المبحث الثاني: البدعة فيه عند الرافضة.
المبحث الثالث: بدعة الفرح فيه عند الناصبة.
[ ٩١ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي بكرة - رضي الله-عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» الحديث. متفق عليه (١) .
عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول الله: «أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل» (٢) .
عن عائشة﵂- قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش (٣)
في
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٠٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٨٢١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٣) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٨١١) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٢٩) . ورواه الترمذي في سننه مختصرًا (٢/١٢) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٣٧) . وقال: حديث حسن. ورواه النسائي في سننه (٣/٢٠٦، ٢٠٧) باب قيام الليل. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٤٢) .
(٣) -هي قبيلة من أشهر قبائل العرب وأقواها، شرَّفها الله ببعث النبي ﷺ منهم، قال - ﵇ -: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [رواه مسلم (٤/١٧٨٢) حديث رقم (٢٢٧٦)] . واختلف العلماء في سبب تسميتهم بهذا الاسم على أقوال كثيرة: قيل نسبة إلى قريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة. وقيل: نسبة إلى النضر بن كنانة سمي قريشًا لوصف قومه له بأنه كالحمل القريش - الشديد -. وقيل: نسبة إلى دابة بالبحر تأكل دواب البحر تدعي القرش، وقيل: إن النظر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش: التفتيش، وقيل: نسبة إلى التقرش وهو التكسب والتجارة، وقيل: نسبة إلى التقرش وهو التجمع. والراجح- والله أعلم-أن قريش هو النضر بن كنانة، فما كان من ولده فهو قرشي، ومن ليس بولده فليس بقرشي. يُراجع: تاريخ الطبري (٢/٢٦٣-٢٦٥)، والبداية والنهاية (٢/ ٢١٨- ٢٢٩) .
[ ٩٣ ]
الجاهلية، فلما قد المدينة (١) صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. متفق عليه (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قدِم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» . قالوا: هذا يوم صالح. هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» متفق عليه (٣) .
عن أبي موسى﵁- قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال
_________________
(١) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله ﷺ ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتابًا في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول ﷺ وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي ٤٥٠كم) . يراجع: معجم البلدان (٥/٨٢، ٨٨)، وصحيح البخاري (٢/٢٢٠- ٢٥٥) كتاب فضائل المدينة.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٢)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٥) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٧) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٠)، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم، على حديث عائشة وهو حديث صحيح، لا يرون صيام عاشوراء واجبًا إلا من رغب في صيامه، لما ذكر فيه من الفضل.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٤)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٠) .
[ ٩٤ ]
النبي ﷺ: «فصوموه أنتم» متفق عليه (١) .
عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - يوم عاشوراء، عام حجّ، على المنبر يقول: «يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» متفق عليه (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّلة على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر - يعني شهر رمضان» (٣) .
عن الرُّبّيع بنت معوذ - ﵂ - قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٥)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٦) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣١) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٩) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٥) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٦)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٢) .
[ ٩٥ ]
إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم» قالت: فكنا نصومه بعد ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن (١)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. متفق عليه (٢) .
عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: أمر النبي ﷺ رجلًا من أسلم (٣) أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. متفق عليه (٤) .
عن أبي قتادة﵁-: عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله» (٥) .
_________________
(١) - العهن: هو الصوف، أو الصوف المصبوغ. يُراجع: فتح الباري (٤/٢٠١) .
(٢) -رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٠٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٦٩٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٨، ٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٦)
(٣) - أسلم: بطن من خزاعة، من القحطانية، من قراهم: وبرة، وهي من أعراض المدينة. يُراجع: معجم قبائل العرب (١/٢٦) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٥) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٧) واللفظ له، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٥) .
(٥) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٣) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (٣٤٣٥) . ورواه الترمذي في سننه مختصرًا (٣/١٣٦) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٩) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٨) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٨٧) .
[ ٩٦ ]
ما رواه عبد بن عمر - ﵄ - أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون، قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (١) .
عن جابر بن سمرة - ﵄- قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده» (٢) .
عن ابن عمر﵄- قال: «صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه» (٣) .
ما روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع» . قال: فلم يأت العام المقبل حتى تُوفي رسول الله ﷺ. وفي رواية: «لئن
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٢، ٧٩٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٦) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٧، ٨١٨) كتاب الصوم، حديث رقم (٣٤٤٣) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٤) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٨٢) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٩٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٤، ٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٨) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٤، ٢٨٥) حديث رقم (٢٠٨٣) .
(٣) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤) . ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٠٢) كتاب الصوم، حديث رقم (١٨٩٢) .
[ ٩٧ ]
بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (١) .
عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - ﵄ - وهو متوسد رداءه عند زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا. قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: «نعم» (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر» (٣) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (٤) .
قال ابن قيم الجوزية: (فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبَّين له زوال
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧، ٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٤٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٢) كتاب الصيام، حديث (١٧٣٦) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٧٩٧) كتاب الصيام، حديث (١١٣٣) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٩، ٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (٢٤٤٦) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٧، ١٢٨) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥١) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٩١) أبواب صيام، حديث (٢٠٩٦) .
(٣) - رواه الترمذي في سننه (٢/١٢٨) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٢)، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٤١) . .ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٩٠، ٢٩١)، حديث (٢٠٩٥) . ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/٢٨٧) برقم (٧٨٣٩) موقوفًا على ابن عباس، ورواه أيضًا البيهقي في سننه (٤/٢٨٧) مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
[ ٩٨ ]
الإشكال، وسعة علم ابن عباس - ﵄ -، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: «صم اليوم التاسع»، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» وهو الذي روى: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر» .
وكل هذه الآثار عنه، يصدق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا. فمراتب صومه ثلاث: أكملها: أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وجده بالصوم، وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب) ا. هـ (١) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: (فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر) (٢)
_________________
(١) - يراجع: زاد المعاد (٢/٧٥، ٧٦) .
(٢) - يراجع: المغني (٣/١٧٤) .
[ ٩٩ ]
المبحث الثاني