وذكر حديث أبي هريرة وأبي ذر:" من تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هروله «١» ".
قلت: ووجه سؤاله منه: أن ظاهره/ التجسيم.
قلت: وقد سبق تقرير قاعدة هذه الأحاديث.
ثم الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن الحديث مؤول عندنا على التقرب بالرحمة واللطف والإكرام، كما يقال: فلان قريب من السلطان، والأمير «٢» قريب من فلان يعنى تقارب القلوب والمنزلة «٣»، وأنا وإن كنت أثريا في آيات الصفات وأخبارها، إلا أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] وباب ذكر النبيﷺ- وروايته عن ربه، وأخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، حديث ٢٠، ٢١، ٢٢، وفي أول كتاب التوبة حديث ١ وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب حسن الظن بالله، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب فضل العمل، وأحمد في المسند (٢/ ٤١٣، ٤٨٠، ٤٨٢، ٥٠٩، ٥٢٤، ٥٣٤) وفي مواضع أخرى.
(٢) فى (أ): والأمر.
(٣) هذا ما ذهب إليه النووي في شرح صحيح مسلم ١٧/ ٢، بل ذهب إلى أنه تستحيل إرادة الظاهر، وابن حجر في الفتح (١٣/ ٥١٣) وغيرهما من العلماء الذين وافقوا الأشاعرة في تأويل هذه الصفة: والذي عليه أهل السنة أن الصفة لا تنفك عن الذات-
[ ٢ / ٧٠١ ]
المجاز «١» عندي في هذا الحديث ظاهر غالب، فلا يتوقف في تأويله إلا جامد «٢».
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن النصوص في الصفات من حيث السند على ثلاث طبقات: صحيح مجمع على صحته بين أهل النقل، وضعيف متفق على ضعفه، ومختلف في صحته.
_________________
(١) - فقرب الرحمة من العباد معناه أنه سبحانه قريب بذاته وصفته، كما أنه سبحانه ينزل في الثلث الأخير من الليل، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وكل ذلك على ما يليق به ﷾ ولا يلزم منه خلو عرشه سبحانه، ولا اتحاده بهم ولا مخالطته لهم ولا يعلو شيء من المخلوقات عليه بل مع نزوله أو قربه لا ينفك عن كمال علوه ومعلوم أنه لا يلزم في حق الرب وصفاته ما يلزم في حق العباد بصفاتهم، ومثال الطوفي غير مسلم فلا يلزم من قولنا: فلان قريب من السلطان: تقارب القلوب، وتقارب القلوب مما لا يظهر لنا نحن المخلوقين لكن إذا قلنا: فلان قريب من السلطان فإنه يتبادر إلى الأذهان تقارب الذوات، والله قريب من العبد المؤمن بلطفه وإحسانه ورحمته وذاته على ما يليق به سبحانه. [انظر للاستزادة: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٦٥ - ٢٧٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٥/ ٢٢٦ - ٥١٣].
(٢) فى (م): المختار.
(٣) هذا بناء على ظن أن التقرب والهرولة قطع المسافة كما هو الحال في حق المخلوقين، والحديث يدل بظاهره على تقرب الله من عبده الصالح ليس بقطع المسافة بدليل أنه ذكر مقابلة مشي العبد وتقربه بأنواع العبادة والقرب وليس ذلك بقطع المسافة إلى الله. فهو تعبير عن قرب الله إلى عبده وتقرب العبد إلى ربه فهو قريب سبحانه ممن تقرب إليه بالدعاء وغيره من الطاعات.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فالأول مما تثبت «١» به الصفات، والآخرين لا يعول عليهما في ذلك، في وقت من الأوقات «٢».
ثم الحديث المجمع على صحته من حيث دلالة المتن على ثلاث طبقات:
ما ترجح فيه إرادة الحقيقة، وما ترجح فيه إرادة المجاز، وما استوى فيه الأمران.
فالأول: كحديث الساق «٣» والقدم «٤» والأصابع «٥» ونحوه فهذه إرادة المجاز فيها مرجوحة فحكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباريﷻ- ولا يلزمنا تعيين كيفيتها كذاته سبحانه أثبتنا وجودها ونحن عن تفاصيل أحكامها بمعزل، والثاني: كهذا الحديث قوله:" من تقرب مني تقربت منه" وقوله:" قلوب
_________________
(١) في (ش): ثبت.
(٢) قلت: ما اختلف في صحته يتوقف فيه حتى تعرف صحته أو ضعفه فما تبينت صحته عولنا عليه في باب الصفات، وما عرف ضعفه لم نعول عليه في شيء من ذلك والله أعلم.
(٣) أخرج البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] عن أبي سعيد في حديث طويل:" فيأتيهم الجبار في صورة غير صورتة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن " اهـ.
(٤) أخرج البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته عن أنس﵁- عن النبيﷺ-:" لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط. وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض". وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء. حديث ٣٧، والترمذي في تفسير سورة (ق)، وأحمد في (٢/ ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣/ ١٣).
