قال:" وفي سورة غافر يصف الملائكة حيث يقول: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٧) «١».
قال ابن عطية في التفسير/: روى جابر بن عبد الله أن النبي «٢» قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش: بين شحمة أذنه وعاتقه «٣» مسيرة سبعمائة سنة» «٤».
قلت: إن كان إنكاره من هذا للإخبار بالعرش، أو لحملته أو لاستغفارهم للمؤمنين فهذا من الأسرار الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، كما سبق في المقدمة، فيجب تسلمها عن/ أهل الشرائع كما تلقيتم عن المسيح «٥» أنه بعد بعثه
_________________
(١) سورة غافر، آية: ٧.
(٢) في: (ش): النبي ﷺ.
(٣) في سنن أبي داود: إلى عاتقه.
(٤) في سنن أبي داود: عام. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الجهمية، ورجاله رجال الصحيح. والسيوطي في كتاب الحبائك في أخبار الملائك ص ٥٦ - ٥٧، بلفظ غير هذا اللفظ، وابن أبي الشيخ في كتاب العظمة كما سيأتي عند المؤلف (٣/ ٩٤٩)، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤١٤) بسند ابن أبي حاتم وقال ابن كثير:" وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات" اهـ. وذكره الذهبي في كتاب العلو، وقال:" إسناده صحيح" اهـ.
(٥) في (ش): عن المسيح قلت: تلقي النصارى عن المسيح ليس بمنزلة تلقينا عن محمد ﷺ لأنه ليس لهم سند صحيح من المسيح إلى هذا النصراني أو غيره، والإسناد من خصائص هذه الأمة المحمدية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر ٩) أما غيرها فلم يتكفل الله بحفظ كتابها فلم يكن لها إسناد يحفظ لها كتابها. ولعل قول المؤلف لهذا إنما هو على وجه التنزل لتقريرهم بكتابهم الذي يدعونه. والله أعلم.
[ ١ / ٤٣٥ ]
من الأموات صعد فجلس عن يمين أبيه. وأنه يأتي يوم القيامة في مجد أبيه على السحاب، وحوله الملائكة. «١» وإن كان انكاره لعظم خلقة هذا الملك المذكور فنقول «٢» له:
إن هذا حديث لم نعرفه إلا في كتاب" العظمة" «٣» لأبي جعفر بن حيان «٤»، وليس مثله مما تصادم «٥» به الشريعة «٦».
وثانيا: إن هذا أمر ممكن قد أضيف إلى قدرة الله، وأخبر به الصادق فما ينكر من وقوعه؟ ثم إن الجبال والبحار، بل كرة الأرض، بل كرة العالم جميعه بأفلاكه ونجومه خلق عظيم من خلق الله فلا فرق بينه وبين هذا الملك إلا الشكل والحياة.
على أن الفلاسفة يرون الأفلاك ونجومها أحياء ناطقة متحركة بالإرادة فلا فرق إذن بينها وبين الملك المذكور، وهذه مشاهدة لكل بصير متبصر، فما وجه إحالة مثل هذا حتى يقدح به في كلام الأنبياء.
_________________
(١) انظر آخر إنجيل مرقس.
(٢) في (أ): فيقول.
(٣) ج ٣ ص ٩٤٩، ط: الأولى. تحقيق رضاء الله بن محمد المبارك فوري.
(٤) انظر ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٨١ - ١٨٢.
(٥) في (ش)، (أ):" يصادم"، قال الذهبي﵀- عن أبي الشيخ:" صاحب سنة واتباع لولا ما يملأ تصانيفه بالواهيات".
(٦) قلت: الحديث أخرجه أبو داود كما تقدم والسيوطي في الحبائك في أخبار الملائك. وهو حجة ولو كان من الآحاد.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال:" وفي سورة القصص «١»: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (٨٨) يعني الله- سبحانه- «٢» فجعل الفناء شاملا لما سوى الله تعالى من الملائكة والنفوس".
قلت: كأن وجه إيراده: أن الملائكة والنفوس مجردات عن المادة لا يتصور فناؤها بناء على ما قدم من ذلك. وقد سبق جوابه، وأن الهلاك ممكن في الجميع، ثم ينشئه الله تعالى- كما أخبر-.
