وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول١.
_________________
(١) وعلماؤنا جميعًا في الأقطار: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيئ أدركه بصره، محجوب عنه أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال، فنفى عنه الهلاك والفناء ". كتاب التوحيد ص٢٢-٢٣ ١يشير إلى دعوى الذين أولوا صفة النزول بنفي حقيقة هذه الصفة، مدعين أنهم إنما فعلوا ذلك لأن الإثبات الحقيقي يتنافى مع مقصد التنزيه، وأن التنزيه يقتضي نفي هذه الحقيقة. وكذا القائلين بالتفويض لجزمهم بنفي حقيقة النزول مع تفويضهم المعنى. وهذه العبارة مما أخذه المبتدعة على الإمام عبد الغني وشنعوا عليه بها، ورد عليهم الحافظ ابن رجب بقوله: إن صح هذا عنه فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك. ذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣.
[ ١٠٠ ]
١٦ - فروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر " ١. وفي لفظ: " ينزل الله ﷿ " ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة ولا نزول الملك.
_________________
(١) ١ رواه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، ح «٣٠» ١/٢١٤، وعنه رواه البخاري في كتاب التهجد من صحيحه باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح «١١٤٥» ١/٣٥٦، وكتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، ح «٦٣٢١» ٤/١٥٧. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ح «٧٤٩٤» ٤/٤٠٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ح «٧٥٨» ١/٥٢١. وأحمد في عدة مواضع من مسنده، انظر مثلًا٢/٢٦٤، ٢٦٧، وغيرها، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الرد على الجهمية ح «٤٧٣٣» ٥/١٠٠-١٠١. والترمذي في كتاب الدعوات. ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦. وابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل ح «١٣٦٦» ١/٤٣٥.
[ ١٠١ ]
١٧ - لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح١ عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يضئ الفجر " ٢.
١٨ - وروى رفاعة بن عرابة الجهني٣ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، ينزل الله ﷿ إلى
_________________
(١) ١ سهيل بن ابي صالح، ذكوان السّمان، أبو يزيد المدني، صدوق، تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور. تقريب التهذيب ١/٣٣٨. ٢ هذه أحدى طرق الحديث السابق عند مسلم ١/٥٢٢. ورواه أيضًا الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب ﷿ إلى السماء الدنيا كل ليلة ح «٤٤٦» ٢/٣٠٧. ٣ هو رفاعة بن عَرابة، وقيل عَراده الجهني المدني: قال الترمذي: عَرادَة وهم، وقال ابن حبان: عرادة جده، فمن قال: ابن عرادة نسبة إلى جده. وذكر ابن حجر صحابيًا آخر اسمه: رفاعة بن عرادة العذري. الإصابة ٢/٤٩٣، وانظر التاريخ الكبير للبخاري ٣/٣٢١.
[ ١٠٢ ]
السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني أستجيب له، من ذا الذي يسألني أعطيه. حتى ينفجر الصبح " رواه الإمام أحمد١.
_________________
(١) ١ انظر مسند أحمد ٤/١٦، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أقضل، ح «١٣٦٧» ١/٥٣٥، والرد على الجهمية للدارمي ضمن مجموعة عقائد السلف ص٣٧٨. فهذه روايات ثلاث في وقت النزول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته هو: " إذا بقي ثلت الليل الآخر "، وأما رواية النصف والثلثين، فانفرد به مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " وقد روي عن النبي ﷺ من رواية جماعة كثيرة من الصحابة فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " فإن كان النبي ﷺ قد ذكر النزول أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول، وإذا انتصف الليل، فقوله حق، وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة شرح حديث النزول ص١٠٧-١٠٨. فالأخبار المثبتة لصفة النزول متواترة كما ذكر المصنف، وكما أوردت في كلام الإمام ابن تيمية السابق، ويقول ابن عبد البر عن حديث النزول: إنه
[ ١٠٣ ]
_________________
(١) حديث كثير الطرق متواتر من جهة النقل. التمهيد ٧/١٢٨. ولذلك اتفق السلف على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فنزوله سبحانه لا يشبه نزول المخلوق، فهو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه في سبعة مواضع من كتابه، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولا مناقاة بين نزوله سبحانه واستوائه على عرشه، لأنه سبحانه ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، لا نعلم كيفيته ولا ندرك كنهه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا ما يجب اعتقاده من حديث النزول: " اتفق سلف الأمة وأئمتها، وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول، ومن قال ما قاله الرسول ﷺ فقوله حق وصدق، وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني، كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، والنبي ﷺ قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليعًا عامًا، لم يخص به أحدًا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكان الصحابة والتابعون تذكره، وتأثره، وتبلغه، وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة، كصحيحي البخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وأمثال ذلك من كتب المسلمين، ولكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد
[ ١٠٤ ]
_________________
(١) أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه ﷾ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات ". شرح حديث النزول ص٥. وقال الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: " الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة. وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يَحْذَرونه ويُحَذّرن منه. الشريعة ص٣٠٦. ويقول إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن يصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين إليه حاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق السماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليها، إذ محال في لغة العرب أن يقول: ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى إلى
[ ١٠٥ ]
وهاذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل.
