قال:" وفي سورة الأحقاف «١»: وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ (٢٩) وفي سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) الآيات. وذكر «٢» ما ذكره ابن عطية وغيره في تفسير هذا من رمي مسترقي السمع لمبعثه ﷺ وأنهم تفرقوا ينظرون ما السبب؟ فوجدوا النبي﵇- يقرأ فعلموا أنه سبب منعهم «٣»، وذكر حديث مسلم من رواية ابن مسعود قال: فقدنا النبي ﷺ ذات ليلة فقلنا: اغتيل «٤»، أو
_________________
(١) الآية: ٢٩.
(٢) في (أ): وذكره ما ذكره
(٣) يقصد المؤلف بذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ عن ابن عباس﵄- قال: (انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استعموا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا فأنزل الله على نبيه ﷺ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ وانما أوحي إليه قول الجن» وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب سورة الجن، وفي لفظه زيادة عنهما وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٥٢).
(٤) اغتيل: أهلك سرا. واغتاله أهلكه سرا. [انظر لسان العرب ١١/ ٥٠٧، وشرح صحيح مسلم ٤/ ١٧٠].
[ ١ / ٤٢٠ ]
استطير «١»، فلما كان وجه الصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقال: إنه" أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. قال/ الشعبي: سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال:" كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال:" فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" «٢» ورواه أحمد «٣».
قال:" وقد تقدم العلم بأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة فكيف تصطلي بالنار وتركب الدواب، وتغتذي بنخر العظام؟ إن «٤» وافقك عقلك على أن هذا حق فتزحزح عن الآدميين والحق بالبهائم".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية. وحينئذ يجوز «٥» أن يرد عليها هذه
_________________
(١) افي (ش): اغتيل استطير، قلت: استيطر: طارت به الجن، من استطار إذا انتشر في أفق السماء. [انظر لسان العرب ٤/ ٥١٢ - ٥١٣، وشرح صحيح مسلم ٤/ ١٧٠].
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث ١٥٠: بسنده عن علقمة قال: سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ الخ والترمذي في تفسير سورة الأحقاف وبعضه في الطهارة باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٣٦) ولم يلتزم الطوفي عند إيراد الحديث بلفظ أحدهم.
(٣) تقدمت ترجمته ص: ٥٦ في القسم الدراسي.
(٤) إن: ليست في (أ).
(٥) «يجوز» ليست في (ش).
[ ١ / ٤٢١ ]
الأفعال بحسب مادتها. ودلالة الإنجيل قاطعة في نحو عشرين موضعا منه على عدم تجردها. كما سبق.
الثاني: أن الباري﷾- إن قلتم ليس مجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة والشياطين أكمل منه. وإن جردتموه عن المادة فقد جوزتم تأنسه بالإنس حتى يمازجهم ويظهر في مظاهرهم كظهوره في ناسوت المسيح حتى صار يأكل ويشرب ويتغوط ويقتل ويصلب ويركب «١» الحمار ويشرب الخمر ويحي العظام النخرة فيجعلها أوفر ما كانت لحما ويصلي ويتعبد، فجواز ذلك على الجن الذين هم بعض خلق الله- سبحانه- بقدرته عليهم، وتصرفه فيهم أولى، وحينئذ لا يمتنع أن الجن إذا أرادوا الطعام خلق الله لهم على ما وجدوه من العظام لحما يأكلونه «٢»، وإن كنا نحن لا نرى ذلك، إذ لا حاجة بنا إليه فلا يوجد اللحم عليها حين نراها.
فإن قيل: المسيح كان يفعل ما ذكرتم من الأفعال بناسوته لا لاهوته.
قلنا: هذا باطل. فإنكم صرحتم بأن المسيح هو مجموع اللاهوت والناسوت وأن المسيح هو الله، وأنه إنما ظهر ذلك المظهر بطريق التأنس بالإنس والانتقال من حال إلى حال.
_________________
(١) في (أ): ويرد الحمار.
(٢) أخرج البخاري في مناقب الأنصار، باب ذكر الجن (٣٢) عن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال:" وإنه أتاني وفد جن نصيبين- ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما" اهـ.
[ ١ / ٤٢٢ ]
كذا قرره" ابن الأمثل" «١» مطران «٢» " حمص" «٣» منكم بنحو عشرين حجة من التوراة والإنجيل.