ثانيا: أو نقول: ليس المراد بالهلاك العدم المحض، بل هلاك هذه الهيئة التركيبية، كما أن الوعاء من زجاج أو ذهب إذا انكسر فقد هلكت وعائيته، لا زجاجيته وذهبيته وهذان قولان مشهوران/ للمتكلمين «٣» وهو أن الأجساد تعدم عدما محضا ونفيا صرفا أو تتفرق مع بقاء أجزائها المفردة. والمسألة مبنية على مسئلة الجوهر الفرد، وهو الجزء/ الذي لا يتجزأ «٤». وهي مشهورة بين الفلاسفة والمتكلمين.
_________________
(١) الآية: ٨٨.
(٢) عبر بالوجه عن الذات. [انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٤٠٣].
(٣) ذكر ابن القيم﵀- خلاف الناس في موت الأرواح وتذوق الموت على قولين: إنها تموت وتذوق الموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت ، وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس من باب أولى وقال الآخرون: لا تموت وإنما الموت للأبدان، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب كما دلت عليه الأحاديث والقرآن: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران: ١٦٩]، هذا مع القطع بأن الأرواح تفارق الأجساد، وتذوق الموت. والصواب أنها لا تعدم وتضمحل فتصير عدما محضا، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، مع أنها تفارق الجسد وتذوق الموت. [انظر الروح لابن القيم ص: ٤٥ - ٤٦].
(٤) لا بالفعل ولا بالقوة. [المبين في شرح معاني ألفاظ المتكلمين ص: ١١٠].
[ ١ / ٤٣٧ ]
قال:" وفي أول سورة فاطر: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ (١).
قلت: كأنه ينكر الأجنحة للملائكة لاستلزامها الجسمية بناء/ على ما سبق من تجردها عن المادة. وقد سبق جوابه كافيا. وقد دفع الله سبحانه «١» هذه الشبهة بقوله متصلا بالكلام المذكور:" يزيد في الخلق ما يشاء" أي لا تستغربوا ملكا له جماعة أجنحة فإن لله التصرف والقدرة على ما يشاء.
قال في سورة الزمر «٢»: ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ (٦٨) وذكر قول ابن عطية عن السدي «٣»:" استثنى جبريل وميكائيل وملك الموت ثم أماتهم بعد" «٤».
قال:" فصرح في هذه المواضع: أن الملائكة مجسمة وأن لها أجنحة وهي كما يبرهن عند العلماء: عقول بسيطة مجردة. والموت مفارقة الروح الجسد، ولا أجساد للملائكة".
_________________
(١) كلمة:" سبحانه" ليست في: (م).
(٢) الآية: ٦٨.
(٣) التابعي أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الإمام المفسر الحجازي ثم الكوفي الأعور السدي، أحد موالي قريش، وثقه أحمد بن حنبل، وقبل حديثه جمع آخر من العلماء، وضعفه يحيى بن معين وغيره. أخذ عن أنس بن مالك وابن عباس وغيرهما، وعنه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥، والنجوم الزاهرة ١/ ٣٠٨].
(٤) قلت: قد ذكر نحو هذا القول ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٢٩)، عن السدي، والقرطبي (١٥/ ٢٧٩) ولم يسنده القرطبي إلى السدي قلت: والله أعلم بمن استثنى الله من خلقه.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قلت: جواب هذا كله سبق عند أول مكان ادعى تجرد الملائكة والشياطين عن المادة «١». وبينا أن ذلك لا مذهب للأنبياء ولا الفلاسفة.
ثم يقال له: التجرد عن المادة إن كان صفة نقص وجب تنزيه الملائكة عنها لأنهم أولى بالكمال فيلزم أن يكونوا ذوي مادة، وإن كان صفة كمال. فالله سبحانه إن لم يكن/ متجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة أكمل منه، وإن كان متجردا عن المادة فقد جوزتم عليه التلبس بالمادة حيث اعتقدتم اتحاد لاهوته بناسوت المسيح، أو جعلتم الثلاثة واحدا. وقد سبق جميع هذا وإنما أعدناه بيانا.