وأنه ﷺ رأى ربه ﷿ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة النجم/ ١٣-١٤.
[ ١٥٨ ]
٦٠ - قال الإمام أحمد في ما روينا عنه: وأن النبي ﷺ رأى ﷿، فإنه مأثور عن النبي ﷺ، صحيح رواه قتادة عكرمة عن ابن عباس١. [ورواه الحكم بن إبان عن عكرمة عن ابن عباس] ٢، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس٣. والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا٤.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥، ٢٩٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٣ رقم «٨٩٧»، وأورده الإمام ابن كثير في التفسير وقال: إسناده على شرط الصحيح. تفسير القرآن العظيم ٧/٤٢٥. ٢ ما بين القوسين لا يوجد في [ل] . وهذه الرواية عند الترمذي كتاب التفسير، باب «ومن سورة النجم»، ح «٣٢٧٩» ٥/٣٩٥، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٧» وقال: وفيه كلام. قال الألباني: ورجاله ثقات لكن الحكم بن أبان فيه ضعف من جهة حفظه. ٣ لم أجد هذه الرواية. ٤ إلى هنا انتهى كلام الإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٢٢٣، بسنده إلى عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: وذكر عقيدته، ومنها هذا الكلام الذي أورده المصنف هنا. ولكن
[ ١٥٩ ]
_________________
(١) هل ما اختاره المصنف هنا وعزاه إلى الإمام أحمد هو القول الراجح أم غيره؟ يقول الإمام أبو بكر ابن خزيمة ﵀: أهل قبلتنا من الصحابة والتابعات والتابعين، ومن بعدهم إلى من شاهدنا من العلماء من أهل عصرنا، لم يختلفوا، ولم يشكوا، ولم يرتابوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم القيامة عيانًا، وإنما اختلف العلماء هل رأى النبي ﷺ خالقه ﷿ قبل نزول المنية؟ التوحيد ص٢٢١. أقول: كان هذا الاختلاف الذي يشير إليه الإمام ابن خزيمة على قولين:
(٢) أن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه في الدنيا، وهو رأي ابن عباس وأنس وعكرمة وغيرهم، وبه قال أبو الحسن الأشعري وجملة من أصحابه.
(٣) أنه ﷺ لم يره بعينه مع القول بإمكان الرؤية بدليل سؤال موسى الله تعالى أن يريه ذاته سبحانه، ولكنه لم يره لامتناعها في الدنيا. وممن قال بالمنع عائشة ﵂، وشددت النكير على أصحاب القول الأول، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، وقال بذلك أيضًا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. انظر: الشفا للقاضي عياض ١/٢٥٧-٢٦١. إلا أن الصحيح الذي تدل عليه الأدلة أن الرسول ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه في الدنيا، كما في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم، وفيه يقول أبو ذر ﵁: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه "، مسلم، كتاب الإيمان، باب «باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "» ح «٢٩١» ١/١٦١. وقد قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ ١٦٠ ]
_________________
(١) مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. والألفاظ الواردة عن ابن عباس ﵁ إما مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت لفظ صريح عن ابن عباس أنه رآه بعينه. انظر فتاوى ابن تيمية ٦/٥٠٩. ومما ورد عن ابن عباس مقيدًا ما رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ عن ابن عباس قال: " رآه بقلبه " رقم «١٧٦»، وفي رواية أخرى في نفس الموضع عن أبي العالية عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال " رآه بفؤاد مرتين " فهذا مقيد، والمطلق محمول على المقيد. فما ذكره المصنف هنا من استدلال غير قاطع فيما يريد، بل الأدلة تدل على خلافه، وما روي عن الإمام أحمد ﵀ لا دليل فيه أيضًا، ولم يثبت عنه قطعًا القول برؤية العين، يقول الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول بفؤاده، ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه الرؤية بالعين. مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩. ومعول مثبتي الرؤية بالعين على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والإحتمال لها ممكن - كما قال القاضي عياض ﵀. شرح الطحاوية ص٩٢.
[ ١٦١ ]
٦١ - وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: " إن الله ﷿ اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدً ﷺ بالرؤية " ١.
٦٢ - وروى عطاء٢ عن ابن عباس قال: " رأى محمد ﷺ ربه
_________________
(١) ومن أراد المزيد حول هذه المسألة فليراجع تفسير ابن كثير ٧/٤١٩-٤٣٠، والتوحيد لابن خزيمة ص٢٢١-٢٣٠، وابن خزيمة من مناصري القول بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه. أما نفاة هذه الرؤية فيجيبون عن استدلال أصحاب الرأي الآخر بآية النجم بأن الرؤية الواردة فيها إنما هي رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير ٧/٤٢٦.١ أخرجه النسائي في كتاب التفسير من السنن الكبرى ح «١١٥٣٩» ٦/٤٧٢، قال الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨: إسناده صحيح وصححه الحاكم. ورواه ابن خزيمة في التوحيد ص١٩٩، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم «٥٧٧-٥٧٩» ١/٢٩٨-٢٩٩. وابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٦» ١/١٨٩، قال الألباني: إسناده صحيح موقوف أيضًا، رجاله ثقات على شرط البخاري وهو قول الحاكم في المستدرك ١/٦٥ ووافقه الذهبي. ٢ هو عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال من الثالثة، مات سنة اربع عشرة ومائة على أشهر الأقوال. التقريب ٢/٢٢، وسير أعلام النبلاء ٥/٧٨.
[ ١٦٢ ]
مرتين " ١.
٦٣ - وروي عن أحمد ﵀ أنه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵂: " من زعم أن محمدًا قد رأى ربه ﷿ "٢ الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ: " رأيت ربي ﷿ " ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص٢٠٠، وعبد الله بن أحمد في السنة رقم «١١٣٨» ٢/٤٩٥. قال المحقق: رجاله ثقات. وهناك رواية أخرى مقيدة عند مسلم بلفظ " رأى محمد ربه بفؤاده مرتين " وقد تقدم ذكرها قريبًا. ٢ يشير إلى حديث مسروق الذي قال فيه: " قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى به فقد كذب " الحديث. هذا لفظ البخاري، كتاب التفسير ح «٤٨٥٥» ٨/٦٠٦. وورد بألفاظ أخرى عند غيره. ٣ قول الإمام أحمد أورده الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨ وعزاه إلى الخلال في كتاب السنة. وذكره يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي في كتاب تحفة الوصول إلى علم الأصول ورقة ١٢ل «أ» مخطوط بمكتبة برلين، وزعم فيه إجماع الحنابلة على ذلك وفي هذه الدعوى نظر.
[ ١٦٣ ]