ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
[ ١١٢ ]
المصطفى الأمين: اليدان
[ ١١٣ ]
قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١. وقال ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢.
٢٤ - وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا [من الجنة] ٣. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٤؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره [الله] ٥ علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال [النبي ﷺ] ٦: فحج آدم موسى٧.
_________________
(١) ١ سورة المائدة/ ٦٤. ٢ سورة ص/ ٧٥. ٣ من [ل] . ٤ سورة طه/ ١٢١. ٥ من [ل] . ٦ لا يوجد في [ل] . ٧ رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، انظر كتاب التفسير باب «واصطفتك لنفسي» ح «٤٧٣٦»، «وباب ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾» ح «٤٧٣٨» ٣/٢٦٠. وكتاب القدر، باب «تحاج آدم وموسى» ح «٦٦١٤»
[ ١١٤ ]
_________________
(١) ٤/٢١٢، وكتاب التوحيد، باب «ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾» ح «٧٥١٥» ٤/٤٠٧. ومسلم، كتاب القدر، باب «احتجاج آدم وموسى ﵉»، ح «٢٦٥٢» ٤/٢٠٤٢، ٢٠٤٣. وأبو داود في سننه، كتاب السنة ح «٤٧٠١» ٥/٧٦. والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى ح «٢١٣٤» ٤/٤٤٤. وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر ح «٨٠» ١/٣١. هذا الحديث الذي أورده المصنف دليلًا على إثبات صفة اليد، هو دليل أيضًا على إثبات القدر. وقد استدل به بعض المبتدعة على الاحتجاج بالقدر. ولذلك علق عليه الإمام ابن تيمية ﵀ في معرض رده على أصحاب هذا الاتجاه فقال: " وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء، جعلوه حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا، ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل. ثم قال: ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇ لم يلم أباه لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من
[ ١١٥ ]
فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين
_________________
(١) الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من العائب ". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١١٥، وانظر التدمرية ص٢٣٠. ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في معرض كلامه عن هذا الحديث: وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة، كأبي علي الجبائي، ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الامر، أو فعل النهي، إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم ولم يزل أهل الكلام المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة، وعقائدهم الفاسدة. شفاء العليل ص٢٩. ثم أورد ﵀ الاتجاهات في فهم هذا الحديث، ورد الفاسد منها، والتقى مع شيخ الإسلام ابن تيمية فيما سبق ذكره مما يجب فهمه من هذا الحديث. انظر: المصدر نفسه ص٣٠-٤١.
[ ١١٦ ]
على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل١، بل نؤمن
_________________
(١) ١ ذهب المبتدعة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم إلى تأويل اليد الواردة في النصوص مضافة إلى الله تعالى على قولين، فمنهم من أولها بمعنى النعمة، وآخرون أولوها بمعنى القدرة. انظر أصول الدين للبغدادي ص١١١، وأساس التقديس للرازي ص١٢٥. وهذا التأويل واضح التهافت والبطلان لأن النصوص الواردة بإثبات هذه الصفة في غاية الصراحة والبيان، ولا يمكن أن يستقيم لمبتدع تأويلها لأمور كثيرة - منها: أـ أن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس لعنه الله، في هذا الأمر، لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأنه كان بيد الله، لأن إبليس - لعنه الله - يعلم هذه الخصيصة لآدم، وإلا لاحتج على الله تعالى حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، بأنه خلقه أيضًا بيديه كما خلق آدم، إذا كان معنى بيدي: بقدرتي، إلا أن إبليس - لعنه الله - كان أكثر إدراكًا لهذه الحقيقة من المعطلة. ب - أن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل أيضًا، لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد. وقد فصل الإمام عثمان بن سعيد الدارمي الرد على هذا التأويل الباطل في رده على بشر المريسي ص٢٨-٤١، وانظر الاعتقاد للبيهقي ص ٢٩-٣٠.
[ ١١٧ ]
بذلك ونثبت [له] ١ الصفة من غير تحديد٢ ولا تشبيه. ولا يصح حمل اليدين على القدرتين، فإن قدرة الله [﷿] ٣ واحدة، ولا على النعمتين، فإن نعم الله [﷿] ٤ لا تحصى، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٥ وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل
_________________
(١) ١ من [ل] . ٢ أي من غير تحديد لكيفية الصفة، لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله، فالسلف إنما يثبتون الصفة بمعناها الظاهر منها وينفون المشابهة والكيفية. ٣ لا توجد في [ل] . ٤ لا توجد في [ل] . ٥ سورة إبراهيم/ ٣٤.
[ ١١٨ ]