مما ابتدع في قيام رمضان في الجماعة، قراءة سورة الأنعام جميعها في ركعة واحدة، يخصونها بذلك في آخر ركعة من التراويح ليلة السابع أو قبلها. فعل ذلك ابتداعًا بعض أئمة المساجد الجهال مستشهدًا بحديث لا أصل له عند أهل الحديث، ولا دليل فيه أيضًا، إنما يروى موقوفًا على علي وابن عباس، وذكره بعض المفسرين مرفوعًا إلى النبي ﷺ في فضل سورة الأنعام بإسناد مظلم عن أبي بن كعب -﵁- عن النبي ﷺ قال: «نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد» (٢) . فاغتر بذلك من سمعه من عوام المصلين.
وعلى فرض صحة الحديث فليس فيه دلالة على استحباب قراءتها في ركعة
_________________
(١) -سورة المائدة، الآية: ٣.
(٢) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٩، ٢٠) . ورواه الطبراني في الصغير وفيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف. ا. هـ. قلت: قال ابن حجر في التقريب (٢/٣٨١) متروك. وروى الحاكم في المستدرك (٢/٣١٤، ٣١٥) كتاب التفسير، عن جابر - ﵁ - (لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق) . وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال الذهبي: وأظن هذا موضوعًا.
[ ٣٢٥ ]
واحدة، بل هي من جملة سور القرآن، فيستحب فيها ما يستحب في سائر السور، والأفضل لمن استفتح سورة في الصلاة وغيرها أن لا يقطعها بل يتمها إلى آخرها، وهذه كانت عادة السلف (١) .
وورد غي الحديث أن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب (٢)، وإن كان فرقها في الركعتين.
وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جابر -﵁- أنه قال: «أقبل رجل بناضحين -وقد جنح الليل- فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه وأقبل على معاذ، فقرأ بسورة البقرة -أو النساء- فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذ فقال النبي ﷺ: «يا معاذ، أفتّان أنت- أو أفاتن أنت- أو أفاتن- ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» (٣) .
فكون قراءة سورة الأنعام كلها في ركعة واحدة في صلاة التراويح بدعة، ليس من جهة قرائتها كلها، بل من وجوه أخرى:
الأول: تخصيص ذلك بسورة الأنعام دون غيرها من السور، فيوهم ذلك أن هذا هو السنة فيها دون غيرها، والأمر بخلاف ذلك.
الثاني: تخصيص ذلك بصلاة التراويح دون غيرها من الصلاة، وبالركعة الأخيرة منها دون ما قبلها من الركعات.
الثالث: ما فيه من التطويل على المأمومين، ولاسيما من يجهل أن ذلك من عادتهم، فينشب في تلك الركعة، فيقلق ويضجر ويتسخط بالعبادة.
الرابع: ما فيه من مخالفة السنة من تقليل القراءة في الركعة الثانية عن الأولى، فقد ثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة
_________________
(١) - يراجع: الباعث لأبي شامة ص (٨٢، ٨٣) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢٤٦) كتاب الأذان حديث رقم (٧٦٤) . مختصرًا. ورواه أبو داود في سننه (١/٥٠٩) كتاب الصلاة، حديث رقم (٨١٢) . ورواه النسائي في سننه (٢/١٧٠) باب القراءة في المغرب بـ ﴿آلمص﴾ .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢٠٠) كتاب الأذان حديث رقم (٧٠٥) . ورواه مسلم في صحيحه (١/ ٣٣٩، ٣٤٠) كتاب الصلاة، حديث رقم (٤٦٥) .
[ ٣٢٦ ]
الكتاب وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحيانًا وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية» (١) .
وقد عكس صاحب هذه البدعة الأمر، فإنه يقرأ في الركعة الأولى نحو آيتين من آخر سورة المائدة، ويقرأ في الثانية سورة الأنعام كلها، بل يقرأ في تسع عشرة ركعة نحو نصف حزب المائدة، ويقرأ في الركعة الموفية عشرين بنحو حزب ونصف حزب، وفي هذا ما فيه من البدعة ومخالفة الشريعة (٢) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمة الله- عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا؟ .
فأجاب - رحمة الله - (نعم بدعة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك، وإنما عمدة من يفعله ما نقل عن مجاهد وغيره من أن سورة الأنعام نزلت جملة مشيعة بسبعين ألف ملك فاقرأوها جملة لأنها نزلت جملة، وهذا استدلال ضعيف، وفي قرائتها جملة من الوجوه المكروهة أمور منها:
أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة على الأولى تطويلًا فاحشًا والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبي ﷺ ومنها: تطويل آخر قيام الليل على أوله. وهو بخلاف السنة، فإنه كان يطول أوائل ما كان يصليه من الركعات على أواخرها، والله أعلم) (٣) . ا. هـ.