وروى حديث النزول علي بن أبي طالب١ وعبد الله
_________________
(١) أسفل. التوحيد ١٢٥-١٢٦ هذا هو مذهب السلف في صفة النزول وهو شأن مذهبهم في بقية الصفات إثبات من غير تشبيه ولا تعطيل، والأمر كما قال المصنف هنا-أعني المقدسي- نحن مؤمنون بذلك مصدقوم من غير أن نصف له كيفية أو نشبهه بنزول المخلوقين. أما المتكلمون فقد غلبت عليهم شقوتهم فنحوا بهذه الصفة فنحاهم ببقية الصفات واختاروا جانب التأويل حيث أولوا نزول الله تعالى بنزول أمره ورحمته، وهو ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن سار على طريقتهم، وقالت جماعة أخرى بالتفويض كما هو رأي بعض محدثي الأشاعرة كالبيهقي والخطابي. انظر: الأسماء والصفات للبيهقيص٤٩٦، زمعالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود ٥/١٠١ ١ انظر روايته عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٨» ٣/٤٣٧، وابن ماجه مقيدًا بليلة النصف من شعبان، ح «١٣٨٨» ١/٤٤٤.
[ ١٠٦ ]
ابن مسعود١ وجبير بن مطعم٢ وجابر بن عبد الله٣، وأبو سعيد الخدري٤، وعمرو بن عبسه٥،
_________________
(١) ١ انظر روايته عند أحمد في المسند ١/٣٨٨، ٤٠٣، والشريعة للآجري ص٣١٢، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٧» ٣/٤٤٣. ٢ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبدمناف بن قُصي، شيخ قريش في زمانه من الطلقاء الذين حسن أسلامهم. سير أعلام النبلاء ٣/٩٥. انظر حديثه في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٩» ٣/٤٤٣، والسنة لابن أبي عاصم ح «٥٠٧» ١/٢٢٢، قال المحقق الشيخ الألباني: صحيح على شرط مسلم، ومسند أحمد ٤/٨١، وسنن الدارمي ١/٣٤٧، والتوحيد لابن خزيمة ١/٣١٥. ٣ انظر روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥١» ٣/٣٣٩، والتوحيد لابن خزيمة ١/٢٩٦. ٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٦» ٣/٤٣٦، والسنة لابن ابي عاصم ح «٥٠٠-٥٠١»، وسنن الترمذي ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦. ٥ هو عمرو بن عَبَسة بن خالد بن حذيفة، أبو نجيح السلمي البجلي، أحد السابقين، كان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. السير ٢/٤٥٦. انظر حديثه في مسند أحمد ٤/٣٨٥، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٦١» ٣/٤٤٥
[ ١٠٧ ]
وأبو الدرداء١، وعثمان بن أبي العاص٢، ومعاذ بن جبل٣، وأم سلمة زوج٤ [رسول الله] ٥ ﷺ، وخلق سواهم.
ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية،
_________________
(١) ١ انظر التوحيد لابن خزيمة ١/٣٢٣، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٦» ٣/٤٤٢. ٢ عثمان بن أبي العاص، أبو عبد الله الثقفي الطائفي، قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ سنة تسع فأسلم، توفي ﵁ سنة ٥١هـ. انظر التاريخ الكبير ٦/٢١٢، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٧٤، وانظر روايته عند أحمد في المسند ٤/٢٢، ٢١٧، وابن خزيمة في التوحيد ص١٣٥. ٣ انظر روايته عند ابن أبي عاصم في السنة ح «٥١٢» ١/٢٢٤. ٤ انظر شرح أصول اعتقاد اهل السنة ح «٧٦٧-٧٦٨» ٣/٤٥٠. وهذه الروايات وإن كان في أسانيد بعضها ضعف إلا أن منها ما اتفق عليه الشيخان، ومنها مالم يتفقا عليه أو لم يخرجاه أصلًا ولكن حكم أئمة الحديث بصحته. وقد ذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٤٣٤ أن حديث النزول رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا فهي لكثرتها التي بلغت حد التواتر - كما تقدم - تجعل المسألة من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، لا يسع أحدًا المكابرة فيها، إلا من غلب عليه الهوى وتردى في هوة الضلال والعياذ بالله. ٥ في [ل]: [النبي] .
