المبحث الثاني: حالة المجتمع في ذلك العصر.
المبحث الثالث: بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها.
المبحث الرابع: طريقة إحياء المولد.
المبحث الخامس: حقيقة محبته ﷺ.
المبحث السادس: موقف أهل السنة من هذه البدعة.
_________________
(١) لم أعثر - على حسب اطلاعي المحدد - على آثار تتعلق ببحثنا في شهر ربيع الأول.
[ ١٣٥ ]
المبحث الأول
أول من أحدث هذه البدعة
مضت القرون المفضلة الأولى، والثاني والثالث، ولم تسجل لنا كتب التاريخ أن أحدًا من الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم ومن جاء بعدهم- مع شدة محبتهم للنبي ﷺ، كونهم أعلم الناس بالسنة، وأحرص الناس على متبعة شرعه ﷺ احتفل بمولد النبي ﷺ.
وأول من أحدث هذه البدعة هم بني عبيد القداح (١) الذين يسمون أنفسهم بالفاطميين، وينتسبون إلى ولد علي أبي طالب﵁-، وهم في الحقيقة من المؤسسين لدعوة الباطنية، فجدهم هو ابن ديصان المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز (٢) وأحد مؤسسي مذهب الباطنية، وذلك بالعراق، ثم رحل إلى المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي
_________________
(١) - سمي القداح: لأنه كان كحَّالا يقدح العيون إذا نزل فيها الماء. يراجع: وفيات الأعيان (٣/١١٨)، والبداية والنهاية (١١/٢٠٢)، ولسان العرب (٢/٥٥٦) مادة (قدح) .
(٢) - الأهواز: سبع كور بين البصرة وفارس، وسوق الأهواز من مدنها والتي فتحها أبو موسى الأشعري سنة ١٧هـ، قيل عن أهلها: أنهم أبخل الناس وأحمقهم وهي كثيرة الحمى. يراجع: معجم البلدان (١/٣٨٤- ٣٨٦) .
[ ١٣٧ ]
طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرافضة، ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن جعفر الصادق، فقبلوا ذلك منه، مع أن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق مات ولم يعقب ذرية (١)، وممن تبعه: حمدان قرمط، وإليه تنسب القرامطة (٢)، ثم لما تمادت بهم الأيام، ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان القداح، فغيَّر اسمه
_________________
(١) - يراجع: فضائح الباطنية ص (١٦) .
(٢) - فرقة من فرق الباطنية. وقد تقدم الكلام عن الباطنية
[ ١٣٨ ]
ونسبه وقال لأتباعه: أنا عبيد الله بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق فظهرت فتنته بالمغرب (١) .
قال البغدادي: (وأولاده اليوم مستولون على أعمال مصر) ا. هـ (٢) .
وقال ابن خلِّكان: (وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب) ا. هـ (٣) .
وفي سنة ٤٠٢هـ كتب جماعة من العلماء والقضاء، والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين، محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين - العبيديين - وشهدوا أن الحاكم بمصر هو: منصور بن نزار الملقب بـ «الحاكم» -
_________________
(١) - يراجع: الفرق بين الفرق ص (٢٦٦، ٢٦٧)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه ص (٢٠، ٢١) .
(٢) - يراجع: الفرق بين الفرق ص (٢٦٧)
(٣) - يراجع: وفيات الأعيان (٣/١١٧، ١١٨) .
[ ١٣٩ ]
حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار- ابن معد بن إسماعيل بن عبد الله بن سعيد- لا أسعده الله -، فإنَّهُ لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب﵁- ولا يعلمون أحدًا من أهل بيوتات على بن أبي طالب﵁- توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبه، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعًا في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب، منتشرًا انتشارًا يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب وهم إلى تصديقهم فيما ادَّعوه، وأن هذا الحاكم بمصر- هو وسلفه-كفار فساق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والوثنية معتقدون، قد عطَّلُوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسَبُّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادَّعُوا الربوبية، وكتب في سنة اثنتين وأربعمائة للهجرة، وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير (١) ا. هـ.
_________________
(١) - منهم: من العلويين: المرتضى، والرضى، وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلى. ومن القضاء: أبو محمد بن الأكفاني، وأبو القاسم الجزري، وأبو العباس بن الشيورى. ومن الفقهاء: أبو حامد الإسفراييني، وأبو محمد بن الكسفلي، وأبو الحسن القدوري، وأبو عبد الله الصميري، وأبو عبد الله البيضاوي، وأبو علي بن حكمان. ومن الشهود: أبو القاسم التنوخي. يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٨٦-٣٨٧) .
[ ١٤٠ ]
وقد صنَّف القاضي الباقلاني كتابًا في الردِّ على هؤلاء وسماه: (كشف الأسرار وهتك الأستار) . بيَّن فيه فضائحهم وقبائحهم، وقال فيهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض (١) .
وقد سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- عنهم، فأجاب: (بأنهم من أفسق الناس، ومن أكفر الناس، وأن من شهد لهم بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب، فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة، وأئمتها، وجماهيرها، أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، فالشاهد لهم بالإيمان، شاهد لهم بما لا يعلمه؛ إذ ليس معه شيء يدلّ على إيمانهم، مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم.