منها أن الله- سبحانه- ظهر ليعقوب حين قدومه من عند خاله فصارعه إلى الصبح «٤». وهذه من جملة الحجج عليكم.
الثالث: أن هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل/ بدركها فيجب علينا تسلمها عن الشرائع. وإنما ينكر هذا فيلسوف لم ترض «٥» نفسه في
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) مطران: عند النصارى في درجة القاضي عند المسلمين، ولكن ليس في درجته في الفضل والإيمان فذاك نصراني كافر وهذا مؤمن موحد. ففي تتمة المختصر لابن الوردي: إن البطريق: إمام كبير عندهم. ومطران: قاض.، والأسقف: مفت، والقسيس: قارئ، والجاثليق: إمام الصلاة. والشماس: مؤذن ومقيم وخادم. [انظر هامش الجواب الصحيح ١/ ٣١٧ بتحقيق الدكتور علي بن حسن العسيري].
(٣) المدينة المعروفة بالشام في منتصف الطريق بين دمشق وحلب، وكانت أشهر من دمشق وهي مسماة باسم من بناها وهو: حمص بن مكنف العمليقي، قبر بها جماعة من الصحابة وحمص أيضا بلدة بالأندلس، يقال: إنها مدينة اشبيلية، يسمونها حمص أيضا. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٨٦، ومراصد الاطلاع ١/ ٤٢٥]. قلت: والذي يظهر لي أن المقصود بها اشبيلية في الأندلس والتي سماها عبد الرحمن بن معاوية: حمص حينما دخلها فاتحا كما سمى بقية المدن في الأندلس بما يشابهها من مدن الشام وافريقيا. وقد كان للنصارى فيها شأن أيام الحروب الصليبية ولعل ابن الأمثل هذا منها. (انظر الكامل في التاريخ ٤/ ٣٦١).
(٤) انظر الأصحاح الثاني والثلاثين من سفر التكوين.
(٥) أي: لم تتسع وتنبسط وتطيب، ومنه يقال: افعل ما دامت النفس مستريضة. [انظر المصباح المنير ١/ ٢٩١ - ٢٩٢، ومختار الصحاح ص ٢٦٣].
[ ١ / ٤٢٣ ]
علوم الشرائع.
على أني أراك أيها الخصم مذبذبا./ تارة فيلسوفا صلفا «١». وتارة مشرعا جلفا «٢» فأراك كما قال بعضهم لامرأته:/
إني رأيتك في الهوى ذواقة لا تصبرين على طعام واحد «٣» قال:" وانظر أيضا إلى قوله في سورة الرحمن يصف نساء الجنة، الحور العين: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «٤» قال ابن عطية في التفسير:
" قال مجاهد «٥»: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج،
_________________
(١) صلفا: الصلف: مجاوزة القدر في الظّرف والبراعة والادعاء فوق ذلك تكبرا. وهي آفة وغلو مع تكبر. [انظر لسان العرب ٩/ ١٩٦].
(٢) الجلف: الرجل الجافي في خلقه وخلقه، شبه بجلف الشاة: أي أن جوفة هواء لا عقل فيه. [انظر لسان العرب ٩/ ٣١، وإكمال الإعلام بتثليث الكلام ١/ ١١٨].
(٣) لم أعرف قائل هذا البيت. مع كثرة البحث عنه فيما استطعت الاطلاع عليه من المراجع.
(٤) سورة الرحمن، آية: ٥٦.
(٥) مجاهد بن جبر شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي الأسود المخزومي. أكثر ما أخذ عن ابن عباس﵄-، وقد روى عنه قال:" عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة" وفي رواية: ثلاث عرضات أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت". ولد مجاهد في خلافة عمر بن الخطاب﵁- سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وشهد وفاة عمر بن عبد العزيز كان يحمد الله﷿- أن منعه من الانحراف إلى الرفض والقدر أو التجهم ويقول:" ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء». والأشهر أنه توفي سنة أربع ومائة من الهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧، والتفسير والمفسرون ١/ ١٠٤].
[ ١ / ٤٢٤ ]
" الله تعالى" «١» فنفى في هذه الآية جميع المجامعات. قال ضمرة بن حبيب «٢»:
" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف «٣» " يعني النساء من الجن، فنفى في هذه الآية الافتضاض في البشريات والجنيات".
