ونبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: الله سبحانه حفظ الذكر، والذكر هو التوراة. فالله حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشرطها في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: الله حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر/ لكن ليس التقدير هذا، وحينئذ يدخل/ التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما
_________________
(١) سورة الزخرف، آية رقم: ٤٤.
(٢) هذا مروي عن ابن عباس ومجاهد، والسدي وغيرهم. ولكن الضمير في قوله:" وأنه" راجع للقرآن الكريم. [انظر تفسير الطبري ٢٥/ ٧٦ - ٧٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٢٨، وتفسير القرطبي ١٦/ ٩٣].
(٣) الاشتراك قسمان: معنوي ولفظي، فاللفظي هو كونه موضوعا لمعان مختلفة كلفظ العين. مشترك بين عين الماء وعين الإنسان والجاسوس، وشرف القوم، وغير ذلك وكذلك لفظ اليد الله واليد للإنسان، فاليد ليست كاليد. أما المعنوي فهو كون اللفظ موضوعا لمفهوم عام مشترك بين الأفراد مثل لفظ الوجود فإنه عام يطلق على وجود الله ﷿ وعلى وجود المخلوق لكن ليس الوجود كالوجود. أما التواطؤ: من واطأ على الأمر بمعنى وافقه عليه. ومنه الخاص والعام فالخاص هو المتماثل، مثل السواد فهو يصدق على جميع من اتصف به. وأما العام فهو ما يسمى مشككا مثل لفظ الموجود، والحيوان ونحوهما فقد يشترك الأفراد في مطلق الوجود، أو الحيوانية، غير أن كل منهما متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه (انظر درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥، والمعجم الفلسفي ١/ ٨٧، ولسان العرب ١/ ١٩٩).
[ ١ / ٢٩٩ ]
تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو «١» القرآن؟ الأول ممنوع، والثاني: مسلم لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع الثانية.
قوله:" فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة".
قلنا: هذا صحيح لكن قد بينا أن المراد بكلمات الله ليست التوراة والإنجيل التي بأيديكم بل هي القرآن. ولئن سلمنا أنها التوراة والإنجيل، بل وكل كلام الله غير مبدل، إلا أن ما بأيديكم ليس هو التوراة والإنجيل المرادين هنا «٢»، المنزلين على موسى وعيسى، بل كلمات الله التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.