(٥) سيأتي ذكر حديث الأصابع وتخريجه قريبا- إن شاء الله-.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الخلق بين اصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء «١» " و" الحجر الأسود يمين الله فى الأرض «٢» " وقوله:" ساعد الله أشد" وموسى الله أحد «٣» " ونحوه. فإن المجاز فيه راجح وحكمه: التأويل على ما ترجح فيه «٤»، كقوله: ويَبْقى وَجْهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، حديث ١٧، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبيﷺ- يقول:" إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" وأخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن القلوب بين اصبعي الرحمن، بنحو لفظ الطوفي، وفي كتاب الدعوات، باب ٩٠ بترقيم إبراهيم عطوة بغير اللفظين، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٨، ١٧٣) وفى (٦/ ٢٥١، ٣٠٢، ٣١٥) بألفاظ مختلفة. والحديث فيه إثبات الأصابع لله على ما يليق به كما تقدم فى قول الطوفي قريبا.
(٢) رواه الطبراني في معجمه، وابن عدي وابن خلاد وغيرهم، وذكره ابن الجوزي في العلل وقال:" حديث لا يصح" والعجلوني في كشف الخفاء، وقال: موقوف على ابن عباس، والألباني في الضعيفة، وبين وجه ضعفه وأقوال أهل الحديث في سنده. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧) وابن خزيمة في صحيحه بلفظ:" يأتي الركن اليماني يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه" وقال الذهبي فى التلخيص:" في سنده عبد الله بن المؤمل: واه". [انظر العلل المتناهية ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦، وكشف الخفاء ١/ ٤١٧، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ٣٩٧، ٥٨٠، والترغيب والترهيب ٣/ ٣١، وسلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٢٥٧].
(٣) انظر هامش ص ١٢٧ من قسم الدراسة.
(٤) بيّنت في قسم الدراسة ص ١٢٥ وما بعدها أنه لا مجاز في هذه الأحاديث، وأن حكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباري سبحانه. ولا ندرك كيفيتها فالحديث الأول قد سبق الكلام عنه قريبا، وأما حديث" الحجر الأسود يمين الله" فهو ضعيف لا يحتج به ولو صح ففيه من القرائن ما يصرفه عن ظاهره. أما حديث:" قلوب الخلق بين اصبعين من أصابع الرحمن" فلا يلزم منه المماسة-
[ ٢ / ٧٠٤ ]
رَبِّكَ (٢٧) «١» فإنه متردد «٢» بين الصفة الوجيهة اللائقة بمنصب الإلهية/ وبين/ الرتبة الجاهية الراجعة إلى العظمة الذاتية فحكم مثل هذا راجع إلى ترجيح المجتهد في أحكام العقائد فإن غالب مسائلها من هذا وأشباهه اجتهادية لكنها أعلى رتبة من مسائل الفروع فهذا هو الطريق الذي أراه قصدا بين الإفراط والتفريط سالما من الخبط والتخليط واللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ.
_________________
(١) - كما أن السحاب بين السماء والأرض من غير مماسة فليس فيه ما يوجب التأويل واعتبار المجاز. أما حديث:" ساعد الله أشد " فإنه يتضح من سبب الحديث وهو ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣٦ - ١٣٧) عن أبي الأحوص عن أبيه قال:" أتيت النبيﷺ- فصعّد فيّ النظر وصوّب وقال أرب إبل أو رب غنم؟ قال من كل قد آتاني الله فأكثر وأطيب، قال فتنتجها وافية أعينها وآذاها فتجدع هذه فتقول صرماء. ثم تكلم سفيان بكلمة لم أفهمها- وتقول: بحيرة الله فساعد الله أشد وموساه أحد، ولو شاء أن يأتيك بها صرماء أتاك " الحديث. قال البنا: رجاله ثقات، وقال في شرحه: " معناه: لو شاء الله أن يخلقها ناقصة الأذن أو مشقوقتها لفعل، ولكنه خلقها كاملة الأعضاء فلا يجوز أن تعمد إلى تشويهها وقطع عضو منها. وهذا موضع الدلالة من الحديث"، [الفتح الرباني ١٦/ ٢٩]. قلت: فلو أثبتنا له سبحانه ساعدا على ما يليق بجلاله كما أثبتنا له يدا" ورجلا وعينا" فلا محذور في ذلك خاصة وقد ثبت النص بذلك أما قوله:" موساه أحد " فهو على المعنى المتقدم عند البناء. والله أعلم.
(٢) سورة الرحمن، آية: ٢٧.
(٣) فى (أ):" منزل ددبين".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
الوجه الثاني: أنه قد ثبت في التوراة أن آدم لما أكل من الشجرة انفتحت عينه وبان له أنه عريان فاستتر بالشجر وجعل يخصف عليه الورق وسمع «١» حس الله يمشي في الجنة فاختفى منه فقال له، الله الرب: ما لك يا آدم؟ قال: أنا عريان أستحي منك وسمعت حسك تمشي فاستحيت/ فقال:" لعلك أكلت من شجرة معرفة الخير والشر؟ قال: نعم" «٢»، وقد سبق ذلك «٣». فهذا تصريح بأن الله يمشي والمجاز فيه مرجوح جدا، فما تنكر «٤» علينا من حديث المجاز فيه راجح جدا، هذا ما هو إلا عناد ولو وقع لارتفع الخلاف.