فصل
ومما يتعين الاعتناء به: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله/ على رسوله، فقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (١) .
قال شيخ الإسلام: ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لاسيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء: كالخمر، والربا. فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك.
وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. انتهى (٢) .
ففرض على المكلف: معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها (٣)، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر.
وتجد كثيرا ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الشرك الأكبر، وإن قال: إنه الشرك في العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (٤) ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، وقوله ﷺ: " حق الله
_________________
(١) سورة التوبة آية ٩٧.
(٢) ينظر "مجموع فتاوى ابن تيمية"١٩/٢٣٥-٢٥٩.
(٣) (ط): من أجلها.
(٤) سورة النساء آية ٣٦.
(٥) سورة الكهف آية١١٠.
[ ٤٩ ]
على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" (١) !!.
فإنه- (٢) مع اعترافه بأن الشرك الذي حرمه الله: هو الشرك في العبادة- لا يعرف حد العبادة وحقيقتها، وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك: الصلاة والسجود.
فإذا طلب منه الدليل على أن الله سمى الصلاة لغيره أو السجود لغيره شركا، لم يجده. وربما قال: لأن ذلك خضوع، والخضوع لغير الله شرك.
فيقال له: هل (٣) تجد في القرآن (٤) أو السنة تسمية هذا الخضوع شركا؟. فلا يجده.
فيلزمه أن يقول: لأنه عبادة لغير الله.
فيقال: وكذلك الدعاء، والذبح والنذر: عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب: من الذل والخضوع، والحب والتعظيم، والتوكل والخوف، والرجاء وغير ذلك.
وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" (٥) .
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" رقم ١٢٨،١٢٩، ٢٨٥٦، ٥٩٦٧، ومسلم في "الصحيح" رقم ٣٠،والترمذي في "الجامع" رقم ٢٦٤٥، وابن ماجه في " السنن" رقم ٤٢٩٦، وأحمد في "المسند" ٣/٢٦٠، ٢٦١ من حديث معاذ ابن جبل.
(٢) ما بينهما ساقط من (ط) ومعلق في هامش (ع) وبجواره كلمة صح.
(٣) (ط): هل.ساقطة.
(٤) (ع) (ط): الكتاب.
(٥) أخرجه الترمذي في "الجامع" رقم ٣٤٦٨ وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وأخرجه الطبراني في "كتاب الدعاء" رقم ٨ من حديث أنس، ويشهد له: ما أخرجه أبو داود في "السنن" رقم ١٤٧٩، والترمذي في "الجامع" رقم ٣٢٤٧، وقال: حسن صحيح، والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف " ٩/٣٠، وابن ماجه في "السنن" رقم ٣٨٢٨، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم ١٨٥، وأحمد في "المسند" ٤/٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦، ٢٧٧، وابن أبي
[ ٥٠ ]
وقد قرن الله سبحانه بين الصلاة والذبح في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فكما أن الصلاة لغير الله: شرك، فكذا قرين الصلاة، وهو الذبح لغيره (٢): شرك.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) .
ومن العجب: قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات: إنهم لا يرجون قضاء حاجاتهم من الميت /ونحوه.
فنقول: هذا مكابرة ومغالطة؛ لأنه من المعلوم عند كل ذي عقل: أنهم ما دعوهم وتذللوا وخضعوا لهم، وبذلوا أموالهم بالنذور (٤) والذبائح؛ إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم، وقضاء حاجاتهم من جهتهم.
فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت والغائب حاجة بأن يقول: اعطني كذا، أو (٥) أنا في حسبك، ويستغيث به في دفع عدو أو كشف ضر، ويتذلل ويخضع له، ثم يقول: إنه لا يرجو حصول مطلوبه ودفع مرهوبه من جهته!!
_________________
(١) = شيبة في "المصنف" ١٠/٢٠٠، وابن المبارك في "الزهد" رقم ٤٥٩، والطبراني في "الصغير"١/٩٧، و"كتاب الدعاء" رقم ٢٠٧، وابن حبان في "الصحيح" رقم ٢٣٩٦، والحاكم في "المستدرك" ١/٤٩١. ووافقه الذهبي،والطبري في "التفسير"٢٤/٥١، وأبو نعيم في "الحلية"٨/١٢٠ كلهم بلفظ "الدعاء هو العبادة" من حديث النعمان بن بشير، وصححه النووي في "الأذكار"/٣٣٣ وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده."فتح الباري"١/٤٩، وأخرجه أيضا الخطيب البغدادي في "التاريخ" ١٢/٢٧٩،وابن مردويه كما في "الدر المنثور" ٥/٣٥٥ من حديث البراء بن عازب.
