ومنها: ما رواه مالك «١» في" موطئه" بسنده إلى أبي بكر «٢» في كتاب" الجنائز" قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه» فحفر له فيه «٣».
قال:" وهذا افتراء وقول باطل. فإن" يعقوب" توفي بمصر، وحمل إلى «٤» مقبرة أبيه إبراهيم" فدفن فيها «٥»، وكذلك" إبراهيم" و" إسحاق" دفنا هناك ولم يدفنا في مكانيهما من داريهما، وكذلك" داود" و" سليمان"/ إلى غيرهما من الأنبياء ماتوا بأماكنهم، ودفنوا في غيرها.
وبالجملة: ما دفن نبي من الأنبياء في مكانه الذي توفي فيه، فضلا أن يكونوا أجمعون دفنوا حيث ماتوا".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٠٦.
(٢) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ٨٨.
(٣) أخرجه مالك في الجنائز، باب ما جاء في دفن الميت، وهو من بلاغاته﵀- وسيأتي بقية لتخريجه عند غير مالك.
(٤) إلى: سقطت من (أ).
(٥) في (م): بها.
[ ١ / ٥٠٨ ]
الثاني: أنه «١» ذكر في التوراة أن يعقوب بقي بمصر يبكي عليه سبعين يوما «٢». ولو بقي ذلك القدر غير مدفون لأنتن وأراح «٣» إذ هو بشر على كل حال وذلك إهانة للميت.
ولهذا جاء في شرعنا: أن من إكرام الميت أن يبادر بدفنه، فدل على أنهم دفنوه حتى انقضت مناحتهم «٤»، ثم استخرجوه فنقلوه إلى آبائه. وحينئذ لا يكون نقله منافيا لدفنه حيث مات.
فإن قيل: لعلهم صبروه «٥» حتى مكث تلك المدة ولم يحتج إلى دفن.
قلنا: هذا لم ينقل في صورة التوراة ولا غيرها ومجرد احتماله لا يكفي في التصديق به. وما ذكر فيها من تحنيطه لا يدل على تصبيره، إذ كل الموتى يحنطون عند الإمكان «٦».
_________________
(١) أنه: سقطت من (أ).
(٢) القصة في سفر التكوين آخر اصحاح منه حسب التراجم الحديثة، وفيها أنه بقي يبكي عليه أربعين يوما. وهذا دليل على تحريفهم التوراة بعد زمن المؤلف أيضا.
(٣) أراح: من راح: أي وجد ريحه. [انظر مختار الصحاح ص ٢٦٢].
(٤) المناحة: الاجتماع للحزن. [انظر لسان العرب ٢/ ٦٢٧، ومختار الصحاح ص ٦٨٤].
(٥) هو من التصبير: وهو وضع الصّبر: أو الصّبر، على جسد الميت لتجفيف الرطوبات وتنشيفها. والصّبر: نبات كثير الماء في خضرته غبرة ويقال: إن ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع- نوع من الأدم- وتحنطوا بالصّبر لئلا يجيفوا وينتنوا، وتضمد به العينان. [انظر لسان العرب ٤/ ٤٤٢، ٧/ ٢٧٨، وشرح صحيح مسلم ٨/ ١٢٤].
(٦) التحنيط: وضع الحنوط على جسد الميت: والحنوط: طيب يخلط للميت خاصة، وقيل: الكافور. استدل بعض العلماء على تحنيط الميت بمفهوم الحديث الذي أخرجه البخاري في الجنائز، باب الحنوط للميت، ومسلم في الحج حديث ٩٤ وغيرهما في قصة المحرم الذي سقط-
[ ١ / ٥٠٩ ]
الثالث: أنك ناف ونحن مثبتون، والإثبات مقدم على النفي، إذا استوى المخبران، فكيف والمخبر بالإثبات ذو ناموس عظيم. وأنت فيلسوف علج.
الرابع:- وهو المختار عندي في الجواب- منع صحة الحديث «١»، فإني كشفت عنه في كتاب" الجنائز" من الموطأ فلم أجده «٢»، ولم أعلم أحدا رواه إلا أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق «٣» قال: أنا «٤» ابن جريج «٥»، قال: أخبرني أبي «٦»:
_________________
(١) - من فوق دابته فقال النبي ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا» وبصريح الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت حديث ١٤٦٢" من غسل ميتا وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه" وإسناده ضعيف. [انظر فتح الباري ٣/ ١٣٦، وما قال صاحب الزوائد على سنن ابن ماجه في الموضع المتقدم].