قلت: هكذا وجدت كلامه، وهو مخبط لا يظهر منه وجه الإشكال لكنا نقول: أما قول مجاهد وضمرة بن حبيب فلسنا منه في شيء ولا يرد علينا لو عارض غيره، وأما معنى الآية فهو: أن لمن خاف مقام ربه في الجنة نساء أبكارا لم يفضضهن قبلهم أحد، إنسي ولا جني ثم تلك النساء يجوز أن يكن نساءهم في الدنيا، يعدن أبكارا كما قال تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (١٠٤) «٤»
ويجوز أن يكن منشآت من الجنة.
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ١٠/ ٢٨٩، وتفسير الطبري ٢٧/ ١٥١، ونص كلامه فيهما:" إذا جامع الرجل ولم يسم، انطوى الجان على احليله فجامع معه".
(٢) ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي، كان مؤذن المسجد الجامع بدمشق، وثقه علماء الجرح والتعديل. توفي سنة ثلاثين ومائة من الهجرة [انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٩].
(٣) انظر تفسير الطبري ٢٧/ ١٥١، وتفسير القرطبي ١٧/ ١٨١.
(٤) سورة الأنبياء، آية ١٠٤. وهذه الآية دليل على البعث، وأوضح في الاستدلال على ما نحن فيه قوله تعالى في سورة الواقعة (٣٥ - ٣٧): إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا فقد روي في الآثار أن المراد: نساء بني آدم يخلقهن الله ويعيدهن شبابا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. [انظر تفسير الطبري ٢٧/ ١٨٥ - ١٨٦، وتفسير القرطبي ١٧/ ٢١٠ - ٢١١، وتفسير ابن كثير ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢].
[ ١ / ٤٢٥ ]
وذكر حديث: «إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» الحديث «١».
وحديث: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب «٢» فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله «٣» ".
قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها".
قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة عن المادة، لا يتأتى منها ذلك.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل في الصلاة، وأخرجه بنحوه في الأذان، باب فضل التأذين، وفي السهو، باب إذا لم يدرك كم صلى سجد سجدتين وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس. عن أبي هريرة في كل المواضع. وأخرجه مسلم عنه بألفاظ مختلفة في كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، حديث ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، وفي المساجد باب السهو في الصلاة .. حديث ٨٣. وأبو داود عنه في الصلاة باب رفع الصوت بالأذان، والنسائي عنه في الأذان، باب فضل الأذان، والدارمي في الصلاة، باب الشيطان إذا سمع النداء فر، ومالك عنه في باب ما جاء في النداء للصلاة، وأحمد عنه في المسند (٢/ ٣١٣، ٤٦٠، ٥٠٣، ٥٢٢).
(٢) في الأصل:" فليأكل بيمينه ويشرب " وما أثبته: لفظ مسلم وأبو داود وأحمد، وفي سنن الدارمي والموطأ:" فليأكل بيمينه وليشرب ".
(٣) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في الأشربة، باب آداب الطعام، حديث ١٠٥ عن ابن عمر، وأبو داود كذلك في الأطعمة، باب الأكل باليمين، والدارمي في الأطعمة باب الأكل باليمين، ومالك في الموطأ في صفة النبي ﷺ، باب النهي عن الأكل بالشمال، وأحمد في المسند (٢/ ٨، ٣٣، ١٣٥، ١٤٦، ٣٢٥) عن ابن عمر وأبي هريرة.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قلت: وكأنه يورد تناقضا آخر بين قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «١» وبين قول مجاهد:" الجن تجامع نساء البشر" وقول ضمرة بن حبيب" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف".
قلت: وجوابه من وجهين:
أحدهما: منع التناقض بما بيناه من أن المراد بالآية أن كلا من أهل الجنة له زوجات أبكار لم يطمثهن قبله غيره. وهذا لا ينفي أن الجن يجامعون نساءهم أو نساء غيرهم في الدنيا أو في الآخرة.
الثاني: أن التناقض بين قول الله سبحانه وأقوال المفسرين لا يلزمنا. لأن الخلاف بينهم كثير. فإن التزمنا ذلك طال علينا. ولأنهم ليسوا معصومين فيجوز أن يخطئوا.
قال:" وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبيﷺ- «٢» قال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثا. فإن الشيطان يبيت على خيشومه" «٣» وفيه:" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها
_________________
(١) سورة الرحمن، آية: ٥٦.