(٢) سورة الكوثر آية ٢.
(٣) (ط): لغير الله.
(٤) سورة الأنعام الآيتان ١٦٢، ١٦٣.
(٥) (ع) (ط): لهم بالنذر.
(٦) (ط): و.
[ ٥١ ]
وكيف يتصور أن يبذل ماله بالنذر والذبح- مع أن المال عزيز عند أهله – لمن لا يرجوه، ويعتقد أنه لا يحصل له من جهته نفع ولا دفع ضر! فهذا من أبين المحال وأبطل الباطل.
كيف وهم يفتخرون بقضاء حاجاتهم، وكشف كرباتهم من جهتهم: فبعض منهم يعتقد (١) أن الميت ونحوه يفعل ذلك أصالة، وبعضهم يقول: هم وسيلتنا إلى الله، يعنون: واسطة بينهم وبين الله، كما عليه المشركون الأولون؛ كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ (٢) ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣) .
بل كثير من مبتدعة هذه الأمة: أعظم غلوا واعتقادا في ولائجهم من المشركين الأولين؛ لأن الله ﷾ أخبر عن المشركين الموجودين حين نزول القرآن: أنهم يخلصون لله الدعاء في حال الشدة، وينسون آلهتهم.
وكثير من غلاة أهل هذا الزمان: يخلصون الدعاء عند الأمور المهمة والشدائد لولائجهم، كما هو مستفيض عنهم.
قال الله تعالى إخبارا عن المشركين الأولين (٤) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٥) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
_________________
(١) (ع) (ط): يعتقدون.
(٢) سورة يونس آية ١٨.
(٣) سورة الزمر آية ٣.
(٤) (ع) (ط): الأولين. ساقطة.
(٥) سورة العنكبوت آية ٦٥.
[ ٥٢ ]
إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢) .
وقال: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) .
ومن العجب: قول بعض من ينسب إلى علم ودين: إن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم بل هو نداء!!
أفلا يستحي (٤) هذا القائل من الله إذا لم يستح / من الناس: من هذه الدعوى الفاسدة السامجة (٥)، التي يروج بها على رعاع الناس، والله سبحانه قد سمى الدعاء: نداء في قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا﴾ (٦) وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧) .
وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة، وبين ما إذا طلبها من غيره: ميت أو غائب؟! بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء!!.
ما (٨) أسمج هذا القول وأقبحه، وهو قول يستحيا (٩) من حكايته؛ لولا أنه يروج على الجهال، لا (١٠) سيما إذا سمعوه ممن يعتقدون علمه
_________________
(١) سورة الأنعام الآيتان ٤٠، ٤١.
(٢) سورة الإسراء آية ٦٧.
(٣) سورة الأنعام آية ٦٣.
(٤) (ع): يستحيي.
(٥) (ع):والسامجة (ط): السمجة.
(٦) سورة مريم آية ٣.
(٧) سورة الأنبياء آية ٨٧.
(٨) (ط): وما.
(٩) (ع) (ط): يستحى.
(١٠) (ع):ولا.
[ ٥٣ ]
ودينه، وأي فرق بين سؤال الميت حاجة، وبين سؤالها من صنم ونحوه! بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟!.
فإن قال: الكل يسمى نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن، ومحادة لله ورسوله، (١) ولا يحتاج في بيان بطلانه إلى أكثر من حكايته (١) .
وما أظن عاقلا يحيك هذا في نفسه، وإنما هو عناد ومكابرة، إنما تروج على أشباه البهائم.
أما يخاف هذا أن يتناول قوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ (٢) والله ﷾ سمى سؤال غيره دعاء في غير موضع من كتابه ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ﴾ (٣) .
والدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة.
_________________
(١) ما بينهما ساقط من (ع) و(ط) .
(٢) سورة غافر آية٥.
[ ٥٤ ]