وكذلك النسب: قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم. وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم؛ كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه، فإنَّه ذكر ما كتبه علماء
_________________
(١) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٨٧) .
(٢) - سورة الاسراء: الآية٣٦.
(٣) - سورة الزخرف: الآية٨٦.
[ ١٤١ ]
المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم.
وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين، حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه، فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزية، وأبو شامة، وغيرهم من أهل العلم بذلك. حتى صنَّف العلماء في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني في كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك
[ ١٤٢ ]
أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بيَّن فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدَّ إلهية عليّ أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء، وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه (المعتمد) فصلًا طويلًا في شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي﵀- في كتابه الذي سمَّاه (فضائل المستظهرية، وفضائح الباطنية) قال: (ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض) (١) .
وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد، وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على عليِّ غيره، بل يفسِّقون من قاتله ولم يتب من قتاله. يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة
_________________
(١) - يراجع: فضائح الباطنية ص (٣٧) .
[ ١٤٣ ]
والجماعة؟!!، والرافضة الإمامية، مع أنهم أجمل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة - يعلمون أن مقالة هؤلاء الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شرّ من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية على - ﵁ -.
وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف.
وهؤلاء -بنو عبيد القدح-ما زالت علماء الأمة المأمونون علمًا ودينًا يقدحون في نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض والتشيع، فإن لهم في هذا شركاء كثيرين، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية، الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، وأمثالهم من الكفار المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والذين أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة. فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان، فأقل ما في شهاداته أنه شاهد بلا علم، قاف ما ليس له به علم، وذلك حرام باتفاق الأمة، بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق، ومعاداة ما جاء به الرسول ﷺ: دليل على بطلان نسبهم الفاطمي، فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته، لا تكون معاداته لدينه كمعادة هؤلاء، فلم يعرف في بني هاشم، ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام، فضلًا عن أن يكون معاديًا كمعاداة هؤلاء، بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم آدم، الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف دينه هذه المعاداة؟!. ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنًا وظاهرًا معادين
[ ١٤٤ ]
لهؤلاء، إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله، وهذا مما يدل على كفرهم، وكذبهم في نسبهم. ا. هـ (١) .
فأوّل من قال بهذه البدعة الاحتفال بالمولد النبوي - هم الباطنية الذين أرادوا أن يُغيِّروا على الناس دينهم، وأن يجعلوا فيه ما ليس منه؛ لإبعادهم عمَّا هو من دينهم، فإشغال الناس بالبدع طريق سهل لإماتة السنة والبُعْد عن شريعة الله السمحة، وسنته ﷺ المطهرة.
وكان دخول العبيديين مصر سنة ٣٦٢هـ، في الخامس من رمضان (٢)، وكان ذلك بداية حكمهم لها.
وقيل: يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٣٦٢هـ (٣)، فبدعة الاحتفال بالموالد عمومًا، ومولد النبي ﷺ خصوصًا، إنَّما ظهرت في عهد العبيديين، ولم يسبقهم أحدٌ إلى ذلك.
قال المقريزي: (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم.
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي:
موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ، ومولد
_________________
(١) - يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٢٠-١٣٢) .
(٢) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٠٦) .
(٣) - يراجع: اتعاظ الحنفا (١/١٣٤) .
[ ١٤٥ ]
علي بن أبي طالب - ﵁ - ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزهراء ﵍، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات) . ا. هـ (١) .
ثم تكلم عن كل موسم، ومراسم الاحتفال فيه.
فهذه شهادة ظاهرة واضحة من المقريزي- وهو من المثبتين انتسابهم إلى ولد علي بن أبي طالب﵁- ومن المدافعين عنهم - أن العبيديين هم سبب البلاء على المسلمين، وهم الذين فتحوا باب الاحتفالات البدعية على مصراعيه، حتى أنهم كانوا يحتفلوا بأعياد المجوس والمسيحيين كالنوروز، والغطاس، والميلاد، وخميس العدس، وهذا من الأدلة على بعدهم عن الإسلام، ومحاربتهم له، وإن لم يجهروا بذلك ويظهروه. ودليل أيضًا على أن إحياءهم للموالد الستة المذكورة-ومنها المولد النبوي-، ليس محبة له ﷺ وآله كما يزعمون، وكما يظهرون للعامة والسذَّج من الناس، وإنما قصدهم بذلك نشر خصائص مذهبهم الإسماعيلي الباطني، وعقائدهم الفاسدة بين الناس، وإبعادهم عن الدين الصحيح، والعقيدة السليمة بابتداعهم هذه الاحتفالات، وأمر الناس بإحيائها، وتشجيعهم على ذلك، وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك.
_________________
(١) - يراجع الخطط المقريزية (١/٤٩٠) .
[ ١٤٦ ]
فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح (الفاطميون)، ويدلُّ على ذلك: ما ذكره المقريزي في خططه - وسبق وذكرته - وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (١) .
