وأما سؤال الأنبياء للابتهاج «١» بوجه الله سبحانه فلا يبقى ما يدعيه، لجواز أن تكون البهجة بالأمرين، أعني النظر إلى وجه الله، والتمتع باللذات الحسية، وهذا عين ما نقوله. وقد سأل النبي ﷺ في دعائه التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم «٢»، وأجمع على جوازه ووجوبه المسلمون.
وفي القرآن الكريم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ «٣» وأجمع المفسرون/ على أن المراد بالزيادة: النظر إلى وجه الله سبحانه «٤».
وأما الثانية: فمثبتة على التي قبلها وقد بطلت، ثم لا نسلم: أن الطعام
_________________
(١) في (ش)، (م): الابتهاج.
(٢) أخرج النسائي في كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، من طريقين عن عمار بن ياسر فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ" وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك " والحديث صحيح.
(٣) سورة يونس، آية: ٢٦.
(٤) أخرج مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه. حديث ٢٩٧، والترمذي في كتاب الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب ﵎، وفي تفسير سورة يونس، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣) عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله ﵎: «تريدون شيئا أزيدكم» فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ [يونس ٢٦] وهذا لفظ مسلم.
[ ١ / ٥٠٠ ]
والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان على الاطلاق، لأن ذلك إنما تصح دعواه فيما يقيم الرمق «١» ويحفظ البنية، فما قولك فيما زاد على ذلك كأنواع المآكل والمشارب من اللحوم والحلاوات وأنواع الأشربة، ولهذا من ترهب «٢» من النصارى والمسلمين يقتصر على البلغة «٣»، ويدع ما سواها مما يتناول للتنعم «٤».
وإذا كانت الدنيا مع أنها دار فناء ونفاد، فيها هذا النعيم، فالدار الآخرة الباقية الدائمة المأمونة الزوال أولى بذلك. ثم هب أن المأكول والمشروب لضرورة بقاء البدن، فما تقول في النكاح مع أن البدن يبقى بدونه؟ فهو من باب النعيم لا محالة.