ومنها قوله في حديث ابن عمر: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وأنكرت ذلك عائشة «١» وقالت:" إنما قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه" «٢» قال:" وهذا باطل لأن الله تعالى لا يعذب أحدا بفعل غيره" «٣».
قلت: هذا اعتراض صحيح، لكنه ليس على النبي ﷺ، بل على الراوي الذي روى ذلك عنه «٤». فإن هذا الحكم على خلاف نص القرآن، وهو قوله
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في قسم الدراسة ص: ٩١.
(٢) أخرج الحديث الإمام البخاري بألفاظ مختلفة في (الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (يعذب الميت ببكاء أهله ) وفي (المغازي، باب قتل أبي جهل). ومسلم في (الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه) بعدة ألفاظ، والترمذي في (الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت) بثلاثة ألفاظ، وابن ماجة في (الجنائز، باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه)، وأحمد في المسند (١/ ٤١، ٢/ ٣١، ٣٨).
(٣) في (ش): الغير.
(٤) أخرج البخاري في الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه) ومسلم في الجنائز، حديث ٢٣: عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال:" توفيت ابنة لعثمان﵁- بمكة وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس﵄- وإني لجالس بينهما- أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر﵄- لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فقال ابن عباس﵄-: قد كان عمر﵁- يقول بعض ذلك، ثم حدث قال: صدرت مع عمر ﵁ من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب قال: فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: ادعه لي. فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين. فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: وأخاه وصاحباه. فقال عمر﵁- يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول الله ﷺ: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه). قال ابن عباس- رضي-
[ ١ / ٤٧٥ ]
تعالى: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (١٦٤) «١» ومن المحال عادة أن من يقرر ناموسا وشريعة يخالف ما يدعي أنه أنزل عليه بما يقوله، ونسبته في ذلك/ إلى الغلط والوهم ممتنع عادة، لأن هذا مما لا يخفى عن عاقل، فضلا عن ذي ناموس.
فالحاصل: أن راوي هذا الحديث وهم في روايته، وقد صح عن عائشة أنها قالت:
" وهل «٢» أبو عبد الرحمن- تعني ابن عمر-؟ إنما مر رسول الله ﷺ/ بقوم يبكون «٣» على يهودي، أو يهودية، فقال: «إنهم ليبكون عليها/ وإنها تعذب في قبرها» «٤».
_________________
(١) - الله عنهما-" فلما مات عمر﵁- ذكرت ذلك لعائشة﵂- فقالت: " رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه)، وقالت: حسبكم القرآن ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال ابن عباس﵄- عند ذلك: والله قال ابن أبي مليكة: والله هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكى ما قال ابن عمر ﵄ شيئا" اهـ. قلت: لقد صح من طرق عند البخاري ومسلم وغيرهما ما رواه عمر وابنه عن رسول الله ﷺ وصح قول عائشة﵂- أن ذلك يوهم معارضة الآية المذكورة، ولكن يمكن الجمع بينهما بما قاله الجمهور من العلماء والذي سيورده المؤلف قريبا وهو أن قوله ﷺ: (إن الميت يعذب ببكاء أهله أو ببكاء الحي) محمول على من وصى أن يناح عليه أو علم أنه سيناح عليه ولم ينه عن ذلك. وكان الأولى للطوفي الاقتصار على هذا في الحديث مع هذا النصراني. والله أعلم.
(٢) سورة الأنعام، آية: ١٦٤، والإسراء، آية ١٥، وفاطر، آية، ١٨، والزمر، آية: ٧.
(٣) وهل: أي أخطأ ونسي وسها. [انظر لسان العرب ١١/ ٧٣٧، وشرح مسلم للنووي- ٦/ ٢٣٤] وهذه الكلمة جاءت في نص آخر غير هذا النص.
(٤) في (ش): وهم يبكون.
(٥) أخرجه مسلم في الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله، حديث رقم ٢٥، ٢٧ وأحدهما: (عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن. أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها).
[ ١ / ٤٧٦ ]
فالبكاء والعذاب في هذا ليس بينهما ارتباط سببي، بل هو اتفاقي اتفق أن بكاءهم عليها صادف وقت تعذيبها. هذا على أن لحديث ابن عمر وجها صحيحا في التأويل، وهو أنه محمول على من وصى أن يناح عليه «١»، أو علم من أهله أنهم ينوحون عليه فلم ينههم، وكان ذلك عادة العرب، وزجرهم عليها «٢» بهذا، لأن النوح على الميت يدل على التسخط بقضاء الله- سبحانه- فيكون الميت والحالة هذه متسببا إلى إيقاعه بوصيته به وإقراره عليه، والعذاب يترتب على التسبب كما يترتب على المباشرة، وقد قررت هذا الحكم في القواعد «٣».
