وذكر حديث عائشة «١»: أن النبيﷺ- كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: (أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه «٢» يكون حيث شاء فكان في بيتي حتى مات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه، فقبضه الله، وإن رأسه لبين سحري «٣» ونحري، وخالط ريقي ريقه في آخر أيامه من الدنيا «٤» " ولقد اشتد عليه الموت حتى لا أكره شدة الموت لأحد بعده «٥» ".
_________________
(١) كلمة:" عائشة" ليست في (أ).
(٢) في (أ): أزواجا.
(٣) سحري: السحر: هو الصدر. [انظر فتح الباري ٨/ ١٣٩].
(٤) هذا الحديث أخرجه البخاري بعدة ألفاظ في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ (٩٦)، وفي كتاب فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ (٤)، وفي كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ووفاته (٨٣)، وفي النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له (١٠٤)، وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة، حديث (٨٤)، بلفظ مختصر.
(٥) هذه الزيادة أخرجها الترمذي فى حديث مستقل بلفظ غير هذا، في كتاب الجنائز، باب ما جاء فى التشديد عند الموت، حديث ٩٧٩، عن عائشة قالت:" ما أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول اللهﷺ-"، وفي سنده ضعف. وأخرجه النسائي في كتاب الجنائز، باب شدة الموت، قالت:" مات رسول اللهﷺ- وأنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد ما رأيت رسول اللهﷺ-" قلت: ورجاله ثقات. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول اللهﷺ-، حديث ١٦٢٢، بلفظ:" ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول اللهﷺ-" وأحمد في المسند (٦/ ٦٤) بلفظ النسائي، ورجاله ثقات. وروى البخاري فى كتاب المرضى، باب شدة المرض. (٢) قالت:" ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول اللهﷺ-".
[ ٢ / ٧٤١ ]
قلت: ووجه السؤال فيه من وجهين:
أحدهما: أنه لم يغفل عن لذة النكاح التي هي عار عند الخصم حتى في مرض الموت./
الثاني: أن شدة الموت عليه عقوبة، فدل «١» أنه كان يستحقها.
قلت: والجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أن النكاح قد بينا أنه عبادة وهو من سنن المرسلين، والقول بأنه عار سفه.
الثاني: أنه كان يحب عائشة ويألفها أكثر من غيرها، ولهذا كان يقول: (هذا قسمي فيما أملك فهب لي ما لا أملك «٢»)، ولا يلزم من ألف الشخص صاحبه أن يكون يستمتع به من جهة اللذة المشهورة، بل يصير الميل إليه خلقا للنفس حتى مع الغفلة عن اللذة.
_________________
(١) لو كانت العبارة:" فدل على أنه يستحقها" لكانت أوضح وأصح.
(٢) هكذا لفظه عند المؤلف، ولفظه عند أبي داود في كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء:" اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، وهو عنده موصول ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. ورجاله ثقات، والترمذي في النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، وقال:" حديث عائشة هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة أن النبي ، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا أن النبي ..، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة" اهـ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٧) وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" اهـ، وألفاظهم نحو لفظ أبي داود.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
والجواب عن الثاني: أن لحوق المشاق في الدنيا من أسباب النعم الأخروية، خصوصا شدة الموت فإنه آخر ما يكفر به عن العبد المؤمن ذنوبه إن كان له ذنوب، وإلا رفع به درجات في الجنة، ولهذا يرى غالب المؤمنين أهل بلاء في الدنيا، وغالب/ الكفار أهل عافية.
وفي الحديث النبوي الصحيح: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر «١»» وفي المثل العامي:" المؤمن ملقى، والفاجر موقى «٢» " ثم لو كان لحوق المشقة في الدنيا عقوبة لوجب أن يكون إلقاء إبراهيم في النار، وعمى إسحاق ويعقوب، وما جرى ليوسف، وحزن أبيه عليه، وبلاء أيوب، وما قاساه موسى وهارون من بني إسرائيل وقوم فرعون، وقتل يحيى وزكريا وغيرهم من الأنبياء، وإهانة اليهود للمسيح، ثم قتله وصلبه «٣»، وما جرى لتلاميذه بعده وقتل" جرجيس «٤» " أربع مرات ثم يعيش، وحبس يونس في جوف الحوت ونحو ذلك عقوبات في حقهم، واحد لا يقول بذلك.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الإمام مسلم في أول الزهد، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث ٢٣٢٤، وقال:" هذا حديث صحيح"، وابن ماجه في الزهد، باب مثل الدنيا حديث ٤١١٣، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥).
(٢) هذا المثل العامي لم أجده فيما بين يدي من المراجع.
(٣) علي زعم النصارى.
(٤) انظر فيما حصل لجرجيس. تاريخ الطبري ٢/ ٢٤ - ٣٦.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وأما قول عائشة:" خالط/ ريقي ريقه" فليس ذلك بمباشرة استمتاعية، بل لأن النبيﷺ- كان مستندا/ إلى صدرها فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة ومعه سواك يستاك به فأتبعه النبيﷺ- بصره، فقالت له عائشة: آخذه لك يا رسول الله، فأومأ برأسه، أي نعم- وكان يحب السواك لأنه كما قال﵇-: (مطهرة للفم، مرضاة للرب «١») - فأخذته من أخيها فمضغته بفمها حتى لان، ثم أعطته النبي «٢» ﷺ فاستاك به «٣». فذلك هو المراد باجتماع ريقهما.
_________________
(١) قوله: (مطهرة للفم مرضاة للرب) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم (٢٧)، معلقا بصيغة الجزم عن عائشة، والنسائي موصولا في كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك وفي سنده من ليس بالقوي، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب السواك، حديث ٢٨٩، وفي سنده ضعف، والدارمي في كتاب الوضوء، باب السواك مطهرة للفم، وفي سنده ضعف، وأحمد في المسند (٢/ ٣، ١٠) وفي (٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، ٢٣٨) من طرق كلها عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، وهما مقبولا الحديث. قلت: ولعل الحديث بمجموع طرقه حسن لغيره. والله أعلم.
(٢) في (ش): للنبي.
(٣) قصة دخول عبد الرحمن بالسواك وإعطاء عائشة للنبيﷺ- في آخر أيامه أخرجها البخارى فى المغازي، باب مرض النبيﷺ- ووفاته (٨٣) بلفظين مختلفين، وأحمد في المسند (٦/ ٤٨، ٢٠٠، ٢٧٤).
[ ٢ / ٧٤٤ ]