(٢) أرى أن درجة الحديث والاعتماد عليه أقوى من درجة ما يدعونه من التوراة والإنجيل. وأن صحة أو ضعف هذا الحديث لا يهمنا ما دام اعتمادهم على ما هو أضعف كما بينه المؤلف في الوجه الأول.
(٣) الحديث رواه مالك في الموضع المشار إليه والترمذي وابن ماجه كما سيأتي قريبا.
(٤) عبد الرزاق بن همام ثقة تقدمت ترجمته ص: ١٧٤ من قسم الدراسة.
(٥) في المسند: أخبرني.
(٦) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد وأبو خالد: فقيه المسجد الحرام، كان إمام أهل الحجاز في عصره. وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة، رومي الأصل، من موالي قريش، مكي المولد والوفاة. كان ثبتا لكنه يدلس ويرسل، روى له أصحاب الكتب الستة توفي سنة خمسين ومائة من الهجرة، وقد جاوز السبعين. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٥٢٠، وتاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠٧].
(٧) أبوه هو: عبد العزيز بن جريج، مولى قريش، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: لم يسمع من عائشة. وقال الدارقطني: مجهول. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حجر: لين. [انظر تهذيب التهذيب ٦/ ٣٣٣، والتقريب ١/ ٨٠٥، وتاريخ الثقات ص ٣٠٤].
[ ١ / ٥١٠ ]
أن أصحاب النبي ﷺ لم يدروا أين يقبروه؟ «١» حتى قال أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت» «٢» فأخروا فراشه «٣» وحفروا له تحته» «٤».
قلت: وفي هذا الحديث جهالة وإرسال، لأن أبا ابن جريج لا يعلم حاله في الرواية، وقد أرسله عن الصحابة، فلا نعلم هل سمعه منهم أو من غيرهم عنهم؟.
وهاتان/ علتان لا يبنى «٥» على ما كانتا فيه من الحديث فرع فضلا عن أن نلتزم تسليمه، والجواب عنه فيما يقدح في أصل الشريعة.
ورواه ابن هشام «٦» في السيرة من وجه لا يسكن إليه أيضا. وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر سمعت من «٧» رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال:" ما قبض الله نبيا إلا في
_________________
(١) في المسند:" أين يقبرون النبيﷺ- حتى
(٢) في (أ):" الا خبث بموت" وهذا تصحيف.
(٣) في (م): فرشه.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧) بسند منقطع. [انظر الفتح الرباني ٢١/ ٢٥٥].
(٥) في (أ):" لا يبنا" بالممدودة.
(٦) انظر الجزء الأخير من سيرة ابن هشام بتحقيق السقا والأبياري وشلبي ص ٦٦٣، وقد تقدمت ترجمة ابن هشام في الدراسة ص: ١٧٨.
(٧) من: سقطت من (أ).
[ ١ / ٥١١ ]
الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه/ في موضع فراشه «١»، وهو حديث غريب. وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي «٢» وهو يضعف «٣». كيف وقد روى ابن مكة «٤» في" أماليه" والسهيلي «٥» في" الروض": أن النبي ﷺ لما مات قالوا له: كيف نصلي عليك؟ قال: «إذا وضعتموني على شفير قبري في بيتي فاخرجوا عني، فإن الملائكة تصلي عليّ أولا» «٦». وساق الحديث. فمع هذا النص كيف يكون الخلاف في موضع دفنه؟ فهذا مما يدل على ضعف ذلك الحديث.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ٣٣ حديث ١٠١٨.
(٢) في (ش): الملكي، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي ملكية المدني. ضعيف. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٤٧٤].
(٣) قال الترمذي:" هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من قبل حفظه. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. فرواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ أيضا" اهـ. قلت: أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ من طريق ابن عباس عن أبي بكر. قال في الزوائد في نفس الموضع" وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي، وقال البخاري: " يقال: أنه كان يتهم بالزندقة" وقواه ابن عدي، وباقي رجال الإسناد ثقات" اهـ. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٩٢) من طرق منها ما هو موقوف على أبي بكر، وطريق مرفوع وفيه محمد بن عمر شيخ ابن سعد: متروك وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: ضعيف. قلت: ولعله بمجموع طرقه يكون حسنا لغيره. والله أعلم.
(٤) لم أجد له ترجمة.
(٥) انظر ص ١٧٨ من هذا البحث ..
(٦) انظر الروض الأنف للسهيلي ٤/ ٢٧٤. وهو بنحو هذا اللفظ.
[ ١ / ٥١٢ ]
[الجزء الثاني]