(٢) ﷺ: ليست في (أ).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة ابليس وجنوده، عن أبي هريرة بلفظ مقارب لهذا اللفظ، ومسلم في الطهارة، باب الإيثار في الاستنثار والاستجمار، حديث ٢٣، عنه بنحوه والنسائي في الطهارة باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٢).
[ ١ / ٤٢٧ ]
تطلع/ بين قرني شيطان" «١».
قلت: وجه سؤاله من هذا ما قدمه من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فكيف يبيت على خيشوم الآدمي؟ وذلك يستدعي أن يكون جسما. وكيف يكون له قرنان؟ وأيضا: الشمس مثل الأرض مرارا كثيرة فكيف تطلع بين قرني شيطان؟.
والجواب: قد تكلمنا قبل على بساطة الشيطان وتجرده عن المادة ومنعناه مطلقا. بل هو تجرد مقيد- كما سبق-.
وحينئذ يقع «٢» منه المبيت على خيشوم الآدمي وأم رأسه/، ليزين له النوم «٣» ويثقله فيه، كي لا يستيقظ بالليل فيصلي. كما ذكر في حديث آخر:
" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فكلما أراد أن يستيقظ قال له:
نم «٤». عليك ليل طويل،. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. وإن توضأ/
_________________
(١) في (أ): الشيطان، والحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، عن ابن عمر بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، حديث ٢٩٠، عن ابن عمر أيضا، والنسائي في المواقيت باب النهي عن الصلاة بعد العصر، عن عائشة﵂- وأول حديثها:" لا تتحروا " الحديث.
(٢) في (ش)، (أ): يصح.
(٣) في (أ): اليوم.
(٤) في (أ): ثم.
[ ١ / ٤٢٨ ]
انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" «١».
وهذا من الأسرار الإلهية التي اعترف الخصم في أول كتابه: أن العقول لا تستقل بدركها.
وقد ذكر في الإنجيل: أن المسيح بعد قيامه من الأموات صار روحا مجردا يظهر لمن شاء، ويختفي عمن شاء «٢». فكذلك الملائكة والشياطين في ظهورها واستخفائها.
وأما قوله:" تطلع بين قرني شيطان" «٣» فقال بعض أهل العلم بغريب الحديث: أي ناحيتي رأسه وجانبيه «٤».
قلت: وهذا لا ينافي عظمها في نفسها كما تقول خرجت بين الجبلين والجدارين «٥»، كما سبق في قوله: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٨٦) «٦» ومعناه: أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس ، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، وأبو داود في التطوع، باب قيام الليل، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، وأحمد في المسند (٢/ ٢٤٣)، كلهم عن أبي هريرة بألفاظ مختلفة.
(٢) انظر آخر إنجيل لوقا.
(٣) في (أ): الشيطان.
(٤) انظر كتاب غريب الحديث للخطابي ١/ ٧٢٥ - ٧٢٦، وفتح الباري ٦/ ٣٤٠.
(٥) في (ش): الجللين والجدار.
(٦) سورة الكهف، آية: ٨٦، وانظر ص: ٣٦٠ من هذا البحث.
[ ١ / ٤٢٩ ]
الشيطان يقارنها على جهة المسامتة «١» لا الملاصق كما تقارن بعض الكواكب السبعة بعضا، وإن كانت في أفلاكها متباعدة المراكز والذوات ليزيّن للكفار «٢» السجود لها.
وقال بعضهم: القرن: القوة. أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها، وقيل: بين قرنيه أي أمتيه الأولين والآخرين من الساجدين لها، المطيعين له في ذلك «٣»، أي أن عادة الكفار مستمرة في عبادة الشمس عند طلوعها وغروبها «٤»، فلا تصلوا «٥» حينئذ لئلا يصير فيكم/ شبه منهم. وهو﵇- من شرعه: بغّض الكفار والتشبه بهم جدا حتى أنه يحسم مواد ذلك بكل ممكن، كما كرّه في شرعه الصلاة إلى محراب فيه نار تتقد لئلا يشبه
_________________
(١) المسامتة: المقابلة والموازاة. [انظر المصباح المنير ١/ ٣٤٠].
(٢) في (أ): الكفار.
