٧٩ - روى جابر بن عبد الله رضي الله [عنهما] ١ قال: " كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: نحمد الله تعالى ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". ثم يقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين". وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش، صبحكم مساكم، ثم قال: "من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو
_________________
(١) ١ في الأصل: [عنه]: وما أثبت من [ل] .
[ ٢٠٨ ]
ضَيَاعًا١ [فإلي وعلي] ٢ وأنا ولي المؤمنين " رواه مسلم، والنسائي٣، ولم يذكر مسلم: " وكل ضلالة في النار ".
٨٠ - وروى زيد بن أرقم٤ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد، أيها الناس، فإنما أنا بشر [مثلكم] ٥ يوشك أن يأتيني رسول ربي
_________________
(١) ١ قال أهل اللغة: الضَّياع - بفتح الضاد ـ: العيال. قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يَضِيع ضَيَاعًا، المراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَيَاع، فأوقع المصدر موضع الاسم. شرح النووي ٦/١٥٥. ٢ في [ل]: [فلي أو علي] . ٣ مسلم، كتاب الجمعة، باب «تخفيف الصلاة والخطبة»، ح «٨٦٧» ٢/٥٩٢. والنسائي في كتاب العيدين، باب «كيف الخطبة» ٣/١٨٨. وابن ماجه في المقدمة، باب «اجتناب البدع والجدل» ح «٤٥» ١/١٧. ٤ هو الصحابي الجليل زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي، اختلف في كنيته، فقيل أبو عمرو، وقيل أبو عامر، وقيل غير ذلك، شهد غزوة مؤتة، ومات بالكوفة سنة ٦٦، وقيل ٦٨هـ. انظر طبقات ابن سعد ٦/١٨، وسير أعلام النبلاء ٣/١٦٥. ٥ من [ل] .
[ ٢٠٩ ]
﷿ فأجيبه، وأنا تارك فيكم الثقلين١ أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن تركه وأخطأه كان على الضلالة، وأهل بيتي، [أذكركم] ٢ الله في أهل بيتي ثلاث مرات "٣. رواه مسلم.
٨١ - وروى العرباض بن سارية السلمي٤ ﵁ قال: " وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها [الأعين] ٥، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يارسول الله،
_________________
(١) ١ سيما الثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما. انظر: شرح صحيح مسلم ١٥/١٨٠. ٢ في [ل]: [اذكر] . ٣ مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب «من فضائل علي بن أبي طالب ﵁» ح «٢٤٠٨» ٤/١٨٧٣، ومسند أحمد ٤/٣٦٧، وسنن الدارمي فضائل القرآن، باب «فضل من قرأ القرآن» ٢/٤٣١-٤٣٢. ٤ العرباض بن سارية السُّلمي، من أعيان أهل الصُّفَّة، كان من البكائين، كنيته أو نَجيح، توفي سنة ٧٥هـ. انظر حلية الأولياء ٢/١٣، وسير أعلام النبلاء ٣/٤١٩. ٥ في [ل]: [العيون] .
[ ٢١٠ ]
كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: " أوصيكم بتقوى الله [تعالى] ١ والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا٢ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ٣، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ". رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث صحيح، ورواه ابن ماجه وفيه قال: " وقد تركتكم
_________________
(١) ١ من [ل] . ٢ قال الإمام البغوي: " وقوله: " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا " إشارة إلى ظهور البدع والأهواء - والله أعلم - فأمر بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين والتمسك بها بأبلغ وجوه الجد، ومجانبة ما أحدث على خلافها ". شرح السنة ١/٢٠٦. ٣ النواجذ: آخر الأضراس، واحدها: ناجذ، وإنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة، فعل من أمسك الشيئ بين أضراسه، وعض عليها منعًا له أن يُنتزع، وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيئ، إذ كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولًا وأسهل انتزاعًا، وقد يكون معناه أيضًا الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله، كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه. معالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود ٥/١٤.
[ ٢١١ ]
على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " ١.