ومنها: حديث عائشة أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فسألت عائشة النبي ﷺ عن عذاب القبر، فقال لهم: «عذاب القبر حق» قالت عائشة:
" فما رأيت النبي [ﷺ] «٤» بعد «٥» صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" «٦».
_________________
(١) هذا قول الجمهور [انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٢٢٨، وإثبات عذاب القبر للبيهقي ص ٩١].
(٢) في (ش)، (م):" فزجرهم عنها بهذا".
(٣) هذه المسألة تحدث عنها الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة. وابن حجر ﵀ في فتح الباري ٣/ ١٥٢ وما بعدها. ولم أجد كتاب الطوفي لأعرف موضع هذه المسألة منه.
(٤) " ﷺ" ليست في النسخ الثلاث. وهي من ألفاظ الحديث في مظانه.
(٥) بعد: ساقطة من (أ).
(٦) أخرجه البخاري بألفاظ مختلفة في كتاب الكسوف، باب التعوذ من عذاب القبر، وباب صلاة الكسوف في المسجد، وفي كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر ، وفي كتاب الدعوات باب التعوذ من عذاب القبر، وأخرجه مسلم، في كتاب المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر، من طرق بألفاظ مختلفة. وأخرجه النسائي في كتاب السهو، باب التعوذ في الصلاة. وأحمد في المسند (٦/ ١٧٤) ولفظ أحمد أقرب الألفاظ لهذا اللفظ الذي ذكر المؤلف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وذكر حديث أنس في عذاب القبر، وسؤال الملكين للميت فيه إلى قوله في الكافر:" يضرب بمطرقة [من حديد] «١» ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين" «٢».
قال: فتأمل هذا الحديث المصرح بعذاب القبر، وكيف أثبت عليه هذه الأضحوكة من كلام اليهودية مع عائشة؟ وكيف يسمع صياح الميت من يليه «٣» إلا الثقلين؟ وكيف يسمع من لا يسمع، ولا يسمع من يسمع؟ ولا «٤» يحتاج من له أدنى مسكة من تمييز إلى أن نبين له ما في هذا من الافتراء".
قلت: هذان الحديثان صحيحان، وأجمعت الأمة المحمدية على إثبات عذاب القبر إلا قليلا منهم، وهم بعض المعتزلة «٥» الموافقون للنصارى/ في ذلك وفي القدر- كما سبق-.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من صحيح البخاري.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال. بهذا اللفظ. وفي باب ما جاء في عذاب القبر ، بلفظ آخر، وأخرجه ابن ماجه في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر. بلفظ طويل غير هذا اللفظ.
(٣) في (أ): يلائه.
(٤) لا: ساقطة من (م).
(٥) كضرار بن عمرو، وبشر المريسي ومن وافقهما، أما أكثر المعتزلة فعلى خلاف ذلك. ولكن بعضهم كالجبائي يرى عذاب القبر لأهل التخليد من الكفار والفساق دون المؤمنين، ويرى ابن حزم ﵀ أن عذاب القبر على الروح دون الجسد، ومذهب السلف أن عذاب القبر على الروح والبدن جميعا. [انظر فتح الباري/ ٢٣٣، ولوامع الأنوار ٢/ ٢٣، والفصل في الملل والنحل ٤/ ١١٧، والروح لابن القيم ص ٦٨ - ٦٩، وشرح الطحاوية ص ٤٥١].
[ ١ / ٤٧٨ ]
ويكفي أهل السنة من المسلمين فضلية: أن كلام أعداء الإسلام إنما يتجه معهم «١»، وعلى رأيهم، وأن أهل البدع لا يتجه عليهم لموافقتهم أعداء الدين «٢» فإن هذا العلج لما قدح في النبوة، إنما وجه شبهه إلى أهل الحديث./
قلت: والجواب على هذا من وجوه «٣»:
أحدها «٤»: أنك لو ناظرت في هذا معتزليا لسلمه لك، وخالفك «٥» في دعوى الإسلام، فيكون قد أجابك بالقول بالموجب فتنقطع في هذا المقام. ولنا أن نلتزم مذهبه في جدالك، لأنه على كل حال من فرق الإسلام «٦»، وإن كان مسلما نجسا «٧»، كما أنك أنت نصراني نجس، لأنك تارة تثبت الشرائع وتارة توغل في الفلسفة والتعطيل، العائدة على النبوات بالتبطيل.
الثاني: أن هذا الحكم من فروع الشريعة، ولهذا يذكره الفقهاء في كتب الفقه عند ذكر مشروعية التلقين، فهو تبع لا مقصود.
_________________
(١) بنى المؤلف هذا على موافقة اليهودية- ومن على مذهبها من اليهود- لأهل السنة في الإيمان بعذاب القبر.