(٣) يقول الإمام النووي﵀- في شرح صحيح مسلم (٦/ ١١٢):" قيل المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له، ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها " اهـ. وبقاء اللفظ على ظاهره دون تأويل هو الصحيح- والله أعلم-.
(٤) في (أ): أو غروبها.
(٥) في (أ): يصلوا.
[ ١ / ٤٣٠ ]
فعل المجوس «١». وأن لا يشد وسطه في الصلاة بما يشبه شد الزنار لئلا يشبه فعل النصارى «٢»، ولا يتعمم غير مذوب «٣» لئلا يشبه/ عمامة اليهود «٤». وأشباه ذلك كثير. قال بعضهم: وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكأن الشيطان مقترن بها، يسول له ذلك.
_________________
(١) لم أجد في ذلك إلا ما ذكره ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٢٨) عند شرح ما قاله البخاري: " باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله" قال ابن حجر:" وإنما خصه بالذكر- أي التنور- مع كونه ذكر النار بعده اهتماما به لأن عبدة النار من المجوس لا يعبدونها إلا إذا كانت متوقدة بالجمر كالتي في التنور، وأشار به إلى ما ورد عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال هو بيت نار، أخرجه ابن أبي شيبة" اهـ.
(٢) يقول ابن قدامة في المغني (١/ ٥٨٦):" فأما شد الوسط في الصلاة فإن كان بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء فلا يكره رواية واحدة وإن كان بخيط أو حبل مع سرته وفوقها فهل يكره؟ على روايتين: إحداهما: يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم وقال: «لا تشتملوا اشتمال اليهود» رواه أبو داود اهـ. قلت: الحديث عند أبي داود في الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به. ولفظه:" ولا يشتمل اشتمال اليهود".
(٣) في (أ): غير ملله، أو غير ملكه. ليست واضحة ومكانها بياض في (ش). والمذوب: ماله طرف مرخي، وهي في الأصل: الضفيرة من الشعر. [انظر منال الطالب ص ١٤٨].
(٤) العمامة المقطعة التي لا ذؤابة لها ولا حنك يلبسها اليهود، وقد لبس النبي ﷺ العمامة ذات الذؤابة أي التي لها طرفان كما في حديث مسلم في الحج حديث ٤٥٣ عن عمرو بن حريث قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء. قد أرخى طرفيها بين كتفيه" كما أخرج مسلم أيضا في الحج حديث ٤٥٢: أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء" ولم يذكر أنها مذوبة. والذي قال بالنهي عن لبس العمامة غير المذوبة ليس له دليل غير أن اليهود يلبسونها. والله أعلم. [انظر زاد المعاد ١/ ١٣٥ - ١٣٦، ونيل الأوطار ٢/ ١٠٥ - ١٠٧].
[ ١ / ٤٣١ ]
قلت: ومثل هذه الإشارات كثيرة في كلام العرب خصوصا في كلام هذا النبي، فإنه كان أفصح العرب وأبلغها، فليس ينبغي لعلوج النصارى وأعاجمهم أن يناقشوه في ظواهر العبارات «١»، حتى يعلموا لغته فيكونوا مثله فيها «٢». والله أعلم.
قال:" وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال رسول اللهﷺ «٣»: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله «٤». قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" «٥» وقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" «٦».
_________________
(١) في (أ): العبادات.
(٢) فيها: ليست في (أ).
(٣) ﷺ: ليست في (م).
(٤) لفظ الجلالة: ليس في (م).
(٥) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان وأن مع كل إنسان قرين، حديث ٦٩، وأحمد في المسند (١/ ٢٥٧، ٣٨٥، ٤٠١، ٤٦٠) بألفاظ متقاربة.
(٦) طرف من حديث أخرجه البخاري في الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم ، وفي بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، وفي الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، وباب هل يدرأ المعتكف عن نفسه؟ ومسلم في السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية. وأخرجه أبو داود في الصوم باب المعتكف يدخل البيت لحاجته، وفي السنة، باب في ذرارى المشركين، وفي الأدب، باب في حسن الظن، والترمذي في الرضاع باب ١٧، وأخرجه ابن ماجه في الصيام، باب في المعتكف يزور أهله في المسجد، وأحمد في المسند (٣/ ١٥٦، ٢٨٥، ٦/ ٣٣٧)
[ ١ / ٤٣٢ ]
قلت: ومن سبب هذا الحديث ما رواه الترمذي من حديث مجالد «١» عن الشعبي «٢» عن جابر «٣» عن النبي ﷺ قال: «لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم. قالوا: ومنك؟ قال: ومني. ولكن الله أعانني عليه فأسلم» «٤».
