فصل
ويقال لمن ادعى أن الشرك هو الصلاة والسجود لغير اله فقط: مع أن هذا مكابرة من مدعيه، فكما أن السجود عبادة، فكذلك الدعاء والنذر والذبح وغيرها (٤)؛ كما تقدم تعريفه.
وقد نهى الله عن دعاء غيره، وذم فاعل ذلك، وأمرنا بإخلاص الدعاء له أكثر مما ذكر في خصوصية السجود، مع أن الدعاء في القرآن: يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، الذي يدخل فيه السجود وغيره من
_________________
(١) ما بينهما ساقط من (ع) و(ط) .
(٢) سورة غافر آية٥.
(٣) سورة فاطر آية ١٤.
(٤) (ع) (ط):وغيرهما.
[ ٥٤ ]
أنواع العبادة قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ (٣) . وقال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٥) . وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ / مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٦) .
وفي القرآن من (٧) ذلك ما لا يحصى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – في الكلام على دعوة ذي النون – لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول: دعاء العبادة ودعاء المسألة. وفسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بالوجهين.
وفي حديث النزول: " من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (٨) والمستغفر سائل، والسائل داع،
_________________
(١) سورة الجن آية ١٨.
(٢) سورة غافر آية ١٤.
(٣) سورة الرعد آية ١٤.
(٤) سورة يونس آية ١٠٦.
(٥) سورة الأحقاف آية ٥
(٦) سورة فاطر الآيتان ١٣، ١٤.
(٧) (ط):مثل.
(٨) جزء من حديث النزول المشهور، أخرجه البخاري في "الصحيح" رقم ١١٤٥، ٦٣٢١، ٧٤٩٤، ومسلم في "الصحيح" برقم ٧٧٨، والترمذي في "الجامع" رقم ٤٤٦، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم ٤٨٥، ٤٨٦، وأحمد في "المسند" ٢/٤١٩، ٥٠٤، وابن خزيمة في كتاب" التوحيد" رقم ١٨٨-١٩٤، والدارمي في "السنن"١/٣٤٦ من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد في "المسند"٤/١٦، وابن =
[ ٥٥ ]
لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل للخير، وذكرهما بعد الداعي (١) الذي يتناولهما وغيرهما: من عطف الخاص على العام.
وسماها دعوة لتضمنها النوعين، فقوله: لا إله إلا أنت. اعتراف بتوحيد الألوهية، وهو يتضمن النوعين؛ فإن الإله هو المستحق لأن يدعى بالنوعين (٢) .
وقال ابن القيم في البدائع- بعد آيات ذكرها، قال-: وهذا في القرآن كثير، يبين أن المعبود لابد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر: دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفا: دعاء العبادة.
فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
إلى أن قال: وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، ولا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. انتهى (٣) .
فعلى هذا يكون النهي عن دعاء غيره سبحانه نصا في دعاء العبادة، و(٤) دعاء المسألة حقيقة. فهو نهي عن كل منهما حقيقة.
_________________
(١) = خزيمة في "التوحيد" رقم ١٩٦، والدارقطني في "النزول" رقم ١٤٧، والآجري في "الشريعة" /٣١٠، والدارمي في الرد على الجهمية رقم ٣٧، واللالكائي في السنة ٣/٤٤١ من حديث رفاعة الجهني، وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " رقم ٤٨٧، وأحمد في "المسند" ٤/٨١، والطبراني في المعجم الكبير رقم ١٥٦٦، وأبو يعلى في "مسنده" ١/٣٤٩، والدارمي في "السنن"١/٣٤٧، والآجري في "الشريعة" ٣١٢،وابن أبي عاصم في "السنة" ٢٢٢، ٥٠٧، والدارقطني في "النزول" رقم ٩٣، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٥٦٦ من حديث جبير بن مطعم.
(٢) (ع) (ط): الدعاء.والمثبت من الأصل و"الفتاوى".
(٣) ينظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" ١٠/٢٣٥-٢٤٤.
(٤) بدائع الفوائد ٣/٢-٣.
(٥) (ط):وفي.
[ ٥٦ ]