٨٢ - وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: " الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَنّ الدنيا عليكم حتى لا يُزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هِيَهْ، وأيم الله [قد] ٢ تركتكم على البيضاء ليلها ونهارها سواء. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ، تركنا على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء " رواه ابن ماجه٣.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود، كتاب السنة، باب «في لزوم السنة» ح «٤٦٠٧» ٥/١٣. وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب «ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع» ح «٢٦٧٦» ٥/٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وسنن الدارمي ١/١٤٤، والمستدرك للحاكم ١/٩٥، وقال الحاكم: صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب «اتباع سنة الخلفاء الراشدين» ح «٤٢-٤٣» . ٢ في [ل]: [لقد] . ٣ سنن ابن ماجه، المقدمة، باب «اتباع سنة رسول الله ﷺ» ح «٥» ١/٤. قال الألباني: «حسن» . صحيح ابن ماجه ١/٦، وأورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم «٦٨٨» .
[ ٢١٢ ]
٨٣ - وروى أبو هريرة [﵁] ١ قال: قال رسول الله ﷺ: " إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض " رواه أبو القاسم الطبري الحافظ في السنن ٢.
٨٤ - وقال أبو بكر الصديق ﵁ في خطبته: إنما أنا متبع ولست بمبتدع٣.
_________________
(١) ١ من [ل] . ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم الطبري ح «٩٠» ١/٨٠، وأورده الذهبي في ترجمة صالح بن موسى الطلحي - أحد رجال سنده - وقال: كوفي ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بشيئ، ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك وقال ابن عدي: هو عندي ممن لا يتعمد الكذب. ميزان الاعتدال ٢/٣٠١-٣٠٢، وأورده الحاكم في المستدرك ضمن شواهده ١/٩٣. ٣ من خطبته ﵁ بعد توليه الخلافة، رواها ابن سعد في الطبقات ٣/١٨٢-١٨٣، والطبري في تاريخه ٣/٢٢٣-٢٢٤، وابن كثير في البداية والنهاية ٦/٣٠٣، ورواها بدون اللفظ الذي أورده المصنف هنا ابن هشام في السيرة ٤/٤٥٧، وابن الأثير في الكامل ٢/٢٢٤-٢٢٥.
[ ٢١٣ ]
٨٥ - وقال عمر بن الخطاب ﵁: قد فُرضت لكم الفرائض، وسُنت لكم السنن، وتُركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا١.
٨٦ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر ٢.
٨٧ - وروى الأوزاعي٣ عن الزهري أنه روى أن النبي ﷺ قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ٤ فسألت الزهري:
_________________
(١) ١ رواه مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب «ما جاء في الرحم» رقم «١٠» ٢/٨٢٤. ٢ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «١٠٥-١٠٦» ١/٨٦. ٣ هو شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أبو عمرو، عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأوزاعي، من الحفاظ، وكان مولده في حياة الصحابة. توفي سنة ٥٧هـ. انظر تاريخ خليفة بن خياط ص٤٢٨، والتاريخ الكبير ٥/٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٧/١٠٧. ٤ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب «بيان نقصان الإيمان بالمعاصي..» ح «٥٧» ١/٧٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب «النهي عن النهبة» ح «٣٩٣٦» ٢/١٢٩٨.
[ ٢١٤ ]
ما هذا؟ فقال: من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمِرّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وفي رواية " فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمروها "١.
_________________
(١) ١ قول الزهري رواه أبو نعيم في الحلية ٣/٣٦٩، والذهبي في السير ٥/٣٤٦، كلاهما بدون رواية: " فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمروها "، وذكره بمعناه النووي في شرح مسلم ٢/٤٢. وقول الزهري هذا هو أحد الأوجه التي قيلت في معنى الحديث والتي ذكرها الإمام النووي فقال: هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قال المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيئ ويراد نفي كماله، ومخناره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على ألا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا. . الخ. . ثم قال لهم ﷺ: " فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ". فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن وأبو جعفر الطبري: معناه ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم، فيقال: سارق وزان وفاجر وفاسق. وحكى عن ابن عباس ﵄ أن معناه: ينزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعال. انتهى. شرح صحيح مسلم ٢/٤١-٤٢. ثم أورد قول الزهري المذكور آنفًا بمعناه وقال بعد ذلك: وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله محتملة، والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولا. والله أعلم. نفس المصدر ص٤٢.
[ ٢١٥ ]
٨٨ - وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: " سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا "١.
_________________
(١) ١ رواه الآجري في الشريعة ص٤٨، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «١٣٤» ١/٩٤، وابن بطة في الإبانة رقم «٢٣٠-٢٣١» ١/٣٥٢.
