ما تأوَّله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٣) .
قال أبو العالية،
_________________
(١) - سورة لأنفال: الآية٣٥.
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢٦- ٣٢٧) .
(٣) - سورة الفرقان:٧٢.
[ ٤١٦ ]
وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: (هو أعياد المشركين) (١) .
وفي رواية عن ابن عباس - ﵄ -: أنه أعياد المشركين. وقال عكرمة - ﵀ -: (لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور) (٢) .
وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار، ليس مخالفًا لقول بعضهم: إنه الشرك، أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا (٣)، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأنَّ عادة السلف في تفسيرهم هكذا، يذكر الرجل نوعًا من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس.
وقال قوم: إن المراد: شهادة الزور هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: لا يشهدون بالزور، والعرب تقول: (شهدت كذا: إذا حضرته) . كقول ابن عباس - ﵄-: «شهدت العيد مع
_________________
(١) - يُراجع: تفسير لبن كثير (٣/٣٢٨، ٣٢٩)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٢٦- ٤٢٧) .
(٢) -يُراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/٧٩/٨٠) .
(٣) - الخنا: الفحش في القول. والخنا من الكلام: أفحشه. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٢/٨٦) باب الخاء مع النون. ولسان العرب (١٤/٢٤٤) مادة (خنا)
[ ٤١٧ ]
رسول الله ﷺ» (١) .
ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحسن المموه حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (٢)؛ لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده.
فالشاهد بالزور يظهر كلامًاُ يخالف الباطن، ولهذا فسَّره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة أو الشهود، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة.
وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهود، وهي باطل؛ إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها إلى ألم فصارت زورًا، وحضورها شهودًا.
وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور، برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهود؟!
ثم مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقضي الندب إلى ترك حضورها، وقد يفيد كراهة حضورها لتسمية الله لها زورًا، فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها أوجه (٣) .