المبحث الأول: موضوع الكتاب، وفيه ثلاثة مطالب:
أولًا: أهم المباحث التي اهتم المؤلف ببيانها.
اهتم مؤلف الكتاب ﵀ بإبراز النقاط، التي تدل على بطلان ديانة النصارى، كما أبرز أيضًا النقاط الأساسية التي تدل على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ من كتبهم، مما تقوم به الحجة عليهم من كلامهم، فكانت مباحث الكتاب كما أفاد -﵀- في مقدمة كتابه تشمل الحديث عن:
أولًا: بطلان دعوى النصارى ألوهية المسيح ﵇، وإثبات أنه نبي كسائر الأنبياء قبله من بني إسرائيل.
ثانيًا: بطلان استدلال النصارى على ألوهية المسيح ﵇ بالآيات التي كانت تظهر على يدي المسيح ﵇، وإثبات أن آياته ومعجزاته من جنس الآيات والمعجزات، التي أجراها الله على أيدي الأنبياء قبله، بل أجرى الله على أيديهم آيات تفوق آيات المسيح، ولم تدل عند تلك الأمم على ألوهية أولئك الأنبياء الذين ظهرت على أيديهم المعجزات، فكذلك عيسى بن مريم ﵇.
ثالثًا: في رد مطاعن النصارى في نبينا محمد ﷺ، وبيان بطلان كلامهم، وبيان أن الأنبياء قبل نبينا محمد ﷺ وقعت منهم أمور من جنس
[ ٣٥ ]
ما نسب للنبي ﷺ وأشد منها، ولم يطعن في أولئك الأنبياء بسببها، فكذلك نبينا محمد ﷺ.
رابعًا: في الأدلة الدالة على نبوة نبينا محمد ﷺ من التوراة والإنجيل، وأنه المقصود بكثير من الوعود المذكورة في كتابي اليهود والنصارى.
خامسًا: في الأدلة الدالة على تحريف التوراة والإنجيل من نصوص الكتابين، مما يكون أصرح دليل على تحريفها.
بعد ذلك ذكر المصنف -﵀- خاتمة اشتملت على أهم النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه.
ثانيًا: منهج المؤلف ومصادره.
سلك المؤلف ﵀ منهجًا استقرائيًا، استعرض فيه الأدلة الدالة على بطلان دعاوى النصارى، سواء في دعوى ألوهية المسيح ﵇، أو دعوى صحة التوراة والإنجيل، وأبان عن بطلانها بما يقابلها وينقضها من المعلومات الواردة في التوراة والإنجيل.
كما استعرض شبه القوم ودعاويهم في نبينا محمد ﷺ، وأبان عن بطلانها بنصوص من كتبهم. كما استعرض العديد من الأدلة الدالة على نبوة نبينا محمد ﷺ من التوراة والإنجيل. وكان من أهم مصادر المؤلف الإسلامية: القرآن الكريم، واعتمد في الأمور التاريخية على كتاب "السيرة الحلبية"، وفي إثبات أسماء النبي ﷺ على كتاب "دلائل الخيرات".
[ ٣٦ ]
أما مصادره النصرانية، فكان من أهمها: كتابا العهد القديم والجديد، كما رجع في تاريخ الكنيسة إلى كتاب "سعيد بن البطريق"، ورجع أيضًا إلى تاريخ "يوسيفوس" وهو مؤرخ يهودي، ومؤرخ آخر أسماه "لافجانيوس"، كما أشار إلى أنه طالع بعض المختصرات في رد بعض أصحاب الملل بعضهم على بعض، وأفاد منها، إلا أنه لم يسم شيئا منها.
كما رجع إلى قواميس وكتب لغة يونانية وعبرية، مما يشعر بمعرفته بكل من اللغتين اليونانية والعبرية كما سبق بيانه.
ثالثًا: قيمة الكتاب العلمية.
الكتاب كغيره من الكتب التي كتبها أصحابها من منطلق دعوى يقيمون بها الحجة على النصارى ببطلان ديانتهم، ووجوب الإيمان بنبوة نبينا محمد ﵊، والدخول في الإسلام، فجل الكتب في هذا المجال -إن لم يكن كلها- تعرضتللموضوعات التي تعرض لها المؤلف - ﵀ -، بدءًا بصاحب كتاب "تخجيل من حرف الإنجيل" وغيره، ثم من جاء بعد ذلك كشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن جاء بعده كرحمة الله الهندي، والمهتدي عبد الأحد داود. وغيرهم ممن كتب في هذا المجال، لكن المصنف -﵀- رجع إلى مراجع ذات قيمة في الموضوع خاصة من الناحية اللغوية، وذلك فيما يتعلق باللغة اليونانية واللغة العبرية.
