عليه، وذلك بأن يعرف الرسالة ومعناها ويعرف وجه الدلالة فنقول: لو تحدى إنسان بين يدي ملك على جنده أنه رسول الملك إليهم وأن الملك أوجب طاعته عليهم في قسمة الأرزاق والاقطاعات، فطالبوه بالبرهان والملك ساكت، فقال: أيها الملك إن كنت صادقًا في ما ادعيته فصدقني بأن تقوم على سريرك ثلاث مرات على التوالي وتقعد على خلاف عادتك؛ فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ثلاث مرات ثم قعد، حصل للحاضرين على ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ببالهم أن هذا الملك من عادته الإغواء أم يستحيل في حقه ذلك. بل لو قال الملك صدقت وقد جعلت رسولًا ووكيلًا لعلم أنه وكيل ورسول، فإذا خالف العادة بفعله كان ذلك كقوله أنت رسولي، وهذا ابتداءً نصب وتولية وتفويض، ولا يتصور الكذب في التفويض وإنما يتصور في الإخبار، والعلم يكون هذا تصديقًا وتفويضًا ضروريًا، ولذلك لم ينكر أحد صدق الأنبياء من هذه الجهة، بل أنكروا كون ما جاء به الأنبياء خارقًا للعادة وحملوه على السحر والتلبيس أو أنكروا وجود رب متكلم آمر ناه مصدق مرسل، فأما من اعترف بجميع ذلك واعترف بكون المعجزة فعل الله تعالى حصل له العلم الضروري بالتصديق. فإن قيل: فهب أنهم رأوا الله تعالى بأعينهم وسمعوه بآذانهم وهو يقول هذا رسولي ليخبركم بطريق سعادتكم وشقاوتكم، فما الذي يؤمنكم أنه أغوى الرسول والمرسل إليه وأخبر عن المشقى بأنه مسعد وعن المسعد بأنه مشقى فإن ذلك غير محال إذا لم تقولوا بتقبيح العقول؟ بل لو قدر عدم الرسول ولكن قال الله تعالى شفاهًا وعيانًا ومشاهدة: نجاتكم في الصوم والصلاة والزكاة وهلاككم في تركها، فبم نعلم صدقه؟ فلعله يلبس علينا ليغوينا ويهلكنا، فإن الكذب عندكم ليس قبيحًا لعينه وإن كان قبيحًا فلا يمتنع على الله تعالى ما هو قبيح وظلم، وما فيه فيه هلاك الخلق أجمعين.
[ ١٠٦ ]