ومنها: قوله: إن" الذكر" في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١» هو التوراة والإنجيل".
وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن «٢». ذكر عبد الرزاق «٣» في تفسيره عن معمر «٤»، عن قتادة وثابت البناني «٥» في قوله: وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٩.
(٢) انظر تفسير الإمام ابن جرير الطبري (١٤/ ٧)، وتفسير الإمام القرطبي (١٠/ ٥)، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٤/ ٣٨٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٤٧) والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية (٢/ ٥٣٩)، وفتح القدير للشوكاني (٣/ ١٢٢) وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤/ ١٥٨) وغيرها من كتب التفسير المتقدمة والمتأخرة.
(٣) عالم اليمن الحافظ الكبير الثقة أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني. تقدمت ترجمته في ص ١٧٤ من قسم الدراسة. كما تقدمت الإشارة إلى تفسيره أيضا.
(٤) الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة معمر بن راشد الأزدي مولاهم نزيل اليمن ثم البصري. ولد سنة خمس أو ست وتسعين من الهجرة، وطلب العلم وهو صغير، حدث عن قتادة والزهري وغيرهما من مشاهير المحدثين والعلماء وهو أول من ارتحل في طلب الحديث وله جامع في السير أقدم من موطأ الإمام مالك ﵀ توفي معمر ﵀ سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة النبوية. [انظر سير أعلام النبلاء ٧/ ٥ - ١٨، شذرات الذهب ١/ ٢٣٥، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٣ - ٢٤٦].
(٥) الإمام التابعي أبو محمد ثابت بن أسلم البناني، مولاهم وبنانة من قريش هم بنو سعد بن لؤي ابن غالب البصري، ولد في خلافة معاوية ﵁ وحدث عن عبد الله بن عمر ﵄ وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان من خواص أنس بن مالك، اختلف في وفاته فقيل توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل سنة سبع وعشرين ومائة للهجرة، وعمره حين وفاته ست وثمانون سنة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٢٠ - ٢٢٥، وشذرات الذهب ١/ ١٦١، تهذيب التهذيب ٢/ ٢].
[ ١ / ٢٩٦ ]
قال:" حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل «١» منه حقا «٢» ".
قلت: ونظيره قوله تعالى/: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ «٣»، والمعنى واحد.
أما «٤» احتجاجه على ذلك بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) «٥» فلا حجة فيه، لأن قبل ذلك قوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «٦» يعني القرآن بلا خلاف ولا شك إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ يعني كفار العرب لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الكفار" هل هذا- يعني محمدا- إلا بشر مثلكم" أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا «٧» وقول قوم صالح: أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ «٨»؟ ثم قالوا: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
_________________
(١) في (م):" ويبطل" بدون همزة، وفي سائر المراجع:" أو ينقص منه حقا".
(٢) قد نقله القرطبي في تفسيره (١٠/ ٥) عن قتادة وثابت البناني، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٨) من طرقين عن قتادة. وألفاظهم متقاربة.
(٣) في سورة فصلت: ٤٢.
(٤) في (م): وأما.
(٥) سورة الأنبياء: ٧.
(٦) أول سورة الأنبياء.
(٧) سورة هود، آية رقم: ٢٧.
(٨) سورة القمر، آية رقم: ٢٤.
[ ١ / ٢٩٧ ]
نُوحِي إِلَيْهِمْ أي أن الرسل الذين كانوا قبلك كانوا بشرا كانوا «١» وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه انكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أهل التوراة «٢»، هل كان المرسلون إلا رجالا يوحى إليهم؟.
فالذكر المراد/ هاهنا «٣» غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ. فإن لفظ الذكر ورد في القرآن على وجوه:
منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين.
ومنها: الرسول، كقوله «٤»: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا على ما قيل فيه «٥».
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث:" كانوا قبلك بشرا كانوا" والأولى:" كانوا قبلك كانوا بشرا".
(٢) وقيل أهل القرآن، وروي عن علي أنه قال عند نزول هذه الآية: نحن أهل الذكر، وقيل أهل العلم من اليهود والنصارى والطوائف الأخرى. [انظر تفسير الطبري ١٧/ ٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٧٤].
(٣) في (أ):" فالذكر أصح لمراد هاهنا".
(٤) في سورة الطلاق الآية رقم: ١٠، ١١.
(٥) قيل المراد بالذكر في الآية: القرآن، وهو مروي عن السدي وغيره، وقيل: المراد به الرسول: أي ترجمة عن الرسول محمد ﷺ أي تفسيرا له. قال ابن جرير ﵀:" والصواب من القول في ذلك أن الرسول ترجمة عن الذكر، وذلك نصب لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم يا أولي الألباب ذكرا من الله لكم يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولا يتلو عليكم آيات الله التي أنزلها عليه" اهـ. وقيل انزال الذكر دليل على اضمار" أرسل" أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. وقيل: المعنى: أن ذكر رسولا، وقيل الذكر هنا الشرف. [انظر تفسير الطبري ٢٨/ ١٥٢، وتفسير القرطبي ١٨/ ١٧٣ - ١٧٤، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٧٤].
[ ١ / ٢٩٨ ]
ومنها: الشرف، كقوله: وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ «١» أي: شرف «٢».
فلفظ" الذكر" مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ «٣». أو بالحقيقة والمجاز. وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو الذكر المسئول أهله.