[ ٣٧ ]
الملاحظات على الكتاب:
ما من كاتب يكتب إلا ويظهر في كتابته ما يعتري البشر من نقص، وما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﵊.
ومؤلف الكتاب الشيخ زيادة بن يحيى -﵀- عليه ملاحظات عديدة في كتابه هذا، من أهمها:
١: ركاكة الأسلوب.
من الملاحظات الواضحة ركاكة أسلوب المؤلف -﵀- مما يشعر أنه لم يتعلم العربية إلا وهو كبير السن، حتى أنه يصعب في بعض الأحيان فهم مراده، فمن ذلك:
قوله في المقدمة "قصدت أن أحرر ما قد حصلته من المقابلة في تلك المسالك، وأبينه لدى ذوي البصائر القادحة، خواض بحور هذه المعاني الشاسعة، لكي يتفحصوه بكل جهد وتدقيق، ويمعنوا نظرهم فيه من دون غرض وتمحيق، ويفهموا أن الدين المحمدي هو الذي ترجحت عليه البينات، وأنه هو الدين الصحيح، ومن اتخذ سواه دينا فهو من الخاسرين" صريح. ص ٥٣.
وقوله في الباب الثاني "رد على الافتخار الذي يفتخرون به النصارى، أي: بسمو آيات عيسى وأنها فائقة، وقصدهم بذلك لكي يثبتوا بدعتهم منها أعني: الألوهية له". ص ٥٥.
[ ٣٨ ]
وقوله في الشهادة الثانية "أقول: إن قد تتضمن هذه الشهادة على أن الفريسيين علماء اليهود حتى إلى زمان مجيئ عيسى ﵇ كان متداول بينهم عن آبائهم وأجدادهم، المتذاكرين في كلام النبي موسى، بأن الله تعالى يرسل نبيًا وهم في استنظاره كالمسيح، ومن حيث علماء اليهود كانوا متحيرين في مجئ النبي المخبر عنه من موسى، ومعربسين في قصة يوحنا بن زكريا ﵉" ص ١٤٤.
وعلى هذا النحو الكتاب كله تقريبًا.
٢: كثرة الأخطاء اللغوية.
مثال ذلك قوله ص٥٥ "إن سيدنا عيسى ليس هو إلاه حقيقي ".
قوله ص ٨٠ "أن به يثبتوا الألوهية لعيسى".
قوله ص ١٣٧ " أن إسحق أبو يعقوب وخلفه بني إسرائيل دعيو أخوة إسماعيل".
قوله ص١٤١ "وإن كان بني عيسو أخو يعقوب يسمون أيضًا إخوة لبني إسرائيل".
قوله ص ٢٦٤ "ومثله قد يوجد تناقضًا آخر في أرميا في الإصحاح الحادي والثلاثون".
٣- عدم ترتيب المؤلف للبشارات بالنبي ﷺ، وكذلك التناقضات الواردة في كتب النصارى حسب ترتيبهم في كتبهم.
٤- بعض الأخطاء العلمية، منها:
[ ٣٩ ]
زعمه أن الخلق خلقوا لأجل نبينا محمد ﷺ وفي هذا يقول ص٨٨ "ونبينا السيد الأعظم قد ورد عنه بأنه لأجله خلق الوجود".
قوله ص ١٩٤ "إن كتاب "دلائل الخيرات" جمع أسماء النبي ﷺ من الكتاب والسنة" مع أن كثيرًا من الأسماء الواردة ليس عليها دليل لا من الكتاب ولا من السنة.
٥-أن الكتاب مليء بالحواشي، وبعض تلك الحواشي يتضح منها أنها ليست للمؤلف كما في الحاشية الأولى ص٥٢، والحاشية ص١٣٧، والحاشية ص ١٤٠.
وبعضها الآخر لم يتضح هل هو للمؤلف أم لغيره، كما أن هذه الحواشيمدخلة في صلب المتن، ويفصل بينها وبين المتن كلمة حاشية، إلا أن نسخة. ت لم يجعل فيها علامة على نهاية الحاشية، أما نسخة. د فيكتب في بدايتها "حاشية" ويضع لها رقمًا تسلسليًا، وإذا انتهت كتب "النص" وهذا مما ساعد في تحديد بداية الحاشية ونهايتها، أما لغة الحواشي فهي ركيكة سواء ما كان منها للمؤلف أو لغيره. هذه على العموم أهم الملاحظات على الكتاب.
[ ٤٠ ]