(٢) أي لا يتجه كلام أهل البدع المعتزلة وغيرهم على المسلمين لموافقة المبتدعة أعداء الدين- مثل هذا النصراني- في إنكار عذاب القبر.
(٣) في: (م): من أوجه.
(٤) في (أ): إحداهما.
(٥) في (م): وخالف.
(٦) لو عبر المؤلف﵀- بتعبير غير هذا لكان أولى، لأن الإسلام ليس فرقا فلو قال:" من إحدى فرق الأمة الإسلامية" أو" من إحدى فرق أهل القبلة".
(٧) نجاسة معنوية.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الثالث: أن جوابه التفصيلي هو جواب تكلم الجنازة بعينه من حيث التوجيه، ثم نجيب عن كلماته التي أساء بها أدبه.
قوله:" أثبت هذه الأضحوكة بكلام يهودية" قلنا: هذه أضحوكة عند عقلك. لأن الله- سبحانه- يريد ضلالك «١»، حتى يوقعك فيها، وما ينفعك السيد المسيح. ثم إنه لم يثبتها بقول يهودية، بل بالوحي الصادق النازل على سبب إخبار اليهودية./ والقرآن والوحي كان ينزل على أسباب ووقائع «٢» تقتضيه.
ودليل عذاب القبر في القرآن نحو قوله تعالى: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا «٣» سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ «٤»: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
_________________
(١) في (ش): صلاحك.
(٢) في (ش): «وقائع».
(٣) قال الله تعالى: ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [سورة طه، آية: ١٢٤]، والمعنى: أن الله يضيق على العاصي قبره حتى تختلف أضلاعه وهذا قول أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود﵄- ورواه أبو هريرة عن النبي ﷺ «فإن له معيشة ضنكا» قال" عذاب القبر" وسنده جيد، وقيل: إن المراد بالمعيشة الضنك في الدنيا، وقيل: شدة عيشه في النار. [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٥٩، وزاد المسير ٥/ ٣٣٠ - ٣٣٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٦٨ - ١٦٩].
(٤) قال الله تعالى: ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ [سورة التوبة: ١٠١]، فالآية فيها دليل على وقوع العذاب على المنافقين مرتين قبل عذاب يوم القيامة. فقيل: العذاب الأول في الدنيا بفضحهم بالنفاق والثاني: عذاب القبر. وقيل: الأول: ضرب الملائكة لوجوههم ولأدبارهم عند الموت. والثاني: في القبر بمنكر ونكير. وقيل غير ذلك. وأغلب المفسرين على أن عذاب القبر أحد العذابين قبل عذاب اليوم العظيم. [انظر تفسير ابن عطية ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٤١، وتفسير ابن الجوزي ٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٥].
[ ١ / ٤٨٠ ]
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) «١».
قوله:" كيف يسمع صياح الميت «٢» من يليه إلا الثقلين؟ " قلنا: كما وجهناه فيما سبق.
قوله:" كيف يسمع من لا يسمع؟ ". قلنا: يخلق الله قوة السمع فيه.
قوله:" وكيف لا يسمع من يسمع؟ ".
قلنا: يخلق الحجاب المانع للسمع على سمعه، كما سبق في مناجاة موسى «٣».
قوله:" لا يحتاج من له أدنى تمييز إلى أن يتبين له أن هذا افتراء".
[قلنا: أما هذا فلا يشك عاقل أنه ممكن. وقد أخبر به الصادق.
وأما ما يدعيه من إلهية المسيح أو بنوته، واتحاد الأقانيم، ونحو ذلك فلا يشك عاقل أنه افتراء] «٤»، على الله ورسله، وأول خصم يكون لك يوم القيامة:
المسيح. على ذلك. وأنت شخص متحير متردد، لا مسيحي ولا فيلسوف. بل كما قال «٥» القائل:
حدا باسمك الحادي وناحت حمامة فلم أدر أي الداعيين أجيب؟ «٦»
_________________
(١) سورة غافر، آية: ٤٦.
(٢) في (أ): صياح الديك.
(٣) انظر ص: ٤٧١ من هذا البحث وقد سبق أن بينا أن ما نقله الطوفي من أن الله أمر الريح فأخذت على أسماع الناس عند مناجاة الله لموسى ولولا ذلك لماتوا من صوت الله تعالى. لم أجد له أصل فالله أعلم بصحة ذلك.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (م).
(٥) قال: ساقطة من (أ).
(٦) لم أعرف قائل هذا البيت رغم البحث الطويل. وحدا من الحدو وهو: سوق الإبل والغناء لها. والحادي سائق الإبل. ونوح الحمامة ما تبديه من سجعها على شكل النوح الذي هو البكاء بصوت حزن يبكي غيره. [انظر لسان العرب ١٤/ ١٦٨ - ١٦٩، ٢/ ٦٢٧].
[ ١ / ٤٨١ ]