وقد رجع هذا وأخذ به جماعة من العلماء المتأخرين (٢) وصرَّحُوا به.
وأمَّا ما ذكره أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث): من ثنائه على الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه من أحسن ما ابتدع في زمانه (٣)، وأن أول من احتفل بذلك بالموصل (٤)، والشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين،
_________________
(١) - يراجع: صبح الأعشى (٣/٤٩٨، ٤٩٩) .
(٢) - منهم: محمد بخيت المطيعي في كتابه أحسن الكلام ص (٤٤)، وعلي محفوظ في كتابه الإبداع ص (٢٥١)، وحسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (٦٢)، وعلي الجندي في كتابه نفح الأزهار ص (١٨٥، ١٨٦)، وإسماعيل الأنصاري في كتابه القول الفصل ص (٦٤)، وغيرهم من المؤلفين في هذا المجال.
(٣) - ما ذكره أبو شامة هو وغيره من الاستحسان للاحتفال بالمولد النبوي خطأ واضح، مخالف لما عليه المحققون من علماء هذه الأمة، ويعتبر من زلات العلماء وأخطائهم، عفا الله عنا وعنه.
(٤) - هي المدينة المشهورة، ومحط الركبان، وهي باب العراق، ومفتاح خرسان وسميت بالوصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، أو بين دجلة والفرات، وتقع على نهر دجلة، وأول من عظمها من الخلفاء: مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية، وصفها العلماء بصحة الهواء، وعذوبة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٢٣-٢٢٥) .
[ ١٤٧ ]
وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل (١): فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة - ﵀ - قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) (٢) . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل.
ولكن السيوطي﵀- أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن
_________________
(١) - إربل: - بالكسر ثم السكون ثم ياء مكسورة -: من الربل أو الريبال، وهو نوع من أنواع النبات، وهي قلعة حصينة، ومدينة كبيرة، على تل عال من التراب وهي من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبوري، فأقام بها وقامت بمقامه بها - وهو المراد بقول أبي شامة: صاحب إربل - وأكثر أهلها من الأكراد. وتقع في شمال العراق شرقي مدينة الموصل. يراجع: معجم البلدان (٥/١٢٧-١٣٩) .
(٢) - يراجع: الباعث الحثيث ص (٢١) .
[ ١٤٨ ]
بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) . ا. هـ (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (وهذه البدعة- الاحتفال بالمولد- أول من أحدثها أبو سعيد كوكبوري في القرن السادس الهجري) . ا. هـ (٢) .
_________________
(١) - يراجع: الحاوي (١/١٨٩) الكتاب رقم (٢٤) .
(٢) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/٥٩) .
[ ١٤٩ ]
وقال الشيخ حمود التويجري: (إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع) . ا. هـ (١) .
فإذا عرفنا ذلك، فلا شكَّ أن العبيديين هم أول من احتفل بالمولد النبوي، حسب ما ورد في كتب التاريخ والسير؛ لأنَّ العبيديين دخلوا مصر وأسسوا ملكهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، واستمرت دولتهم القرن الخامس، ونصف القرن السادس الهجري.
فقد دخل المعز معد بن إسماعيل القاهرة في سنة ٣٦٢هـ (٢) في رمضان، وكان
_________________
(١) - يراجع: الرد القوي ص (٨٩) .
(٢) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٠٦)، واتعاظ الحنفا (١/١٣٤) .
[ ١٥٠ ]
ذلك بداية حكمهم في مصر (١) . وقيل: في سنة ٣٦٣هـ (٢) .
وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد، توفي سنة ٥٦٧هـ (٣) .
وأما مظفر الدين صاحب إربل، فلولادته كانت في سنة ٥٤٩هـ. وتوفي سنة ٦٣٠هـ (٤) .
فهذا دليلٌ قاطعٌ على العبيديين سبقوا صاحب إربل - الملك المظفر - بالاحتفال بالمولد النبوي.
فصاحب إربل ليس أول من احتفل بالمولد النبوي، وإنما سبقه إلى ذلك العبيديون بحوالي قرنين من الزمان، وهذا لا يمنع أن يكون صاحب إربل هو أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل؛ لأنَّ احتفالات العبيديين كانت في دولتهم - وهي في مصر كما ذُكِرَ في كتب التاريخ -، والله أعلم.
_________________
(١) - أما أول من حكم منهم: فهو المهدي عبيد الله، وكان ذلك سنة ٢٩٦هـ وبنى المهدية وذلك في المغرب، ثم جاء بعده ابنه القائم محمد ثم ابنه المنصور إسماعيل ثم ابنه المعز معد وهو أول من دخل منهم ديار مصر وأول من ملكها منهم. يراجع: البداية والنهاية (١١/٢٨٣) .
(٢) - يراجع: أخبار ملوك بني عبيد ص (٨٨) .
(٣) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٢٨٠)، واتعاظ الحنفا (١/٣٢٤، ٣٣٢) .
(٤) - يراجع: وفيات الأعيان (٤/١٢٠) .
[ ١٥١ ]
المبحث الثاني