٥٨ - وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح، وأبو داود في السنن، وغيرهما من الأئمة: " أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم "١، وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال.
وأجمع القائلون بالأخبار، والمؤمنون بالآثار، أن رسول الله ﷺ أسري به إلى [فوق] ٢ سبع سماوات، ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن
_________________
(١) ١ مسلم، كتاب الإيمان، باب «بيان الإيمان والإسلام والإحسان» ح «٨» ١/٣٦، وأبو داود، باب «في القدر» ح «٤٦٩٥» ٥/٦٩-٧٣، وابن ماجه، المقدمة، باب «في الإيمان» ح «٦٣» ١/٢٤، وأحمد في المسند ١/٢٧، ومواضع كثيرة منه. ٢ من [ل] .
[ ١٥٥ ]
الإسراء في ليلة والمعراج [في ليلة] ١ فقد غلط، ومن قال: إنه منام وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٢.
٥٩ - وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر٣، وأنس بن مالك، ومالك بن صعصعة٤، وجابر بن عبد الله، وشداد بن أوس٥،
_________________
(١) ١ في [ل]: [في أخرى] . ٢ سورة الإسراء/ ١. ٣ اسمه جندب بن جنادة، ويقال: جندب بن سكن، وقيل أيضًا: برير بن جنادة، وجندب بن جنادة أشهر، وقائلوه أكثر. انظر: الأسماء المبهمة للخطيب البغدادي ص٤٦. ٤ مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن غنم بن عدي بن عامر بن عدي بن النجار الأنصاري، حدث أنس بن مالك عنه عن النبي ﷺ بقصة الإسراء، قال البغوي: سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ حديثين. الإصابة ٥/٧٢٨. ٥ شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، أبو يعلى ويقال أبو عبد الرحمن، روى عن النبي ﷺ وعن كعب الأحبار، قال خالد بن معدان: لم يبق من أصحاب رسول الله ﷺ بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه، ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. توفي سنة ٥٨، وقيل غيرها. الإصابة ٣/٣١٩، وانظر طبقات ابن سعد ٢/٣٧٤.
[ ١٥٦ ]
وغيرهم، كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل، مخرجة في الصحاح١.
_________________
(١) ١ الحديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب «المعراج»، ح «٣٨٨٧» ٣/٦٣، ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب «الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات» ح «١٦٢» ١/١٤٥، و«١٦٣» ١/١٤٨. ورواه الإمام ابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٣١» وذكر في نهايته قول الحافظ أبو الفضل بن ناصر ﵀ اتفق أئمة الحديث على صحة هذا الحديث وثبوته. وذكر الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٩٨ أن قصة الإسراء والمعراج متواترة، وقد أفردها بعض العلماء بالتأليف كما فعل السيوطي في كتابه «الآية الكبرى في المعراج والإسراء»، وجمع الإمام ابن كثير ﵀ طرق هذا الحديث في تفسير سورة الإسراء، ومنها الصحيح والحسن والضعيف. انظر تفسير القرآن العظيم ٥/٤-٣٩. اما مسألة الإسراء فقد حصل الخلاف فيها هل كان بالروح فقط، أم بالروح والبدن جميعًا، وهل كان ذلك يقظة أم منامًا؟ . إلا أن الحق في ذلك ما عليه جمهور علماء الأمة وأئمتها من أن الإسراء كان بالروح والبدن جميعًا، يقظة لا منامًا، واستدلوا لذلك بما يلي:
(٢) أن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الإسراء/١، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع.
(٣) أن ذلك جائز عقلًا، إذ لو جاز إستبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.
(٤) أن التسبيح في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ الآية، إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيئ ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان أسلم.
(٥) أنه ﷺ حمل على البراق، وهو دابة، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه. انظر شرح الطحاوية ١/٢٧٠، وتفسير ابن كثير ٥/٤٠-٤١، وزاد المعاد ٣/٤٠٤٢. أما قول المصنف ﵀: إن من قال إنه منام فقد كفر، فإنه وإن كان القول بأن الإسراء كان منامًا فيه مخالفة بيّنه وتكذيب واضح للأخبار التي رويت في الإسراء، فإن القول بتكفير قائله فيه نظر، لأنه لا يعدو كونه متأولًا مخطئًا، وإن كان خطؤه شنيعًا، ولذلك ذكر هذا القول الإمام الطبري في تفسيره، وتعقبه بالإنكار والتشنيع، لأن هذا خلاف سياق الأدلة من الكتاب والسنة، إلا أنه لم يُكَفّر أصحابه، ولم أجد من كفرهم سوى المصنف ﵀. راجع تفسير الطبري ١٥/١٧.
[ ١٥٧ ]