فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل١. ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة ٢ المردية الرَّدِيّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية.
[فمن صفات الله تعالى] ٣ التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه: أنه مستو على عرشه كما أخبر عن
_________________
(١) ١ يشير المصنف ﵀ إلى وجوب التمسك بالوحي، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، إذ لا بد من الإلتزام بالوحي منطوقًا ومفهومًا، فيثبت لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له الرسول ﷺ من غير تأويل ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، بل ينهج فيه منهج الوحي كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في جانب التنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في جانب الإثبات، فلا بد من الإثبات مع قطع الطمع عن إدارك الكيفية. ٢ البدعة هي: الأمر المحدث المخالف للسنة الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي. التعريفات للجرجاني ص٤٣. ٣ في [ل]: [فمن صفاته ﷿] .
[ ٨٠ ]
نفسه فقال [عز من قائل] ١ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣. وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ ٤ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٧. وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا
_________________
(١) ١ في [ل]: [﷿] . ٢ سورة الأعراف /٥٤. ٣ سورة يونس /٣. ٤ في [ل]: [خلق] وهو خطأ. ٥ سورة الرعد /٢. ٦ سورة طه /٥. ٧ سورة الفرقان /٥٩.
[ ٨١ ]
يْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١. وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. فهذه سبعة مواضع أخبر [الله] ٣ فيها سبحانه أنه على العرش.
٢ - وروى أبو هريرة٤ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ﷿ كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو عنده فوق العرش" ٥.
_________________
(١) ١ سورة السجدة /٤. ٢ سورة الحديد /٤. ٣ لا يوجد في [ل] . ٤ اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو عشرين قولًا، فقيل عمير بن عامر، وقيل عبد الرحمن، وقيل عبدشمس، وقيل غير ذلك، وقد اشتهر بكنيته، وهو من أشهر صحابة رسول الله ﷺ وأكثرهم تحديثًا عنه. انظر: الاستغناء ١/٣٤٦. ٥ متفق عليه. انظر صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «وهو الذي يبدأ الخلق» ح «٣١٩٤» ٢/٤١٩، وكتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٢» ٤/٣٨٨، وباب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٤» ١٣/٣٨٣، ومواضع أخرى غيرها. وصحيح مسلم، كتاب التوبة، «باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه»
[ ٨٢ ]
_________________
(١) ح «٢٧٥١» ٤/٢١٠٧. ورواه أيضًا أحمد في المسند ٢/٣٥٨، ٣٨١، وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٨» ١/٢٧٠. وابن ماجه في كتاب الزهد من سننه، باب ما يرجي من رحمة الله يوم القيامة ح «٤٢٩٥» ٢/١٤٣٥. وابن خزيمة في التوحيد ص٥٨، والآجري في الشريعة ص٢٩٠. وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين ح «١٢» ص٥٥. وابن قدامة في إثبات صفة العلو ح «١٨» ص١٠٤. وهذا الحديث يدل على إثبات صفتين أخريين هما: صفة الرحمة، وصفة الغضب، وهما ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة. فأما صفة الرحمة فيدل على إثباتها من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة غافر ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وفي سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . وفي سورة الأنعام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدًا. أما من السنة فهناك أحاديث كثيرة منها ما أورد المصنف في هذا الكتاب وستأتي، ومنها حديث أسامة عند البخاري " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " ح «٧٤٤٨» ٤/٣٩٤، وحديث أبي هريرة المتفق عليه في اختصام الجنة والنار وفيه: " فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي " وغيرها من الأحاديث. أما صفة الغضب فقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ . وقال في سورة الفتح: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ . وقال في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . وغيرها. أما من السنة فورد بإثباتها أحاديث أخرى غير هذا الحديث، فمنها حديث
[ ٨٣ ]
٣ - وروى العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ ذكر سبع سموات وما [بينها] ١ ثم قال: " وفوق ذلك بحر بين [أعلاه وأسلفه] ٢، كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك " ٣. رواه أبو داود، والترمذي
_________________
(١) أبي قتادة ﵁ عند مسلم رقم «١١٦٢» وفيه: " فغضب رسول الله ﷺ فلما رآى عمر ﵁ غضبه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا. نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله " الحديث. وحديث عائشة ﵂ عند البخاري رقم «٦٤٠١» وفيه: أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السامُ عليك. قال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله ﷺ: مهلًا ياعائشة " الحديث. وغيرها من الأحاديث التي تدل على إثبات هذه الصفة. فهاتان الصفتان ثابتتان لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا رحمته تشبه رحمة المخلوقين ولا غضبه يشبه غضبهم. ١ في [ل]: [وما بينهما] . ٢ في [ل]: [بين أسفله وأعلاه] . ٣ سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، ح «٤٧٢٣» ٥/٩٣، وسنن الترمذي، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الحاقة» ح «٣٣٢٠» ٥/٤٢٤،
[ ٨٤ ]
وابن ماجه القزويني.
٤ - وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ، ومالك بن أنس في قوله [﷿] ١: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر٢.
_________________
(١) وقال: هذا حديث حسن غريب. وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٩٣» ١/٦٩. ورواه أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص ١٠١-١٠٢. وابن أبي عاصم في كتاب السنة، ح «٥٧٧» ١/٢٥٣، وأحمد في المسند ١/٢٠٦-٢٠٧. وأورده الذهبي في العلو ص ٥٠ وقال: تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة. أهـ. وحكم الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث السنة لابن أبي عاصم بضعف إسناده. ١ في [ل]: [تعالى] . ٢ أخرجه عن أم سلمة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٣» ٢/٣٩٧، وأشار إلى قولها ابن حجر في الفتح ١٣/٤٠٦، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ٥/٣٦٥ حيث قال: رُوي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. وأخرجه الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن
[ ٨٥ ]
_________________
(١) مجموعة الرسائل المنيرية ١/١١٠، وأورده الذهبي في العلو ص٦٥ وقال: فأما عن أم سلمة فلا يصح. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٦٧» ص١٧٦. أما قول الإمام مالك فثابت عنه، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٥١٦ من طريقين، وذكره الحافظ في الفتح ١٣/٤٠٦-٤٠٧ وحكم بأن إسناده جيد. ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٤» ٢/٣٩٨، وأبوعثمان الصابوني في عقيدة السلف ضمن الرسائل المنيرية ١/١١١، وأبو نعيم في الحلية ٦/٣٢٥، والدارمي في الرد على الجهمية ص٢٧، والذهبي في العلو ص١٠٣ وقال: " وهذا ثابت عن مالك ". وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٨» ص١٩٤. قال الإمام ابن تيمية معلقًا على قول مالك: وكلام مالك صريح في إثبات الإستواء، وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بَدّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم استواءه، وليس كل ما كان معلومًا وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا. مجموع الفتاوى ٥/١٨١. وقد روى مثل هذا القول عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة. وإن من أعجب العجب أن نرى كثيرًا من أصحاب مالك - المتأخرين - فارقوا عقيدته، ودانوا بغيرها، فسلكوا مسلك الأشاعرة في منهجهم العقدي الذي يتسم بمخالفة منطوق الوحي، خاصة ما يتعلق بمسائل الصفات.
[ ٨٦ ]