[ ٢١٦ ]
٨٩ - وقال الأوزاعي: " اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل في ما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم "١.
٩٠ - وقال نعيم بن حماد٢: " من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهًا "٣.
٩١ - وقال سفيان بن عيينة: كل شيئ وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل٤.
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٣١٥» ١/١٥٤. ٢ هو أبو عبد الله، نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي، كان من أشهر المحدثين، توفي محبوسًا في سامرا سنة ٢٢٨، وقيل غير ذلك. انظر: الطبقات الكبرى ٧/٥١٩، وتهذيب التهذيب ١٠/٤٥٨. ٣ أورده الذهبي في العلو ص١٢٦، قال الألباني في مختصره لكتاب الذهبي ص١٨٦: إسناده صحيح، وابن تيمية في الفتاوى ٥/١٩٦، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٢٢١. ٤ أخرجه الدارقطني في كتاب الصفات ص٤١، والصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٠، وابن قدامة في ذم التأويل ص١٩، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٣٦» ٣/٤٣١
[ ٢١٧ ]
٩٢ - وقال أبو بكر المروذي١: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححه أبو عبد الله وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تمر الأخبار كما جاءت٢.
٩٣ - وقال محمد بن الحسن الشيباني - صاحب أبي حنيفة - اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن [رسول الله] ٣ ﷺ في صفة الرب ﷿، من غير تفسير ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ
_________________
(١) ١ هو الإمام القدوة الفقيه المحدث شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي نزيل بغداد، وصاحب الإمام أحمد، كان إمامًا في السنة، شديد الإتباع. ولد في حدود المائتين، وتوفي سنة ٢٧٥هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/٤٢٣-٤٢٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٣١، وسير أعلام النبلاء ١٣/١٧٣. ٢ رواه مختصرًا ابن قدامة في ذم التأويل ص٢١، ورواه بتمامه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١/٥٦. ٣ في [ل]: [النبي] .
[ ٢١٨ ]
وأصحابه، فإنهم لم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم١ فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيئ٢.
_________________
(١) ١ جهم بن صفوان من أهل خراسان ينسب إلى سمرقند وزمنه ومحتده الكوفة، وكنى أبا محرز، وكان مولى لبني راسب من الأزد، أخذ الكلام عن الجعد بن درهم وكان فصيحًا، وكان صاحب مجادلات ومخاصمات في مسائل الكلام التي يدعو إليها، وكان أكثر كلامه في الإلهيات. انظر تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي ص١٠. قال المقريزي: حدث مذهب الجهم بعد عصر الصحابة ﵃ ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكًا آثرت في الملة الإسلامية آثارًا قبيحة تولد عنها بلاء كبير، وكان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعة على أقواله التي تؤول إلى التعطيل، فأكبر أهل الإسلام بدعته، وتمالؤا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذروا من الجهمية وعادوهم في الله، وذموا من جلس إليهم، وكتبوا في الرد عليهم ما هو معروف عند أهله. الخطط ٢/٢٥٧. ٢ رواه ابن قدامة في ذم التأويل ص١٣-١٤، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٤٠» ٣/٤٣٢، والذهبي في العلو ص١١٣.
[ ٢١٩ ]
٩٤ - وقال عباد بن العوام١: قدم علينا شريك بن عبد الله٢ فقلنا: إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا "٣ والرؤية٤ وما أشبه هذه الأحاديث فقال: إنما جاء بهذه الأحاديث من جاء بالسنن في الصلاة، والزكاة، والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث٥.
_________________
(١) ١ عباد بن العوّام بن عمر بن المنذر الإمام المحدث الصدوق، أبو سهل الكلابي الواسطي، قال ابن سعد: كان من نبلاء الرجال في كل أمره، توفي سنة بضع وثمانين ومائة. انظر: تاريخ بعداد ١١/١٠٤-١٠٥، وتذكرة الحفاظ ١/٢٦١، وسير أعلام النبلاء ٨/٤٤٩-٤٥٠. ٢ شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الحافظ القاضي، أحد الأعلام، ولي قضاء الكوفة، تغير حفظه منذ توليه قضاء الكوفة، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، ولد سنة ٩٥، وتوفي بالكوفة سنة ١٧٧. انظر: تاريخ بغداد ٩/٢٧٩، وسير أعلام النبلاء ٨/١٧٨-١٩٢، وتقريب التهذيب ١/٣٥١. ٣ راجع لأحاديث النزول رقم ١٦-١٨ من هذا الكتاب. ٤ أحاديث الرؤية تقدمت راجع رقم ٢٧-٢٨. ٥ لم أجده بهذا اللفظ، ورواه بلفظ مقارب الدارقطني في الصفات ص٤٣، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/١٨٥.
