وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة النكاح منها".
فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.
_________________
(١) أسكرجة: أوله همزة، وهو قول بعض أهل اللغة، وفي لسان العرب: سكرجة بدون همز، بضم السين والكاف والراء والتشديد بعد جيم مفتوحة. وهو لفظ الحديث الذي أخرجه البخاري في الأطعمة، باب ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون، عن أنس﵁- قال:" ما أكل النبي ﷺ على خوان ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقق. فقلت لقتادة: على ما يأكلون؟ قال على السفر" وأخرج الحديث أيضا الترمذي في أول الأطعمة، وابن ماجه في الأطعمة باب الأكل على الخوان والسفرة. وأحمد في المسند (٣/ ١٣٠) والسكرجة: فارسية معربة، وهي إناء يؤكل فيه، منه الصغير ومنه الكبير [انظر لسان العرب ٢/ ٢٩٩، وفتح الباري ٩/ ٥٣٢].
(٢) الوطي السهل اللين. [انظر إكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٧٥٤].
(٣) أخرجه الترمذي بسند عن عبد الله قال:" نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" قال الترمذي:" وفي الباب عن عمر وابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" اهـ. وقد أخرجه ابن ماجه عن عبد الله في الزهد، باب مثل الدنيا، وأحمد في المسند (١/ ٣٠١) عن ابن عباس ولفظهما نحو لفظ الترمذي.
[ ١ / ٢٦٨ ]
ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «١»؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم.
ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ «٢» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء﵈ «٣» -؟
وهل هذا إلا تهافت؟
وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعبّاد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «٤» أنواعه.
وإن قلت على الأنبياء﵈ «٥» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال.
_________________
(١) على من: ليست في (ش).
(٢) في (أ): المتاذى.
(٣) " ﵈": ليست في (م).
(٤) في ش، م: ونوع أنواعه.
(٥) " ﵈": ليست في (م)، (ش).
[ ١ / ٢٦٩ ]