[ ١٠٨ ]
أو نشبهه بنزول [المخلوقين] ١.
١٩ - وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني عن النزول - فقال: ينزل بلا كيف٢.
٢٠ - وقال محمد بن الحسن الشيباني٣ - صاحبه ـ: " الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث٤ أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها "٥.
_________________
(١) ١ في [ل]: [المخلوقون] . ٢ انظر الأسماء والصفات للبيهقي ص٥٧٢. ٣ هو محمد بن الحسن بن فَرقد، فقيه العراق، أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم على القاضي أبي يوسف. كان الشافعي يقول عنه: كتبت عنه وِقْر بخْتي، وما ناظرت سمينًا أذكى منه. توفي بالري سنة «١٨٩» . انظر: سير أعلام النبلاء ٩/١٣٤، وشذرات الذهب ١/٣٢٥. ٤ من بداية كلام الحسن إلى هنا مكرر في [ل] . ٥ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٤١» ٣/٤٣٣. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٢» ص١٧٠، والذهبي في العلو ص١١٣.
[ ١٠٩ ]
٢١ - وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل١ قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًا يقص بحديث النزول فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، فارتعد أبي ﵀ واصفر لونه، [ولزم] ٢ يدي، وأمسكته حتى سكن ثم قال: قف بنا على هذا [المتخوض] ٣، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه ﷿ منك، قل كما قال رسول الله ﷺ. وانصرف٤.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن أحمد بن محمد حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن ولد الإمام، من الثانية عشرة، قال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتًا فهمًا. وقال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد. مات سنة «٢٩٠هـ» . انظر تقريب التهذيب ٢/٤٠١، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٦٥. ٢ في [ل]: [وأمسك] . ٣ في [ل]: [المتخرص] . ٤ لم أجد ذكرًا لهذه القصة فيما اطلعت عليه من مظانها.
[ ١١٠ ]
٢٢ - قال حنبل١: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمضي الحديث على ما روى بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب٢.
٢٣ - وقال [الإمام] ٣ إسحاق بن راهويه٤: قال لي الأمير عبد الله
_________________
(١) ١ حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو علي الشيباني، الحافظ الثقة، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. توفي سنة «٢٧٣» . انظر: تذكرة الحفاظ ٢/٦٠٠. ٢ روى هذه القصة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٧» ٣/٤٥٣. ٣ من [ل] . ٤ الإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحفاظ، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو يعقوب الحنظلي، ولد سنة ١٦٣، وتوفي سنة «٢٣٨» وقيل غير ذلك. انظر السير ١١/٣٥٨، وطبقات الحنابلة ١/١٠٩، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٣٧٩.
[ ١١١ ]
ابن طاهر١: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٢: ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا. كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب ﷿ كيف، إنما ينزل بلا كيف٣، ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع٤.
ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
_________________
(١) ١ عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء، أبو العباس، أمير خراسان، من أشهر الولاة في العصر العباسي، للمؤرخين إعجاب بأعماله وثناء عليه. قال ابن خلكان: كان عبد الله سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهمًا، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه. انظر وفيات الأعيان ٣/٨٣، والأعلام للزركلي ٤/٢٢٦. ٢ لا توجد في [ل] . ٣ ذكره بنحوه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٤» ٣/٤٥٢، وأورده الذهبي في العلو ص١٣٢. وانظر مختصره للألباني ص١٩٣، وشرح حديث النزول لابن تيمية ص٥١. ٤ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة أقوال في هذه المسألة حيث قال: وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال: منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش. وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش. شرح حديث النزول ص٤٣. ثم قال شيخ الإسلام - بعد أن بسط الكلام في هذه المسألة ـ: فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه. شرح حديث النزول ص٥٤. وقد أورد الذهبي في كتاب العلو ص١٣٢ قول الإمام إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام، فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قلت: فلم تتلكم في هذا؟ قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: إسناده صحيح، ثم عقب عليه بقوله: في قول إسحاق ﵀: " يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش " إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر. وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه تعالى لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصواب. مختصر كتاب العلو ص١٩٢-١٩٣.
[ ١١٢ ]