[ ٢٢٠ ]
فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة، وآثار من سلف فالزمها، وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة ممن حصل الإتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من كان عندهم محقورًا مهجورًا، مبعدًا مدحورًا ومذمومًا [ملومًا] ١، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل.
٩٥ - فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدا، فطوبى للغرباء " رواه مسلم وغيره٢.
٩٦ - وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ستفترق أمتي على
_________________
(١) ١ لا توجد في [ل] . ٢ رواه مسلم في كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة ﵁، باب «بيان أن الإسلام بدأ غريبًا » ح «١٤٥» ١/١٣٠، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب «بدأ الإسلام غريبًا» ح «٣٩٨٦» ٢/١٣١٩. ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود في كتاب الإيمان، باب «ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا» وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود. ح «٢٦٢٩» ٥/١٨.
[ ٢٢١ ]
ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". وفي رواية: قيل فمن الناجية؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه جماعة من الأئمة١.
واعلم - رحمك الله - أن الإسلام وأهله أتو من طوائف [ثلاث] ٢، فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها٣، فهؤلاء أشد ضررًا على الإسلام وأهله من الكفار.
وأخرى قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها٤، فهؤلاء أعظم
_________________
(١) ١ رواه الترمذي بسند ضعيف في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ح «٢٦٤١» ٥/٢٦. ولكنه ورد بروايات أخرى صحيحه كما في أبي داود، كتاب السنة باب شرح السنة ح «٤٥٩٦-٤٥٩٧» ٥/٤-٥. وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم ح «٣٩٩١» ٥/١٣٢١. وأحمد في المسند ٤/١٠٢، والحاكم في المستدرك ١/١٢٨. وتتبع الألباني طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم «٢٠٣، ٢٠٤» . ٢ في الأصل وفي [ل]: [ثلاثة] وما أثبت أولى. ٣ وهم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان الترمذي، ومن قال برأيه من المعنزلة. ٤ وهم جمهور الأشاعرة الذين قبلو النصوص، وفضلوا جانب التأويل لمعانيها. وقد وصفهم الإمام ابن القيم بأنهم أشد الناس اضطراباُ. الصواعق ١/٢٤٥.
[ ٢٢٢ ]
ضررًا من الطائفة الأولى.
والثالثة: جانبوا القولين الأولين، وأخذوا بزعمهم - ينزهون وهم يكذبون١، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، [وكانوا أعظم ضررًا من الطائفتين الأولتين] ٢.
فمن السنة اللازمة السكوت عما لم يرد فيه نص [عن الله ورسوله] ٣، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات. فكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي.
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية،
_________________
(١) ١ لعله يريد بذلك من سلك مسلك التجهيل وهؤلاء من الأشاعرة أيضًا، حيث قالوا: إن نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يدرى ما أراد الله ورسوله منها. انظر الصواعق ٢/٤٢٩. وهم يزعمون أنهم بهذا القول ينزهون الله عن مشابهة خلقه، لأنهم يرون إجراء النصوص على ظاهرها تشبيهًا. ٢ ما بين القوسين لا يوجد في الأصل وأضفته من [ل] . ٣ في [ل]: [عن الله ورسول الله] .
[ ٢٢٣ ]
وأن يحيينا على الطريقة التي يرضاها، [ويتوفنا] عليها، وأن يلحقنا بنبيه وخيرته من خلقه محمد المصطفى وآله وصحبه، ويجمعنا معهم في دار كرامته، إنه سميع قريب مجيب.
وكل حديث لم نضفه إلى من أخرجه فهو متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
[آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا] .
في [ل]: [يتوفانا] .
في [ل]: [تم بعون الله وحسن توفيقه، وصلوات الله وسلامه على محمد وآله وصحبه إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
حصل الفراغ من هذه النسخة يوم الأحد لشعر خلت من جماد أول بقلم الفقير محمد بن عبد الله، والحمد لله. تمت الحمد لله] .
[ ٢٢٤ ]