والإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، خلقتا للبقاء لا للفناء، وقد صح في ذلك أحاديث عدة١.
_________________
(١) ملكان أسودان أزرقا يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير " الحديث. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان رقم «٣١٠٧» ٥/٤٧-٤٨، وعلى نتيجة هذه المساءلة يترتب مصير الميت في قبره، إما منعمًا لمن ثبته الله، وإما معذبًا لمن زل فحار ولم يجب، نسأل الله التثبيت بفضله في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقد اختلف في هذه المسألة لمن تكون، فقيل إنها عامة في حق المسلمين والمنافقين والكفار، وقيل: بل تختص بالمسلم والمنافق، وهذا قول أبي عمر بن عبد البر حيث يقول: والآثار الدالة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق كان منسوبًا إلى أهل القبلة ودين الإسلام بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام فيثبت الله الذين آمنوا ويرتاب المبطلون. ذكر ذلك عن الإمام ابن القيم وعزاه إلى التمهيد ورده قائلًا: والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم. كتاب الروح ص١٢٣-١٢٤. وقد أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير الجهمية، ذكر ذلك ورد عليه الإمام أبو الحسين الملطي في التنبيه والرد ص١٢٤-١٢٥ فليراجع. ١ اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوفتان موجودتان الآن، وأن خلقهما سبق خلق آدم ﵇ واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، فقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أنه أعد الجنة وأعد النار فقال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران/١٣٣، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الحديد/٢١،
[ ١٧٦ ]
_________________
(١) وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ آل عمران/١٣١، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ النبأ/٢١-٢٢. ومن أوضح الأدلة وأصرحها على خلق الجنة قصة آدم ﵇، قال تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الأعراف/٩١، وقال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ الآية الأعراف/٥٧. وغير ذلك من الآيات الواردة في بيان قصة آدم ﵇ مع عدوه إبليس لعنه الله. أما من السنة: ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب «جامع الجنائز» ح «٤٧» ١/٢٣٩، ومن طريقه البخاري في كتاب الجنائز، باب «الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي» ح «١٣٧٩» ١/٤٤٣، ومسلم، كتاب الجنة، باب «عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه» ح «٢٨٦٦» ٤/٢١٩٩. وفي الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن عباس قال: " انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فذكر الحديث وفيه: فقالوا يارسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا
[ ١٧٧ ]
_________________
(١) كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء " الحديث. البخاري، كتاب الكسوف، باب «صلاة الكسوف جماعة»، ح «١٠٥٢» ١/٣٣١، ومسلم كتاب الكسوف، باب «ما عرض على النبي ﷺ في الكسوف من أمر الجنة والنار» ح «٩٠٧» ٢/٦٢٦، وغير ذلك من الأدلة. يقول الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن القرآن شاهد أن الله ﷿ خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم ﵇، خلق للجنة أهلًا وللنار أهلًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، لا يختلف في هذا من شمله الإسلام وذاق حلاوة طعم الإيمان، دل على ذلك القرآن والسنة. الشريعة ص٣٨٧. وعلى هذا سار السلف ﵏ لم يختلفوا في ذلك، حتى ظهرت القدرية والمعتزلة فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. شرح الطحاوية ٢/٦١٤-٦١٥. أما فناء الجنة والنار أو بقاؤهما فالقول الحق فيه: ما عليه جمهور الأئمة من السلف والخلف وهو القول ببقائهما، وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان، لأنهما
[ ١٧٨ ]
_________________
(١) خلقتا للبقاء لا للفناء. وأما ما روي عن بعض السلف من القول بفناء النار فهو - إن صح - قول ضعيف مرجوح لا دليل له، بل هو مخالف لما ثبت من أدلة قطعية من الكتاب والسنة تدل على بقاء النار أبد الآبدين، وبقاء أهلها ممن حق عليهم الخلود للعذاب فيها. فأما أبدية الجنة فمن أدلته قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ هود/١٠٨. وقد أكد الله تعالى خلود الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من كتابه وأخبر أنهم ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ الدخان/٥٦. وقال: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ الحجر/٤٨. والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله ﷺ: " من يدخل الجنة ينعم، لا ييأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه " مسلم، كتاب الجنة، باب «دوام نعيم أهل الجنة» ح «٢٨٣٦» ٤/٢١٨١. وقوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة: " ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف/٤٣ ". أخرجه مسلم في الموضع السابق ح «٢٨٣٧» وأحمد في المسند ٢/٣١٩، ٣/٣٨، ٩٥. وهذا لفظ مسلم. وأما أبدية النار فمن أدلته ما ورد من خلود بعض أهلها فيها، وتأبيدهم وعدم خروجهم منها، وأن عذابها مقيم، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾
[ ١٧٩ ]