في بداية كل سنة هجرية تحتفل بعض الدول الإسلامية بعيد رأس السنة فتعطل الأعمال في اليوم السابق له، واليوم اللاحق له. وليس لاحتفالهم هذا أي مستند شرعي، وإنّما هو حب التقليد والمشابهة لليهود والنصارى في احتفالاتهم.
وأول من احتفل برأس السنة الهجرية -حسب اطلاعي المحدود - هم ناصري البدعة حكام الدولة العبيدية -الفاطمية- في مصر.
ذكر ذلك المقريزي في خططه ضمن الأيام التي كان العبيديون يتخذونها أعيادًا ومواسمًا. قال: (موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول المحرم في كل عام؛ لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ) ا. هـ. ثم ذكر الرسوم المتبقية في هذا الموسم، وذكر بعده موسم أول العام وعنايتهم به (١) .
وعيد رأس السنة من أعياد اليهود التي نطقت بها التوراة، ويسمونه رأس هيشا، أي عيد رأس الشهر، وهو أول يوم من تشرين، ينزل عندهم منزلة عيد الأضحى عند المسلمين، ويقولون: إن الله ﷿ أمر إبراهيم بذبح إسحاق (٢) ابنه - ﵉ - فيه، وفداه بذبح عظيم (٣) .
_________________
(١) - يراجع الخطط والآثار للمقريزي (١/٤٩٠) .
(٢) - هذا كذب وافتراء من اليهود، فالذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق - ﵉ -؛ لأنَّ أول ولد بشِّرَ به إبراهيم -﵇ - هو إسماعيل﵇ -، وهو أكبر من إسحاق -﵇ -، وهذا باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل نصّ في كتابهم أن إسماعيل -﵇ - ولد ولإبراهيم -﵇ - ست وثمانون سنة، وولد إسحاق -﵇ - وعُمْر إبراهيم - ﵊ - تسع وتسعون سنة. وكونهم قالوا: إن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل - ﵉-؛ لأنَّ إسحاق أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم. فقولهم تحريف وباطل عند عامة العلماء، إلا قولًا شاذًا في هذا لا يعول عليه. يُراجع: تفسير ابن كثير (٤/١٤)، تفسير سورة الصافات، الآيات (٩٩- ١١٣) .
(٣) - يُراجع: نهاية الأرب للنويري (١/١٩٥) .
[ ٣٩٧ ]
فجاء النصارى فقلدوا اليهود، وصاروا يحتفلون بليلة رأس السنة الميلادية. ولهذا الاحتفال عندهم مراسم خاصة، وذلك أنه في تلك الليلة- ليلة أول يوم من العام الجديد- يجتمع المحتفلون ويسهرون على موائد الأكل والشرب المباحة والمحرمة، في أماكن عامة للأكل والشرب والرقص واللهو. فإذا جاءت الساعة الثانية عشرة- بالتوقيت الزوالي- وهو منتصف الليل، أُطفئت الأنوار، فيقبل كل شخص من بجانبه مدة تزيد عن خمس دقائق، وتكون الأماكن مرتبة بحيث يكون كل رجل بجانبه امرأة، سواء كان يعرفها أو لا يعرفها، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر سيقبله في الوقت الذي تطفأ فيه الأنوار، وليس المقصود من إطفاء الأنوار الستر، بل يعبرون بذلك عن نهاية عام، وبداية عام جديد.
فلذلك تجد كثيرًا من شباب المسلمين وشيبهم يحرصون على حضور هذه الاحتفالات، سواء في بلادهم، أو في بلاد الغرب أو الشرق، لكن لا تفوتهم هذه المراسم، ويخسرون في سبيل ذلك المال الكثير، ويعتبرون ذلك فرصة يجب أن تُنتهز؛ لأنَّها - كما يزعمون - من ليالي العمر التي لا تُنسى!!!.
ولم يتوقف الاحتفال بها على النصارى فقط، بل صارت كثير من البلدان الإسلامية، والتي ربما يوجد بها نسبة من النصارى ولو قليلة، يحتفل العامة فيها بعيد رأس السنة الميلادية.
وسرى التقليد إلى أن احتفلوا أيضًا برأس السنة الهجرية، ولكن المراسم تختلف.
ولا شك أن في هذا الاحتفال - الاحتفال برأس السنة الهجرية - أمر مُحدث مُبتدع، لم يُؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه-رضوان الله عليهم-، ولا عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم وأعلام الأمة وعلمائها من الأئمة الأربعة وغيرهم - رحمة الله عليهم -.
ولكن حدث ذلك بعد القرون المفضلة، بعدما اختلط المسلمون بغيرهم من اليهود والنصارى، ودخل في الإسلام من يريد بذلك أن يفسد على المسلمين دينهم، فصاروا يحتفلون بأعياد اليهود والنصارى، وهذا مصداق قوله ﷺ «لتتبعن سنن من كل قبلكم » الحديث (١) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٣٠٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (٧٣٢) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢١٩) كتاب العلم واللفظ له.
[ ٣٩٨ ]
وقد اخترع بعض المبتدعة دعاء لليلتي أول يوم من السنة وآخرها، وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية يرددونه مع أئمتهم في بعض المساجد، وهذا الدعاء لم يُؤثر عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين، ولم يرو في مسند من المسانيد (١) .
وهذا نصه: اللهم ما عملته في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيته ولم تنسه، وحلمت عليَّ في الرزق بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة بعد جراءتي على معصيتك، اللهم إني استغفرك منه فاغفر لي، وما عملته فيها من عمل ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك يا كريم، يا ذا الجلال والإكرام أن تقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ويقولون: فإن الشيطان يقول: قد تعبنا معه سائر السنة، فأفسد عملنا في واحدة، ويحثوا التراب على وجهه. ويسبق هذا الدعاء صلاة عشر ركعات، يقرأ في كل ركعة الفاتحة، ثم آية الكرسي عشر مرات، والإخلاص عشر مرات (٢) .
ولا يخفى على طالب العلم أن الدعاء عبادة، والعبادات توقيفية، وهذا الدعاء لم يرد عن النبي ﷺ، ولم يُذكر عن أحد من الصحابة - ﵃ - كما تقدَّم.
ومما أحدث أيضًا في يومي آخر السنة وأولها صيامهما، واستند المبتدعة إلى حديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من الحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة) (٣)
_________________
(١) - يُراجع: إصلاح المساجد ص (١٢٩) .
(٢) - يُراجع: رسالة روى الظمآن في فضائل الأشهر والأيام، ص (٢١) .
(٣) - رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٩٩)، وقال: الهروي هو الجويياري، ووهب، كلامها كذاب وضَّاع.
[ ٣٩٩ ]
البحث السادس