_________________
(١) في (أ): مخالد. وهو أبو عمر مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، راوية للحديث والأخبار، اختلفوا في توثيقه في الرواية. قال البخاري: صدوق، وقال ابن حجر، لين الحديث من السادسة، روى عنه مسلم والأربعة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة. [انظر تقريب التهذيب ٢/ ٢٢٩، والأعلام ٥/ ٢٧٧].
(٢) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري الكوفي مولدا ونشأة ووفاة. راوية من التابعين يضرب المثل بحفظه. قال:" ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته" وهو من رواة الحديث الثقات، وهو جليس عبد الملك بن مروان وسميره ورسوله إلى ملك الروم، وكان قاضيا في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقيها شاعرا، اختلف في سنة وفاته. فقيل سنة ثلاث أو أربع ومائة من الهجرة وقيل: غير ذلك. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٣٨٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤ - ٣١٩، والأعلام ٣/ ٢٥١].
(٣) أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، من أهل بيعة الرضوان والعقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، شهد بدرا فكان ينقل الماء للصحابة لصغره ثم شهد ثماني عشرة غزوة مع النبي ﷺ، كان من المكثرين في الرواية عن النبي ﷺ، فقد بصره في آخر عمره وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين وقيل سبع وسبعين من الهجرة. [انظر الاستيعاب ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، وسير أعلام النبلاء ٣/ ١٨٩ - ١٩٤].
(٤) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في الرضاع باب ١٧، وقال:" هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه" اهـ. وأخرجه الدارمي من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر في الرقاق، باب الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، بلفظ غير هذا اللفظ، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٩) بلفظ الترمذي من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر أيضا.
[ ١ / ٤٣٣ ]
والمغيبات: اللاتي غاب عنهن أزواجهن. وفي لفظ لمسلم «١»: «لا يبيتن أحد عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم» «٢».
قلت: ومستنده «٣» في إنكار هذا ما قدمه/ من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فلا يوصف بأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم «٤». لأن ذلك يوجب جسميته ونحن قد منعنا ذلك عليه في موضعه. وبينا قواطع الإنجيل في جسمية الشياطين لكنها أجسام لطيفة للطافة مادتها وبذلك يصح عليها أن تجري من ابن آدم مجرى الدم وغيره، كالأرواح، والرياح،/ فإنه قد قال بعض أهل العلم:" إن الروح جسم لطيف سار في هذا الهيكل الكثيف على شكله «٥» والهوى يتخرق نواحي البدن، حتى قال بعضهم: الروح هو الهواء المتردد في مخاريق البدن «٦»، على أنه يجوز أن يكون أراد بالشيطان هنا: النفس الأمارة، أو الهوى، لأن هذين يوافقان الشيطان على ما يريده وإذا اتجه ما قلناه، واحتمل ما عليه «٧» حملناه، لم يبق للاعتراض به وجه.
وروى عبد الرزاق في تفسيره قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: «قال قرينه ربنا ما أطغيته» «٨» قال:" قرينه الشيطان" «٩».
_________________
(١) في كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها حديث: ١٩، عن أبي الزبير عن جابر.
(٢) في (أ):" أو ذو رحم محرم" والمعنى الا أن يكون الداخل أو البائت زوجا أو ذا محرم، أو أن تكون المرأة ذات زوج حاضر، أو ذات محرم حاضر. [انظر شرح صحيح مسلم ١٤/ ١٥٣].
(٣) في (أ): ومسنده.
(٤) عبارة (أ):" بأنه يجري مجرى من ابن آدم فجرى مجرى الدم".
(٥) ذكر ابن كثير﵀- في تفسيره (٣/ ٦١) عن السهيلي أنها:" ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر" اهـ.
(٦) ذكر ابن القيم﵀- في كتابه الروح (ص: ٢٣٥) وما بعدها أقوال الناس فيها واختلافاتهم.
(٧) في (ش): على ما عليه.
(٨) سورة ق، آية: ٢٧.
(٩) قلت: وهذا مروي عن مجاهد. [انظر تفسير القرطبي ١٧/ ١٦].
[ ١ / ٤٣٤ ]