منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من شرط وركن ونحو ذلك.
ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (١٦٥) «٣» وقوله: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ (١٣٤) «٤» الآية، وغيرها.
ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «٥»، وأدوار الفلك،
_________________
(١) في (أ): وشهد.
(٢) في (أ): فوائد النبوة.
(٣) سورة النساء، آية: ١٦٥.
(٤) قال الله تعالى: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى (سورة طه، آية: ١٣٤).
(٥) هو علم ينظر به في حركات الكواكب الثابتة، والمتحركة، والمتميزة، ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية. [مقدمة ابن خلدون ص ٤٨٧، وانظر دائرة معارف القرن العشرين ٦/ ٦٢٨]. ويسمى أيضا علم المجريات وعند الفلاسفة الحدسيات. واطلاق لفظ العلم عليه فيه نظر [انظر الرد على المنطقتين ص ٣٨٨].
[ ١ / ٢٥٩ ]
وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «١» به عقول البشر، ولا تفي أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم «٢».
ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ومضارها «٣»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «٤»، كما قال" أبقراط «٥» ":
_________________
(١) في (أ): يستقل.
(٢) كان دور الأنبياء فيما يتصل بذلك: الاستدلال- بالكواكب والأفلاك وعظيم خلقها وحركتها العجيبة واتقان صنعها ونظامها العجيب- على وحدانية الله وعظيم قدرته وبيان الحكمة من خلق هذه الأفلاك والكواكب ومنفعتها للخلق، كالاستضاءة والاهتداء بها وحساب الوقت والزمن، وكونها مواقيت للناس في معاملاتهم وعباداتهم كالصوم والحج والفطر ومدة الحمل وغير ذلك. والآيات القرآنية في ذلك كثيرة لا يمكن إيرادها في هذا المكان منها قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ الآية (سورة البقرة ١٨٩) وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة يونس ٥) وقوله تعالى: وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٩٧] (سورة الأنعام ٩٧) وغيرها.
(٣) كلمة:" مضارها" ليست في (م)، (ش)، وهي من هامش (أ).
(٤) عرف نبينا محمد ﷺ أن كل داء له دواء، قد يهتدي إليه البشر أو لا يهتدون، كما في قوله ﷺ فيما أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٨): «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» [وبعضه في البخاري ومسلم). وأعظم الأدوية للمؤمنين القرآن الكريم: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الاسراء ٨٢)، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ (فصلت ٤٤). وقد ذكر النبي ﷺ كثيرا من الأغذية والأدوية كالعسل والحجامة وغيرهما وبين ما فيهما من منافع، ولكن تجارب الأطباء في الأدوية وخواصها ومنافعها ومضارها كثيرة جدا، فليس معرفة الأحكام الطبية مقصورة على النبوات.
(٥) أبقراط بن راقيلسر الطبيب الحكيم اليوناني، وهو من نسل اسقلينوس الذي كان بداية صناعة الطب منه، والذي كان الملوك يختارون الملك من نسله، وكان أبقراط يلبس السواد، وهو شعاره، برع في علم الطب. (انظر نزهة الأرواح في تاريخ الحكماء والفلاسفة ١/ ٢١٧ - ٢٢٦).
[ ١ / ٢٦٠ ]
" العمر قصير، والصناعة طويلة، والتجربة «١» خطر، والقضاء عسر «٢» ".
قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «٣»، ودعاء موسى لقومه، برفع العذاب عنهم مرارا «٤»، ورد النبي﵇- عين قتادة بن النعمان عليه «٥»، وأشباه ذلك.
_________________
(١) في (م): وللتجربة.
(٢) العبارة في الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ١١١):" العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر". اهـ.
(٣) كما قال تعالى: ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران آية ٤٩).
(٤) كما قال تعالى: ولَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ ومَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الزخرف: ٤٦ - ٥٠)، ولَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الأعراف ١٣٤ - ١٣٥).
(٥) الصحابي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري عقبي بدري شهد المشاهد كلها. قيل: إنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن هي سورة مريم. كانت معه يوم الفتح راية بني ظفر، توفي﵁- في خلافة عمر بن الخطاب﵁- سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ونزل قبره أخوه لأمه أبو سعيد الخدري﵄-. وقصة رد عينه في غزوة أحد أو في غزوة بدر ذكرها الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٩٩ - ١٠٠، ٢٥١ - ٢٥٣) بخمسة أسانيد وأورد منها ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٩١) طريقين قال في أحدهما:" وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ولم يخرجوه" وذكر القصة ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٨٧ - ١٨٨).
[ ١ / ٢٦١ ]
قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «١» في ثلاثة أشياء.
أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك.
الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «٢» من بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه.
الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «٣» بدون النبوة.
ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «٤»، إذ الفلاسفة مختلفون في الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح".
قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد ﷺ من ذلك بأفضل مما جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «٥» في دين الإسلام، وقوانينه «٦» الأصلية والفرعية.
_________________
(١) في (ش): الرفيق، قلت: لم أعثر على هذه الرسالة.
(٢) في (ش): التظالم.
(٣) في (أ): الفلاسفة.
(٤) كلمة" الحق" ليست في (م) و(ش).
(٥) " في": ليست في (أ). وفي هامشها: بنظر الإنصاف.
(٦) قوانين: جمع قانون، وقانون كل شيء: طريقه ومقياسه. ويقال إنها دخيلة على العربية. (انظر لسان العرب ١٣/ ٣٤٩، مختار الصحاح ص ٥٥٣).
[ ١ / ٢٦٢ ]